أشرف جهاد.. صحفي كفء يصوغ الحقيقة في هدوء

ليس كل من دخل الصحافة صار شاهدًا على عصره، لكن القليلين فقط جعلوا من الحقيقة بوصلتهم الوحيدة، ومن الكتابة فعلًا أخلاقيًا قبل أن تكون مهنة، الصحفي أشرف جهاد، مدير تحرير موقع مصراوي، واحد من هؤلاء، فتشكل وعيه مبكرًا وكتب منذ البداية وهو يعرف أن الطريق لن يكون سهلًا، لكنه سيكون صادقًا.
من العزيزية بدأت الحكاية، نشأ أشرف جهاد في قرية العزيزية، مركز منيا القمح بمحافظة الشرقية، تلك القرية التي لم تكن نموذجًا قرويًا تقليديًا بقدر ما كانت حالة هجينة تجمع بين متناقضات متعددة، فيصف أنها قرية تحافظ على أخلاقياتها الصلبة، لكنها أقرب للمدينة في الثقافة والتعليم والخدمات، وهو ما أوجد حالة مبكرة من قبول الآخر، واحترام الخصوصية، دون التفريط في روح التضامن المجتمعي القروي.
في هذه البيئة، تشكل وعي الطفل الذي سيصير لاحقًا صحفيًا، لا يرى العالم بلون واحد، ولا يتعامل مع الاختلاف باعتباره تهديدًا، بل جزءًا أصيلًا من نسيج المجتمع.
مكتبة الجد كانت البذرة الأولى للوعي، فلم تكن المكتبات العامة في القرية مجرد رفاهية، لكنها كانت أحد مظاهر حيوية المكان، غير أن الصدفة لعبت دورًا أكثر عمقًا في تشكيل مسار أشرف جهاد، بوجود مكتبة ضخمة لأحد أجداده داخل بيت العائلة، تضم أمهات الكتب، ورغم أن المكتبة كانت في شقة مغلقة، كان يتسلل هو وشقيقه إليها، كل يبحث عن عالمه الخاص، فغاص في الكتب بينما كان شقيقه يفتش عن كراسات الرسم التي تركها الجد، والتي تكشف عن موهبة فنية لافتة.
احترقت هذه المكتبة بينما كان أشرف في الجامعة، لكن أثرها لم يحترق؛ فقد بقيت بعض الكتب، من بينها كتاب يعود إلى سنة 753 هجرية، شاهدًا ماديًا على جذور بعيدة للمعرفة.
منذ الصغر، وجد أشرف جهاد دعمًا مباشرًا من أسرته، خاصة والده، الذي كان يشجعه على الكتابة بلا توقف: مقالات، قصص، محاولات أولى لا تخلو من الارتباك. كان الأب يقرأ، وينقد، ويوجه، دون أن يقتل الشغف.
لحظة فارقة حدثت في الصف الثاني الثانوي، حين كتب موضوع تعبير عن أثر مشروعات البنية التحتية على النمو الاقتصادي، في الفصل، وبعد قراءة الموضوع، توقفت مدرسة اللغة العربية وسألته إن كان هو الكاتب فعلًا، ثم قالت جملة حاسمة: “أنصحك أن تكون صحفيًا”.
لم تكن الصحافة حلمًا طارئًا، بل كانت بالفعل ثالث رغباته، لكنها الرغبة التي اختارها القدر بعد أن استبعد الأوليين.
في المرحلة الابتدائية، كتب أشرف صحيفة مدرسية، وأجرى حوارًا صحفيًا مع طبيبة، كانت التجربة بسيطة، لكنها تركت أثرًا لا يُمحى. وفي الإعدادية، شجعته إحدى المدرسات على رواية القصص أمام الفصل، وهناك أدرك لذة الحكي: أن ترى ما لا يراه الآخرون، وأن تلتقط الزوايا الخفية، وتعيد سرد العالم بصوتك.
بدأ أشرف جهاد العمل الصحفي عام 2001، وهو لا يزال في الصف الأول الجامعي، قبل أن يتخرج رسميًا في 2005، في تلك السنوات، لم يكن طالبًا عاديًا، بل شريكًا في تجربة صحفية مبكرة؛ إذ أسس مع زملائه في الصف الثاني أسرة طلابية، وأصدروا مجلة صحفية شاملة، لا تزال حتى اليوم محل إعجابهم وسعادتهم.
ومع العمل المهني، بدأ أشرف يكتشف أن الناس لا تبحث فقط عن من يعبر عن أحلامها، بل عن من يصف واقعها كما هو، هنا، بدأت الحقيقة تتحول من مفهوم مجرد إلى التزام أخلاقي.
لم تكن بداية الألفينات زمنًا رحيمًا بالصحافة،حسبما وصف، فالإنترنت كان لا يزال في بداياته، والصحف تعاني جمودًا وأزمات بنيوية، وبعد التخرج، اصطدم أشرف بمقابل مادي هزيل.
بعد التخرج، واجه أشرف جهاد واقعًا صحفيًا صعبًا، إذ كان المقابل المادي للعمل في إحدى الصحف الأسبوعية محدودًا جدًا.. “50 جنيهًا عن تحقيق منشور على صفحتين، و35 جنيهًا عن الحوار، و5 جنيهات فقط للخبر أو التقرير”. في بداية مساره المهني، كُلّف بتحقيق مهم حول تغيير الحكومة، في وقت كانت التوقعات ترجح فيه إقالة الدكتور أحمد نظيف. وبعد إتمام التحقيق ونيل إشادة الجميع بمستواه، عاد رئيس التحرير وحذفه بحجة الصداقة مع رئيس الحكومة، فيما كانت الحقيقة أن دفة الأمور قد تغيّرت ليلة النشر، وبقي نظيف رئيسًا للحكومة، فقرر رئيس التحرير عدم النشر. التحقيق تطلب خمسين جنيهًا فقط للبحث في أرشيف “الأهرام”، بعيدًا عن تكاليف المواصلات ومقابلات الخبراء، وكانت المكافأة حال النشر لا تتجاوز خمسين جنيهًا. تلك الليلة اتخذ قرارًا بالسفر خارج مصر.
رغم كل الصعوبات، يظل شعور رؤية الاسم لأول مرة على مادة صحفية لحظة لا تُنسى، مزيج من الفخر، والخوف، والترقب، واكتشاف المجهول. شغف كبير يصطدم بواقع قاسٍ، لكنه لا ينكسر.
مر أشرف جهاد بتجارب كثيرة، لكن تبقى لحظة تنحي الرئيس الأسبق حسني مبارك تجربة مفصلية. زلزال حقيقي أعاد تشكيل الصحافة المصرية بالكامل، وفرض على الجميع إعادة تعريف دورهم وحدودهم ومسؤولياتهم.
عمل أشرف جهاد في عدد كبير من الصحف والمواقع، من بينها: وطني، صوت الشعب، صوت الأمة، المصري اليوم، الوطن، البديل، البداية، ومصراوي، كما شغل منصب رئيس تحرير نشرة في إذاعة الإمارات من أم القيوين، ومدير تحرير برنامج 90 دقيقة على قناة المحور، وعمل أيضًا مع مؤسسات عربية ودولية، منها فوربس الشرق الأوسط وأريج.
لم يجمعه موقف واحد محدد برواد المهنة بقدر ما جمعته ظروف التعلم من مدارس فكرية متباينة: يسار ووسط ويمين، متطرف ومعتدل. أحد الدروس التي لا ينساها، تعلمه من أستاذ كبير تسامحه مع من يهاجمونه، حين سأله عن ذلك، أجابه بجملة ظلّت راسخة في ذهنه: “قدر الطبيعة والضعف البشري”.
أخيرا، أشرف جهاد لا يقدم نصيحة مباشرة، بقدر ما يقدم قراءة مهنية؛ فهو يرى أن الفهم الواضح لمبادئ الصحافة الخمسة، وإدراك أن الحقيقة الصحفية ليست شعارا بل عملية تحقق منهجية، مع الإيمان بتقليل الضرر الهامشي، وامتلاك عقلية صحفية تحترم الإنسان قبل السبق، يمثل أساس ممارسة المهنة بشكل مسؤول وملتزم.



