محمد السيد الشاذلي.. رحلة صحفي متميّز من القليوبية إلى قلب صاحبة الجلالة

ليس من السهل أن تكون صحفيًا، وتعمل على مِلفٍ يهتم بقضايا الصحافة والصحفيين، في هذه اللحظة تكون بين شقّي الرحى، كيف يصبح زميلًا لك هو محور قضيتك؟ المعادلة في هذه اللحظة تكون صعبة، في الجمع بين الصداقة والزمالة والعمل، دون الإخلال بأيٍ منهم.

استطاع الصحفي محمد السيد الشاذلي تحقيق هذه المعادلة، حتى أصبح أكثر محرري مِلف الهيئات المُنظّمة للصحافة والإعلام تميّزًا، وفي نفس الوقت من أكثر الصحفيين المحبوبين في بلاط صاحبة الجلالة؛ فلم يُغلق بابه يومًا أمام طارقٍ طالبٍ للعون.

كان وظلّ دائمًا مميّزًا؛ فلمْ يكتفِ فقط بالعمل على مِلفه، ولكنه كان مثابرًا، يقرأ في القوانين والقرارات دائمًا، وربما كان هذا السبب الرئيسي لتفوّقه في تغطية هذا المِلف، حتى نجح في خلق مساحة قوية لنفسه، ما تلبثْ أن تنطق اسمه بين أيٍ من كِبار الكُتّاب والنقباء والزملاء، إلا وتجده يقول حُسن الكلام في عمله وخُلقه.

نجح في الاستحواذ على الانفرادات واللقطات المُميّزة، وطرح أهم القضايا والملفات التي تشغل بال الجماعة الصحفية، وعمل لسنوات في مصلحة الزملاء وصاحبة الجلالة، حتى أصبح شوكة في حلق أي مجلسٍ للنقابة، يقوم معه بدور المراقب والمحاسب.

بداية القصة

محمد السيد عبدالعزيز الشاذلي، ابن قرية طنط الجزيرة التابعة لمركز طوخ بمحافظة القليوبية، صاحب الـ34 عامًا، الذي نشأ في أسرة سويّة، أصّلت فيه حب الخير للغير، والسعي في قضاء حوائج الناس.

تربّي في بيتٍ لرب أسرة كان يعمل في التربية والتعليم، وكيلًا لإحدى المدارس، وهو الشيخ السيد الشاذلي، كما كان يُطلق عليه، الرجل القريب من الله، الذي عاش حياة متصوّفة، كان فيها زائرًا دائمًا لأولياء الله الصالحين، وهو ما انعكس على شخصية “محمد” منذ كان صغيرًا.

“ليس كل ما نتمنّاه ندركه”، هكذا كان الأمر مع محمد السيد الشاذلي، الذي رغب في الالتحاق بكلية الهندسة، ولكن قُدّر له أن يلتحق بكلية التربية النوعية قسم الإعلام بجامعة بنها، والتي أعطاها حبًا كبيرًا، وبدأ معها رحلة مختلفة بتفاصيلها، وهي أن يكون مُعيدًا بالكلية، خاصة وأنه نجح في أن يقتنص المركز الأول على دفعته في الفِرقة الأولى، منذ ذلك الحين، وظلّ التعيين في السِلك الأكاديمي بالكلية هدفًا له.

أحالت الظروف دون تحقيق حُلم “محمد” للمرة الثانية؛ وذلك نظرًا لتوقّف التعليم في الكلية لمدة 5 سنوات بسبب الخطة الخمسية، ومن هنا انطلقت قصته مع صاحبة الجلالة، حين بدأ التدريب في عددٍ من الصحف الإقليمية، والمواقع الإخبارية، ثم التلفزيون المصري، يجوب القُرى، ويصنع التحقيقات الصحفية والتقارير المُميّزة، يشعر بسعادة غارمة حين يجدها مرسومة بالعدد الورقي للصحيفة، ويسعد أكثر حينما يعمل الموضوع على تغيير جزءٍ من الواقع، أو حينما يحقق هدفه، خاصة عندما يتم الاستجابة لمشكلة أو استغاثة مواطن بسيط أو حالة إنسانية.

مرحلة جديدة في حياته

مرحلة جديدة في حياة محمد السيد بدأت عام 2010، عندما انتقل للعمل في واحدة من أكبر الصحف، وهي مؤسسة “اليوم السابع”، والذي بدأ رحلته معها محررًا بالقسم الميداني، لاقتناعه التام بأن بداية أي صحفي يجب أن تكون في القسم الميداني، ليرى كل ما في الشارع ويتعلّم كل فنون الصحافة من الظروف والأحداث المختلفة.

استمرّ محمد السيد محررًا بالقسم الميداني في جريدة اليوم السابع لمدة 3 سنوات، غطّى خلالها ثورة 25 يناير، وما تبعها من أحداث مختلفة، ثم ثورة 30 يونيو، وانتقل بعدها إلى القسم السياسي، تولّى فيه عددًا كبيرًا من المصادر والملفات الهامة، وخلال تلك الفترة عمل بعددٍ من المواقع الصحفية، والتطبيقات الإخبارية، وإعداد في بعض البرامج التلفزيونية.

بطل قصّته

كان الشيخ السيد والد “محمد” هو بطل قصته، والذي دعمه بشكل كبير طوال مشواره، بدءًا من المرحلة التعليمية، حتى العمل في الصحافة، والذي رغب بالعمل خلال فترة الإجازة الصيفية، ودائمًا ما كان والده يرفض ذلك، ويدفعه للاهتمام بالدراسة، حتى عندما بدأ التدريب والعمل بالصحافة خلال الجامعة، رفض والده الأمر في البداية، والذي كان يراها مهنة صعبة، ولا يشعر الصحفي فيها بالأمان، ولكن في النهاية استجاب لرغبته، ثم تحوّل لأكبر داعمٍ له، وظلّ لسنواتٍ طويلة لا يقطع عادة كانت مهمة بالنسبة له، وهو إعطاء نجله الصحفي “مصروفًا”، والذي كان يتقاضى من مهنته مبلغًا لا يُذكر.

يقول محمد السيد: “كنت أحيانًا أُحرج منه، ووصل بي الأمر لأن أكذب عليه بأنني قد تقاضيت راتبي ولكنه سُرق مني، حتى أدافع عن رغبتي في الاستمرار بالمهنة، هذه كذبة بيضاء، وكان يعلم أنها كذلك، ويعطيني أكثر وأكثر، حتى بعد تقاضيّ الراتب، ظلّ داعمًا لي، لكي أستمر وأنجح في المجال الذي أحببته”.

لحظات قاسية عاشها الشيخ السيد الشاذلي، حينما ارتجف قلبه على نجله أثناء تغطية أحداث اعتصام جماعة الإخوان المسلمين أمام المنصّة، والذي طالبه وقتها بترك مهنة الصحافة، خوفًا عليه، ولكن أبى “محمد” أن يفعل ذلك، وظلّ يعمل في بلاط صاحبة الجلالة، لينتقل إلى مرحلة دعمه، بتوجيه النصائح له بالقراءة والتطوير.

وعن تدرّجه الوظيفي داخل مؤسسته، قال: “أنا صحفي أولًا وأخيرًا، وسأظلّ هكذا دائمٍا، ما يميز الصحفي، هو أداؤه المهني، وأن يظلّ قادرًا على الإنتاج دائمًا، وقلمي وحركتي الدؤوبة، أكبر المناصب التي وصلت إليها، وأحب البقاء فيها”.

أشخاص أثّروا في حياته

تأثّر “محمد” في مشواره العملي بالكاتب الصحفي أحمد بهاء الدين، واصفًا إياه بأنه شخصية فارقة وشجاعة، وأنه رمزًا للاتزان في الرأي والفكر، وتعلّم منه معنى وقيمة الكلمة، وكذلك الكاتب الصحفي الراحل محمود عوض، الذي تمتّع بأسلوبه السهل الممتنع في الكتابة.

اعتبر “محمد” نفسه تلميذًا للكاتب الصحفي الراحل مكرم محمد أحمد، والذي تعلّم منه الكثير من أصول الصحافة، وكيف ينجح في أن يؤدي رسالته بالشرف والأمانة، وأن يحترم آداب المهنة، وكذلك الكاتب الصحفي ضياء رشوان، الذي لازال  يلجأ إليه للإجابة عن أي أسئلة، سواءً في قوانين الصحافة، أو السياسة، أو بشكل عام.

التحدّيات التي واجهته

بدأت تحدّيات “محمد” منذ سنٍ صغير جدًا، حين توفّت والدته “الأبلة سمرة”، وهو في الثالثة من عُمره فقط، والتي كانت تعمل في التربية والتعليم، ما سبب شرخًا كبيرًا في قلبه، لم تلملمه السنوات حتى اليوم.

حتى جاء 9 فبراير 2017، اليوم الذي وصفه بأنه “قُصم فيه ظهره” برحيل الشيخ السيد الشاذلي، والده الذي ظلّ طوال حياته هو السند والعوّن له في الحياة، تاركًا له سيرة طيبة، ودروسًا حميدة علّمها له، وأورثه شعورًا باليُتم لم يختبر مرارته بتلك القسوة من قبل، ربما لأنه فقد والدته قبل أن يتشكّل لديه أي وعيٍ بفكرة الفقد.

تكريمات حصل عليها

حصل محمد السيد على العديدٍ من التكريمات خلال مشواره الصحفي، أبرزهم تكريمًا من المنظمة العربية لحقوق الإنسان في مايو 2017، وتكريم من جيانج جيان قوه نائب رئيس قطاع الإعلام باللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، ووزير الإعلام الصيني في نوفمبر 2018، وتكريم آخر من اتحاد الصحفيين العرب في يوليو 2019، وأيضًا تكريم من مجلس نقابة المحامين عام 2016، وتكريم من معهد الشارقة للتراث في سبتمبر 2021.

خوض انتخابات نقابة الصحفيين

دفعه حُبه للمهنة والنقابة إلى الترشّح بانتخابات التجديد النصفي السابقة، التي انعقدت في مارس 2023، مُحققًا أرقامًا كبيرة، على الرغم من أنه يخوض هذه التجربة لأول مرة، إلا أنها اقترب جدًا من النجاح، والتف حوله عشرات الصحفيين بعد إعلان النتيجة، مُعتبرين أنا هذه الأصوات الكبيرة هي نجاح، يدل على ثقة الجمعية العمومية فيه.

كان دافع “محمد” الأول هو ترسيخ حضور النقابة، وإنعاش البيئة الصحفية، وتفعيل أدوارها، وانطلاقًا من حقيقة أننا نعمل في مهنة حيّة، تتجدد دومًا، وباعتبار أن الشباب هو وقود هذا التجدد، وساعده على ذلك أنه ظلّ لنحو 12 عامًا محررًا لملف الهيئات المُنظمة للعمل الصحفي والإعلامي، وقريبًا من هموم المهنة والزملاء، يعيش معهم مشكلاتهم، وأزمات مؤسساتهم المختلفة، وقضاياهم النقابية أيضًا، ما كوّن لديه رؤية ليكون تِرسًا في ماكينة نشطة، تحمل على عاتقها مهمة بعث الروح في البيت العريق، وهو نقابة الصحفيين.

يؤمن “محمد” بضرورة أن يكون الشباب معنيًا بخوض معارك العمل العام، وفي القلب منه العمل النقابي، وكان حافزه الأكبر من زملائه، الذين التقى خيالهم مه خياله عند نقطة واحدة، وطالبوه بخوض معركة انتخابات مجلس النقابة، نجح خلالها في تقديم خطابٍ متوازنٍ وناضجٍ، بعيدًا عن العاطفة أو الشعارات، وخاض الجولة على ركائز أخلاقية ومهنية واضحة.

يقول محمد السيد: “راهنت خلال خوضي لمعركة الانتخابات، على فكرة الإصلاحية، والرؤية الشاملة، في إطار تصوّر واسع لهيكلة آلية العمل، وابتكار مسارات ومشروعات خدمية ونقابية أكثر تطورًا وفاعلية، وطرح خطة واقعية، لا تداعب العواطف، ولا تدّعي إنجاز الخوارق، وقد شبع المهنيون في كل النقابات وعودًا تحملها دعاية الانتخابات، وتذروها محاضر الفرز والنتائج؛ فلم أحب أن أكون ممن يبيعون الوهم، مثلما لا أشتريه أيضًا”.

وعن خوض تجربة الانتخابات مرة أخرى، أضاف: “خلال استشارة أساتذتي الكِبار في قرار الترشح للانتخابات، سألني أحدهم قبل أن يخبرني برأيه، أنه في حالة إخفاقي هل سأتأثر نفسيًا أم لا، وهل سأستمر في المحاولة أو سأتوقّف، أجبت على السؤال الأول بأنني لن أتأثر بالنتيجة، فالتوفيق بيد الله، وأنا مستمر في خدمة زملائي من داخل المجلس أو خارجه، وفي السؤال الثاني قلت إنني بحكم الخبرة في الشأن النقابي، أعرف أن الأغلبية لا يصيبون التوفيق من أول محاولة، وأنا جاهز لهذا الاحتمال برضا وإصرار، فكان رده سِر على بركة الله وأنا في ظهرك”.

مشاركة قوية في الحوار الوطني

ولأنه صحفي متميّز، تلقّى محمد السيد دعوة من مجلس أمناء الحوار الوطني، للمشاركة في جلسة لجنة حقوق الإنسان والحريات العامة، حول موضوع قانون حرية تداول المعلومات، وكان وقتها حريصًا على المشاركة بجدية وإيجابية عالية، خاصة وأن الجلسة تناولت موضوعًا شديد الأهمية، يقع في صُلب مشاغل المواطن عمومًا، وفي أولويات الصحفيين بالخصوص، وهي تداول المعلومات، التي اعتبرها من العناصر الأصلية التي تُبنى عليها الحرية الإعلامية، وتضمن أن يكون الأداء منضبطًا، ودقيقًا، وخاليًا من الشُبهة والثغرات، وأنها المدخل لقراءة الحال على وجهها الصحيح، وإنجاز سياسات ومقاربات تنفيذية أكثر كفاءة وتصديًا للواقع وتحدياته.

وقال:”الصحفيون أحوج من يكون للتدفق السريع للمعلومات؛ لأنهم ملتزمون تجاه مجتمع نهم للمعرفة، ولأن المهنة معنية بأن تكون خصيمًا للتضليل ونقص المعرفة، لذلك قدّمت في الجلسة قائمة من المقترحات بشأن مشروع قانون يتعلّق بحرية تداول المعلومات، على رأسها ضرورة مراجعة منظومة التشريعات والقوانين المُكبلة لفكرة الحرية المعلوماتية، والرجوع عن القيود المُبالغ فيها على عملية تداول المعلومات، وإنشاء هيئة أو مجلس أعلى للمعلومات يتمتع بالشخصية الاعتبارية المستقلّة، ويختص بوضع السياسات العامة المتعلّقة بالإفصاح وتداول المعلومات، ومتابعة أداء الجهات التنفيذية لالتزامتها المقررة قانونًا”.

وأضاف: “اقترحت إعداد دليل إرشادى للجمهور، يتضمّن حقوقهم المكفولة قانونًا، وكيف يصلون إليها دون تجاوز أو معوّقات، وتدريب وتأهيل المسؤولين على طرق التعامل مع طالبي المعلومات، مع التزام كل جهة من الجهات العامة بأن تُعلن بشكل واضح بيانًا بآليات تقديم الشكاوى، والإفصاح عمّا يُتخذ من قرار بشأن كل شكوى، فضلًا عن أفكار أخرى، وإجمالًا كانت الجلسة مهمة ومُثمرة، بقدر أهمية الحوار الوطني، وما أحدثه من أثر عظيم في المجال العام”.

رسالة لشباب الصحفيين المُلتحقين الجدد بالمهنة

وجّه “محمد” رسالة إلى شباب الصحفيين  قائلًا: “لا تبخل على زميلٍ بأي معلومة أو مساعدة، اختصر على غيرك الطريق، ما حصلت عليه في عشر خطوات، ساعدهم في الحصول عليه بخطوة واحدة، وأقول شباب الصحفيين المُلتحقين الجدد بالمهنة، حافظوا على أسمائكم، وعلى قيمة 4 عبدالخالق ثروت، لا تبتعدوا عن نقابتكم، فهي حِصن المهنة، وهي البيت والدرع”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى