بروفايل

حساني بشير.. رحلة إعلامي واجه الانكسار بصوت خرج من الصعيد إلى قلب القاهرة

لم يكن حساني بشير مجرد مذيع صعد إلى الشاشة، بل حكاية إنسان تشكّلت ملامحه بين البدايات الصعبة والإيمان العميق بالمعنى. تعلّم مبكرًا أن الكلمة أمانة، وأن الرحمة ليست ضعفًا بل قوة أخلاقية تُنقذ صاحبها قبل أن تُنقذ الآخرين. وحين أوصدت الحياة أبوابها في وجهه، لم يطرق إلا باب الله، فآمن أن النجاة لا تأتي مصادفة، بل استجابة صادقة لقلبٍ لم يفقد يقينه.

وُلد حساني بشير بمركز قوص بمحافظة قنا، هناك، قبل أن يتعلّم حساني كيف ينطق، كان اسمه قد سُبق إليه بالدعاء، فوالدته ذهبت إلى الشيخ الطيب، والد الإمام الأكبر أحمد الطيب، وعادت محمّلة بجملة قصيرة، لكنها حاسمة:
«لو جالك ولد، سميه الطيب الحساني».

لم يكن الاسم اختيارًا جماليًا، بل محاولة أمٍّ صعيدية أن تفاوض الغيب. في البيت كانوا ينادونه الطيب، وفي الأوراق الرسمية حساني، كبر وهو يعرف أن اسمه ليس عاديًا. أمه أخبرته لاحقًا أنها سمّته هكذا لأن الموت في زمنهم كان يمر سريعًا، ولأنها أرادت إذا جاء ملاك الموت أن يتوه: «يدوّر على الطيب حساني، وما يلاقيهوش»، حسب ما أخبرته.

لم تكتفِ الأم بالدعاء. فألبسته وهو طفل حلقًا ذهبيًا، واصطحبته إلى المقابر اتقاءً للحسد. لم تكن هذه طقوس غرائبية بقدر ما كانت محاولات لحماية حياةٍ حساني بشير.

كان حساني الولد الوحيد بين ست شقيقات. نشأ محاطًا بشقيقاته، فتعلم مبكرًا أن الخوف ليس ضعفًا، بل مسؤولية. كان أبوه يكرر عليه: «خاف على البنت أكتر من الولد»، فكبر هذا المعنى داخله، وترسّخ حتى صار جزءً من تكوينه النفسي. وحين صار أبًا لاحقًا لثلاث بنات، أدرك أنه لم يكن يتدرّب على الخوف عبثًا، بل كان يُعدّ لحملٍ أكبر.

في الصعيد، البنات ليست مجرد أفراد في العائلة، بل أمانة. وحساني حمل هذه الأمانة مبكرًا، ثم حملها مضاعفة حين صار مسؤولًا عن تسع بنات: ست شقيقات وثلاث بنات. هذا الثقل الإنساني ظل يرافقه في كل انتقالاته، حتى وهو يقف أمام الميكروفون.

بعد الثانوية العامة التي أنهاها بتفوق، شدّ الرحال إلى القاهرة ليلتحق بكلية التجارة جامعة حلوان. لم يكن معه سوى الحلم، والقيم الصعيدية الثقيلة في قلب مدينة لا تنتظر أحدًا. كان يريد أن يكون مذيعًا. بدا الحلم بسيطًا، لكنه كان محفوفًا بالرفض. خطا داخل الكلية مرتديًا الجلباب، فطُلب منه أن يغيّر ملابسه. لم يكن الاعتراض على الملابس فقط، بل على الخلفية، وعلى اللهجة، وعلى الشاب الصعيدي القادم من الجنوب.

في ماسبيرو، ذهب لاختبارات المواهب. قيل له: «لو تعرف تغني، غني». غنّى. لم يكن الغناء موهبته الأساسية، لكنه كان مستعدًا لأن يفعل أي شيء يقربه خطوة من الحلم. التحق بدورات تدريبية، وتعلّم، لكنه اضطر بعد التخرج إلى العمل في السياحة. هناك، تعلّم الالتزام، الدقة، التعامل مع البشر، كلها أشياء شكّلته دون أن يدري.

شارك لاحقًا في مسابقة الإذاعة، ونجح. كانت هذه أول إشارة حقيقية أن الطريق، رغم طوله، قابل للسير. بدأ العمل الإذاعي، وتدرّج، دون واسطة، معتمدًا فقط على صوته، وانضباطه، وإصراره.

بدأ حساني بشير عمله في الإعلام عام 1993 كمذيع راديو لمدة 6 سنوات، ودخل امتحان القناة الثامنة وحصل على المركز الأول فكان من مؤسسي القناة، وفي عام 1999 تم اختيار حساني بشير للمشاركة في تقديم برنامج صباح الخير يا مصر كأول مذيع إقليمي جرى اختياره في البرنامج؛ لذلك كان يسافر من أسوان إلى القاهرة أسبوعيًا، كي يقدم البرنامج صباح كل اثنين، ثم يعود في نفس اليوم لأسوان لتقديم برامجه في القناة الثامنة، واستمر الأمر كذلك لمدة 5 سنوات متتالية.

لمدة خمس سنوات كان حساني بشير يحصل على لقب أحسن مذيع شاب في استفتاء الدكتور سامي عبد العزيز، عمل مذيعًا بالإذاعة المصرية، ثم بقطاع الأخبار في التليفزيون المصري، قبل أن يخوض تجارب إعلامية عربية ودولية متنوعة؛ منها عمله مذيعًا بقناة المجد الإخبارية لمدة أربع سنوات، وقناة ON TV لمدة سبع سنوات، وكذلك بالإذاعة الروسية لمدة ثلاث سنوات.

جاءت لحظة توقف الدخل فجأة وبقيت الالتزامات، ديون، مصاريف، 4 أطفال منهم 3 فتيات. وجد نفسه في مواجهة مباشرة مع القلق، ليواجه حينها أصعب ضربة حين قالت ابنته: «لو بابا مات، مين هيصرف علينا؟». هذا السؤال لم يكن بريئًا، بل قاسيًا، لأنه جاء من قلب طفلة رأت الخوف مبكرًا. هنا لم ينهار، لكنه بدأ يمشي مسافات طويلة في الشوارع، يكلّم الله بصوت مسموع. يستيقظ فجرًا، يرفع رأسه للسماء، ويقول: «يا رب، يا طيب، يا حنين، حنّ عليّ».

لم يكتفِ بالدعاء في البيت. ذهب إلى المقابر. لم يكن هروبًا من الحياة، بل بحثًا عن معنى. كان يرى المقابر أغنى مكان في العالم، لأنها تضم أعظم العقول والأنبياء والأولياء. في السيدة نفيسة، فجرًا وليلاً، كان يقف ويخاطب من تحت التراب: «لو بتسمعوني، كلموا ربنا عني». لم يكن ينتظر معجزة بل رحمة.

كان البعض يحذّره من الماورائيات والعفاريت. كان يبتسم، ويتمنى ظهورها، فقط ليحكي. كان يعرف أن قسوة البشر أشد من أي وهم، وأن رحمة الله أقرب من كل المخاوف.

وفي لحظة هدوء، جاء الفرج. جرى الإعلان عن إنشاء قناة القاهرة الإخبارية. ذهب، ومعه ثلاثون جنيهًا فقط. كان يعرف أن هذه رحلة بلا ضمانات: إما أن يُفتح الباب، أو يعود بلا شيء. لكنه ذهب وقُبل. عُين في القاهرة الإخبارية. لم يكن هذا مجرد منصب، بل شهادة نجاة. حسبما وصف.

كان لحساني بشير لقاءٌ مهني مع الرئيس عبد الفتاح السيسي، حيث أدار جلسة «المائدة المستديرة» التي جمعت الرئيس بعدد كبير من الشخصيات الإفريقية والعربية، وذلك على هامش المؤتمر الإفريقي عام 2019.

كما جرى اختياره لنقل شعائر الحج للعالم الإسلامي والدولي مرتين، في عامي 2022 و2023، في تغطية إعلامية اتسمت بالمهنية والدقة.

ويقدّم حساني بشير أحد أبرز البرامج على شاشة «القاهرة الإخبارية»، وهو برنامج «الحصاد الإفريقي» المعني بمتابعة وتحليل قضايا الشأن الإفريقي، إلى جانب مشاركته في تقديم نشرات الأخبار.

حساني بشير لا يعترف بالفشل. ليس لأنه لم يسقط، بل لأنه سقط وقام مرات كافية ليفهم أن الانكسار مرحلة، لا نهاية. يرى أن الصوت أمانة، وأن الميكروفون ليس أداة شهرة، بل مسؤولية.

لا يمكن قراءة سيرة حساني بشير بوصفها مسارًا مهنيًا تقليديًا، فهي في جوهرها اختبار طويل للصبر والإيمان والعمل دون ضمانات. ما حققه لم يكن نتاج صدفة ولا حماية، بل حصيلة صوت انضبط قبل أن يعلو، وخبرة تشكّلت في الهامش قبل الشاشة. في زمن تتبدل فيه الوجوه سريعًا، يظل حساني بشير نموذجًا لإعلامي عرف أن البقاء لا يكون بالضجيج، بل بالصدق، وأن المهنة لا تُنقذ صاحبها إلا إذا آمن بها أولًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى