بياناتسلايدر رئيسي

بيان موقف: بشأن التغطية الإعلامية للقضية المعروفة إعلاميًا بـ«بيت فاطم»

المرصد المصري للصحافة والإعلام: حرية النشر لا تنفصل عن المسؤولية المهنية

تابع المرصد المصري للصحافة والإعلام التغطية الصحفية والإعلامية المصاحبة للقضية المعروفة إعلاميًا بـ«بيت فاطم»، وما شهدته من نشر أجزاء من أوراق التحقيقات، وتداول بيانات وتفاصيل شخصية تتعلق بالمجني عليهن والشهود، بما أعاد إلى الواجهة نقاشًا مهنيًا يتجاوز حدود هذه القضية، ويتصل بكيفية تعامل الصحافة مع أوراق التحقيقات في القضايا الجنائية ذات الطبيعة الحساسة.

 

وينطلق المرصد في هذا البيان من دوره في الدفاع عن حرية الصحافة وتعزيز المعايير المهنية، وليس من موقع التعليق على الوقائع محل التحقيق أو تقييم الأدلة أو إبداء الرأي في المسؤولية الجنائية لأي من أطراف القضية، التي يظل الفصل فيها حقًا أصيلًا للقضاء.

 

ويرى المرصد أن النقاش الذي أثارته هذه القضية لا يتعلق بمشروعية نشر التحقيقات في حد ذاتها، وإنما بالسؤال الذي ينبغي أن يسبق كل قرار تحريري: ما الذي يميز العمل الصحفي عن مجرد إعادة نشر أوراق التحقيقات؟

 

فالوثيقة القضائية تُعد لخدمة العدالة، إذ تستوعب كل ما تراه جهة التحقيق لازمًا لكشف الحقيقة وإثبات الوقائع، أما المادة الصحفية فتُعد لخدمة المجتمع، إذ تنتقي من المعلومات ما يحقق المصلحة العامة، وتفسر الوقائع، وتضعها في سياقها، وتوازن بين حق الجمهور في المعرفة وحقوق الأفراد.

 

وبين الوثيقة والمادة الصحفية يقف القرار التحريري بوصفه الفارق الجوهري بين تداول الوثائق وممارسة الصحافة.

ومن هذا المنطلق، يؤكد المرصد موقفه الثابت الرافض للتوسع في قرارات حظر النشر باعتبار أن الأصل هو حرية تداول المعلومات، وأن الصحافة تؤدي دورًا أساسيًا في متابعة الشأن العام وتعزيز الرقابة المجتمعية على سير العدالة. غير أن رفض حظر النشر لا يعني أن كل ما يرد في أوراق التحقيقات يصبح صالحًا للنشر بمجرد وصوله إلى وسائل الإعلام، إذ إن الوصول إلى المعلومات يختلف عن وجود مبرر مهني أو أخلاقي لنشر جميع تفاصيلها.

القرار التحريري لا يقوم على مجرد صحة المعلومة أو توافرها، وإنما على موازنة دقيقة بين المصلحة العامة، واحترام الخصوصية، وصون الكرامة الإنسانية، والحد من الضرر المحتمل، ومدى ضرورة نشر المعلومة لفهم القضية. وكلما ازدادت حساسية القضية، ازدادت مسؤولية المؤسسة الصحفية في ممارسة هذا التقدير المهني.

ومن ثم، فإن وظيفة الصحفي لا تبدأ عند الحصول على أوراق التحقيقات، وإنما تبدأ بعد الحصول عليها. إن قيمة العمل الصحفي لا تكمن في نشر أكبر قدر من المعلومات، وإنما في القدرة على التحقق منها، وتفسيرها، والتمييز بين ما يحتاج المجتمع إلى معرفته، وما لا يحقق نشره سوى الإضرار بالأفراد أو تحويل معاناتهم إلى مادة للتداول والإثارة.

ولا يجوز، في هذا السياق، الخلط بين المصلحة العامة والفضول العام. فمن حق المجتمع أن يعرف كيف جرت الوقائع، وكيف تعاملت جهات التحقيق معها، وما تكشفه القضية من دلالات وقضايا عامة، لكنه لا يحتاج إلى الاطلاع على كل التفاصيل الشخصية الواردة في التحقيقات حتى يتمكن من فهمها. فليست كل معلومة صحيحة صالحة للنشر، كما أن ورودها في أوراق التحقيق لا يمنحها تلقائيًا قيمة صحفية.

وقد كشفت التغطية المصاحبة لهذه القضية عن التوسع في نشر بيانات شخصية ومهنية واجتماعية، إلى جانب نقل أجزاء مطولة من أقوال المجني عليهن تضمنت تفاصيل شديدة الخصوصية ولا تكمن خطورة ذلك في كل معلومة على حدة، وإنما في أثرها التراكمي، إذ قد تؤدي مجموعة من البيانات، حتى وإن بدا كل منها منفصلًا غير كافٍ، إلى كشف هوية الضحية أو الإضرار بها داخل محيطها المهني أو الاجتماعي أو الأسري.

حماية الضحايا لا تقتصر على حجب الأسماء أو طمس الصور، وإنما تمتد إلى حماية كرامتهم. فهناك تفاصيل قد لا تكشف الهوية، لكنها تمس الحياة الخاصة أو تعيد إنتاج المعاناة أو تعرض أصحابها للوصم المجتمعي، وهو ما يتعارض مع جوهر المسؤولية المهنية التي تفرض على الصحافة الحد من الضرر كلما أمكن تحقيق الغرض الإخباري دون المساس بحقوق الأفراد.

ويمثل احترام قرينة البراءة التزامًا مهنيًا أصيلًا، بما يقتضي التمييز الواضح بين الاتهامات، وأقوال أطراف القضية، وما يثبت بحكم قضائي نهائي، وتجنب الصياغات التي تستبق نتائج التحقيقات أو تقدم الاتهامات باعتبارها حقائق مكتملة.

ويتسق هذا الموقف مع المبادئ التي أرستها مواثيق الشرف والأكواد المهنية المصرية والدولية، والتي تؤكد أن احترام الخصوصية، وصون الكرامة، والحد من الضرر، وعدم تحويل الجرائم إلى مادة للإثارة، والالتزام بقرينة البراءة، ليست قيودًا على حرية الصحافة، وإنما ضمانات لممارستها على نحو مسؤول يخدم المصلحة العامة ويعزز ثقة المجتمع في الإعلام.

ويؤكد المرصد المصري للصحافة والإعلام أن قضية «بيت فاطم» تمثل فرصة مهمة لمراجعة السياسات التحريرية الحاكمة للتعامل مع أوراق التحقيقات في القضايا الجنائية الحساسة. فالمشكلة ليست في أن الصحافة نشرت، وإنما في الكيفية التي نشرت بها. وكلما نجحت المؤسسات الصحفية في ترسيخ معايير مهنية تحكم قرار النشر، ازدادت قدرة الصحافة على أداء دورها في خدمة المجتمع، وحماية الحقوق، والدفاع عن حرية التعبير، دون أن تصبح، بقصد أو بغير قصد، سببًا في إلحاق ضرر جديد بمن يفترض أن تسهم العدالة والإعلام معًا في حمايتهم.

 

وتأسيسًا على المبادئ السابقة، يضع المرصد التوصيات التالية لتعزيز الممارسة المهنية:

أولًا: تطوير سياسات تحريرية مكتوبة داخل المؤسسات الصحفية والإعلامية لتنظيم التعامل مع أوراق التحقيقات، بما يضمن خضوع قرارات النشر لمراجعة تحريرية تراعي المصلحة العامة، والخصوصية، والكرامة الإنسانية، والحد من الضرر.

ثانيًا: اعتماد مبدأ “الحد الأدنى اللازم للنشر”، بحيث يقتصر نشر المعلومات على القدر الضروري لفهم القضية وإحاطة الرأي العام بتطوراتها، مع تجنب نشر البيانات الشخصية أو التفاصيل التي لا تحقق مصلحة عامة.

ثالثًا: اعتبار حماية هوية الضحايا والشهود عملية تحريرية متكاملة، لا تقتصر على حجب الأسماء أو طمس الصور، وإنما تشمل مراجعة جميع البيانات المباشرة وغير المباشرة التي قد تؤدي، منفردة أو مجتمعة، إلى التعرف عليهم أو الإضرار بهم.

رابعًا: التعامل مع أوراق التحقيقات باعتبارها مصدرًا للمعلومات يخضع للتحقق والتحرير والتفسير، وليس مادة جاهزة للنشر، مع تجنب النقل الحرفي الذي قد يفضي إلى انتهاك الخصوصية أو الإضرار بحقوق الأطراف.

خامسًا: تعزيز برامج التدريب المهني للصحفيين والمحررين ورؤساء التحرير حول تغطية الجرائم، وأخلاقيات التعامل مع الضحايا والشهود، وحماية الخصوصية، بما يستند إلى ميثاق الشرف الصحفي والأكواد المهنية المصرية والمعايير الدولية ذات الصلة.

سادسًا: يدعو المرصد نقابة الصحفيين، والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، والمؤسسات الصحفية، وكليات الإعلام، إلى إطلاق حوار مهني لتطوير وتحديث الأدلة والأكواد المنظمة لتغطية التحقيقات والقضايا الجنائية، بما يستجيب لتحديات النشر الرقمي ويحافظ على التوازن بين حرية الصحافة وحقوق الأفراد وضمانات العدالة.

سابعًا: ويعلن المرصد المصري للصحافة والإعلام عزمه إطلاق مشاورات مهنية لإعداد دليل استرشادي حول تغطية التحقيقات والقضايا الجنائية الحساسة، بالتعاون مع الصحفيين والخبراء القانونيين والأكاديميين وممثلي المؤسسات الإعلامية، بهدف دعم تطوير الممارسة المهنية وتعزيز التوازن بين حرية النشر، وحق المجتمع في المعرفة، وحماية الخصوصية، وصون الكرامة الإنسانية.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى