بروفايل

حسين عبد القادر.. “كولومبو” الصحافة الذي أمضى أربعة عقود في مطاردة الحقيقة

على مدى أكثر من أربعين عامًا في بلاط صاحبة الجلالة، ظلّ حسين عبد القادر يطارد الحقيقة بإصرار المحقق الذي لا يملّ، حتى أطلق عليه أستاذه إبراهيم سعدة لقب “كولومبو”. لم يكن اللقب مجاملة عابرة، بل اعترافًا بقدرة صحفي يعرف كيف يلتقط الخيط الأول من بين الركام، ويتتبّع التفاصيل حتى تنكشف الصورة كاملة. بين أقسام الشرطة، وساحات الحروب، وغرف التحرير، تشكّلت سيرة رجل جعل من الصحافة التزامًا يوميًا بالحقيقة.
وُلد حسين عبد القادر في حي حدائق القبة عام 1959، في بيت مصري ينتمي إلى الطبقة المتوسطة، بيت يعرف قيمة العمل والكدّ والاحترام. لم تُورَّث له المهنة لكن شغفه بالكلمة جاء مبكرًا، كأنما كان قدرًا ينتظره بين سطور الجرائد التي كان يتأملها طفلًا قبل أن يعرف أنه سيصير يومًا واحدًا من صُنّاعها.
كبر في شوارع القاهرة القديمة، حيث تختلط رائحة الورق بحكايات الناس. في تلك السنوات المبكرة، لم تكن الصحافة بالنسبة إليه وظيفة، بل كانت عالمًا موازياً. كان يقف طويلًا أمام بائع الجرائد، لا ليشتري الجريدة فحسب، بل ليصادق الرجل نفسه. في مدرسته، الحسينية الإعدادية بالعباسية، كانت صداقته مع بائع الجرائد المقابل للمدرسة جزءً من يومه. كان الرجل يبيع الجرائد، لكنه يبيع معها كتبًا، وكان الفتى يلتقط الكتب التي كانت تباع حينذاك بـ 10 قروش للكتاب الواحد.
الكتاب الذي أشعل الحلم داخل الفتى كان «شارع الصحافة» للكاتبة مي شاهين، الصادر عن دار أخبار اليوم، ويوثق تاريخ ومسيرة مؤسسة أخبار اليوم العريقة. يسلط الكتاب الضوء على كواليس العمل الصحفي، ويعد توثيقاً لذكريات صحفية داخل هذا الصرح الإعلامي الكبير. لم يكن الكتاب مجرد سرد تاريخي بالنسبة لحسين عبد القادر، بل كان نافذة يرى من خلالها كيف تُبنى المؤسسات الصحفية، وكيف تتحول الفكرة إلى صرح. ثم جاء كتاب مترجم بعنوان «كيف تصبح صحفيًا»، كان كافيًا ليضع في قلبه يقينًا بأن الصحفي ليس ناقلًا للأخبار فقط، بل شاهدًا على عصره، ومسؤولًا أمام مجتمعه.
قبل أن يدخل الجامعة، كان الحلم قد استقر. وفي سنوات الثانوية العامة، حمل شغفه وذهب إلى مقر أخبار اليوم، يريد أن يتدرب، أن يقترب من المهنة. قيل له بوضوح: “لا بد أن تلتحق بالجامعة أولًا”. عاد بخيبة صغيرة، لكنها لم تُطفئ الرغبة.
كان يتمنى الالتحاق بكلية الإعلام، لكن مجموعه في الثانوية العامة أدخله كلية اللغات والترجمة بجامعة الأزهر. لم يعتبر ذلك انحرافًا عن المسار، بل محطة مختلفة في الطريق نفسه. ظل قلبه معلقًا بالصحافة، يذهب إلى جريدة أخبار اليوم، ينتظر بالساعات أمامها في عام 1980، يحاول مرة بعد أخرى أن يجد لنفسه موطئ قدم.
في تلك المرحلة، كان يدخل صالة تحرير أخبار اليوم، التي لم تكن آنذاك سوى غرفة تتسع لستة مكاتب فقط. كان المراسلون خارج مصر يملون أخبارهم عبر الهاتف، وكانت يده هي التي تلتقط الكلمات وتحوّلها إلى نصوص. كان ذلك مدخله الأول الحقيقي إلى غرفة الأخبار.
نقطة التحول الحقيقية داخل جريدة أخبار اليوم جاءت صباح يوم جمعة، مع حادث قطار كبير في محافظة المنوفية. جاءه مدير التحرير معاتبًا: “لماذا لم تتجه لتغطية الحادث حتى الآن؟” لم يتردد. توجه إلى موقع الحادث، صوّر، كتب، أنجز المهمة في وقت لم يكن فيه أحد تقريبًا في الجريدة. أنقذ الموقف، وهناك شعر أن ولادته الصحفية قد حدثت بالفعل.
كان يحلم بالعمل في قسم التحقيقات، لكن الصحفي إبراهيم سعدة حسم الأمر بقوله: “أنت صحفي حوادث”. في ذلك الوقت كان الكاتب الصحفي محمود صلاح رئيسًا لقسم الحوادث، ونصحه بأن يذهب إلى أقسام الشرطة والمراكز والنيابات في الجيزة. أخذ النصيحة على محمل الجد، وبدأ مرحلة جديدة وهي بناء شبكة مصادره بنفسه.
كان يذهب إلى أقسام الشرطة، يُعرّف بنفسه، يجلس بالساعات، وأحيانًا يبيت حتى الفجر. لم يكن ينتظر أن تأتيه المعلومة، بل كان يذهب إليها. كان يفهم أن الصحافة في هذا المجال لا تُمارس من خلف المكتب، بل من قلب الشارع، ومن دهاليز النيابات. بهذه الروح، بدأت علاقاته تتسع، وبدأ اسمه يُذكر.
الكاتب الصحفي إبراهيم سعدة أطلق عليه لقب “كولومبو”، تشبيهًا بالمحقق الذي يلتقط الخيط من بين الفوضى. كان اللقب اعترافًا بقدرة شابٍ يعرف كيف يتتبع التفاصيل حتى نهايتها.
من الحوادث التي لا تُنسى في مسيرته قصة “إحسان”. كانت سيدة تعرضت مع زوجها لاعتداء من شباب تعرضوا لها في الطريق، ثم تعدوا على زوجها بالضرب حتى دخل في غيبوبة وفروا هاربين. جاءت إحسان إلى الجريدة، ولم يتعامل حسين مع القصة كخبر عابر. نزل إلى موقع الحادث، تتبع الخيوط، بحث حتى توصل إلى الجناة. بالنسبة إليه، لم تكن الواقعة مجرد سطور، بل قضية كرامة وعدالة.
ثم جاءت حادثة أطفال ميت غمر الأربعة، الذين لقوا مصرعهم بعدما صدمتهم صيدلانية بسيارتها وفرّت إلى الكويت. تعامل مع القضية بإصرار لافت: تتبع رقم السيارة، عرف هوية مالكتها، عنوانها، تحدث إلى جيرانها، وبدأ ينشر قصصًا مسلسلة أسبوعيًا عنها. لم يكن هدفه الإثارة، بل الضغط المهني المشروع. ومع تصاعد الرأي العام، تحرك الإنتربول، وتبيّن أنها في الكويت برفقة زوجها. وعندما عادت إلى مطار القاهرة، كان الصحفيون في انتظارها. طلبت أن ترى حسين عبد القادر، أن تعرف من هو الذي كتب عنها. جلس معها. لم يكن المشهد انتصارًا شخصيًا بقدر ما كان شهادة على قوة الكلمة حين تُستخدم بإصرار.
في مرحلة لاحقة، حصل على جائزة التفوق كأفضل صحفي مركز أول عن تغطيته للحرب الإريترية الإثيوبية. كان نقيب الصحفيين آنذاك إبراهيم نافع، وفي حفل الجوائز كان الكاتب الساخر أحمد رجب شخصية العام. اختار إبراهيم نافع أن يسلّمه الجائزة أحمد رجب نفسه، في مشهد حمل نظرات فخر واعتزاز لا تُنسى.
سافر إلى إريتريا قرابة عشرين يومًا، وغطّى الحرب بتفاصيلها. كانت موضوعاته تنشر في ثلاث صفحات في العدد الواحد. لاحقًا علم أن وكالات أنباء عالمية اشترت الصور التي التقطها فريق أخبار اليوم ونشروها. كانت تجربة تثبت أن الصحفي المصري قادر على المنافسة في أخطر الملفات.
ومن الوقائع الهامة في مسيرته حواره مع الموسيقار بليغ حمدي بعد عودته من فرنسا. في الحوار، تحدث بليغ بألم عن أشخاص فتح لهم بيته ثم تخلوا عنه في أزمته. ذكر أسماء، وتكلم بمرارة. عندما انتهى الحوار، أعجب به إبراهيم سعدة وقرّر نشره في صفحة كاملة. لكن في الليل، اتصل بليغ طالبًا حذف بعض الأجزاء. دار نقاش صريح. قال له حسين: إذا حُذفت هذه الأجزاء فلن أستطيع نشر الحوار. في النهاية، ترك له بليغ القرار وضميره، مع اعتراف بأنه كان في لحظة انكسار حين تكلم. اختار حسين ألا ينشر الحوار. تحدث مع إبراهيم سعدة وأبلغه بالقرار، فاحترم الأخير ذلك. كان درسًا مبكرًا في أن الصحافة ليست فقط حق النشر، بل مسؤولية أخلاقية.
ومن التجارب النادرة تغطيته لمعسكرات تدريب حزب الله، كصحفي وحيد أتيح له ذلك. كان قد سافر إلى سوريا لتغطية الأوضاع هناك في مطلع الألفية، وفي أحد مخيمات اللاجئين التقى وفدًا من الحزب. طلب إجراء حوار مع حسن نصر الله. طُلب منه الانتقال إلى الضاحية الجنوبية في لبنان. هناك ارتكب خطأ مهنيًا اعترف به لاحقًا فكان يخبر من يقابله بأنه جاء للقاء حسن نصر الله، دون أن يدرك أن المحيطين به من أجهزة الحزب. أُبلغ بإلغاء اللقاء، فانهار. لكن بعد إبلاغ حسن نصر الله، صدر قرار بالسماح له بتغطية المواقع الأمامية للمعسكرات. كانت تجربة قاسية، لكنها علمته أن الكلمة قد تُغلق أبوابًا كما قد تفتحها.
في عام 2025، شارك في لجنة “شيوخ المهنة” بنقابة الصحفيين، مع الصحفيان محمد صلاح الزهار ومحمد شمروخ، لتقييم المتقدمين من صحفيي الحوادث إلى لجنة القيد. كانت تجربة ثرية، يرى فيها بوضوح بصمة الجهد الحقيقي على أعمال المتقدمين. كان يؤمن أن لقب “صحفي” ليس ورقة تُمنح، بل مسؤولية تُستحق.
خلاصة تجربته، كما يردد دائمًا، أن الصحفي الحقيقي يقرأ بلا توقف، يتابع ما يدور حوله، يجتهد، يتحقق من المعلومة، ويبني علاقات قوية مع مصادره. لا يعتمد على الحظ، ولا يكتفي بما يُملى عليه. الصحافة عند حسين عبد القادر ليست مهنة طارئة، بل سيرة عمر بدأت بفتى يقف أمام بائع جرائد، وانتهت برجل يعرف أن وراء كل خبر إنسانًا، ووراء كل كلمة ضميرًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى