بروفايل
حنان بدوي.. صحفية حوّلت صحافة البيئة إلى معركة وعي

في زمن تتبدل فيه الوجوه سريعًا وتضيع الحقائق بين الضجيج، تظل هناك أسماء اختارت أن تمشي الطريق الأصعب؛ طريق الكلمة المسؤولة. حنان بدوي ليست مجرد صحفية تنقلت بين المؤسسات والملفات، بل صوت تشكّل في قلب الطبقة العاملة، ونما على إيمان بأن الصحافة موقف قبل أن تكون مهنة. من شبرا الخيمة بدأت الحكاية، ومن انحيازها الدائم للإنسان البسيط صاغت مسيرتها. بين قضايا البيئة، ومعارك العدالة، وتوثيق لحظات فارقة في تاريخ الوطن، صنعت لنفسها خطًا مهنيًا عنوانه الصدق، وبوصلته الضمير.
وُلدت حنان بدوي عبد الحليم في شبرا الخيمة، المدينة الصناعية التي عُرفت بالغزل والنسيج، لكنها كانت تنسج البشر قبل الأقمشة. هناك، بين بيوت متجاورة تعرف بعضها بعضاً، ووجوه الطبقة العاملة التي تحمل تعبها بشرف، تشكّلت ملامح وعيها الأول. لم تكن شبرا الخيمة مجرد محل ميلاد، بل مدرسة مبكرة في الإحساس بالمسؤولية. في شوارعها تعلّمت أن الناس البسطاء لا يحتاجون شفقة، بل من يُنصت إليهم، ومن ينقل صوتهم بصدق، حسب ما أكدت.
كان والدها، الموظف البسيط، عاشق للزعيم عبد الناصر والعندليب الأسمر عبد الحليم حافظ، هو المؤثر الأكبر في حياتها. لم يكن بطلاً في حكايات تُروى، بل في مواقف تُعاش. كان يصطحبها إلى العمال، يجلس بينهم، يستمع إلى شكواهم، ويترك لابنته الصغيرة فرصة الإنصات. هناك تعلّمت أن الكتابة ليست زخرفة لغوية بل مسؤولية. وأن الصحفي الحقيقي يبدأ عمله بالأذن قبل القلم. رحل الأب، لكنه بقي بوصلة داخلها، كلما همّت بكتابة سطر سألت نفسها: هل يُرضي هذا ضمير أبي؟
منذ طفولتها كانت الصحافة تسكنها دون أن تدرك الاسم. في مدرستها الحكومية، قبل أن تهيمن ثقافة الدروس الخصوصية، كان اليوم الدراسي يمتد كاملاً، تتخلله فسحة، ومسرح، ومسابقات للإبداع الصحفي والشعري. وأساتذة يؤمنون باكتشاف المواهب، لا تلقين المعلومات. في تلك البيئة شعرت أن الكلمة قادرة على أن تفتح بابًا أو تُنقذ فكرة. لم تكن الصحافة نشاطًا جانبيًا بل جزء من تكوينها النفسي والوجداني.
حين التحقت بكلية الإعلام جامعة القاهرة، وتخرجت عام 1993، كانت أكثر يقينًا بأن الطريق الذي تسلكه ليس مجرد اختيار دراسي، بل قدر. أساتذتها الكبار زرعوا في داخلها قيمة أن الصحافة وظيفة اجتماعية قبل أن تكون وظيفة وظيفية. أن الصحفي لا يقف على الحياد حين يتعلق الأمر بالحق، وأن الموضوعية لا تعني البرود، بل تعني الدقة والإنصاف. ومن هنا، تشكلت رؤيتها المهنية التي لم تتبدل.
جاءت سنوات الجامعة متزامنة مع أحداث سياسية هزّت المنطقة العربية: الغزو العراقي للكويت، مفاوضات غزة، تصاعد التدخلات الدولية في شؤون المنطقة. لم تكن تلك الأحداث مجرد عناوين في الصحف، بل كانت مادة يومية للنقاش داخل المدرجات والندوات. حضرت لقاءات مفكرين كبار، واستوعبت كيف يُبنى الوعي السياسي، وكيف تُقرأ التحولات بعيدًا عن الشعارات. هناك أدركت أن الصحفي لا يكتب الحدث فقط، بل يقرأ سياقه ويستشرف أثره.
بدأت رحلتها المهنية في جريدة «الأحرار» عام 1994. كانت السنوات من 1994 إلى 1996 قصيرة زمنياً، لكنها كثيفة إنسانياً ومهنياً. دخلت أماكن لا يجرؤ كثيرون على الاقتراب منها: غرف الإعدام، مستشفيات الأمراض النفسية، مستعمرات الجذام. لم تكن تبحث عن الإثارة، بل عن الحقيقة خلف الجدران. آمنت أن الصحافة يجب أن تذهب إلى حيث الألم، لا أن تنتظر الألم حتى يأتيها.
أحد أبرز محطاتها في تلك الفترة كان إدارة حملة صحفية لإعادة حق فتاة من ذوي القدرات الخاصة تعرضت للاغتصاب. لم يكن الموضوع خبراً عابراً، بل قضية تحولت إلى معركة رأي عام. كتبت وتابعت وأصرت، حتى انتهت القضية بإعدام المجرمين. لم تعتبر ذلك انتصاراً شخصياً، بل انتصاراً للعدالة، ودليلاً على أن الكلمة حين تُستخدم بإخلاص تستطيع أن تهزّ الصمت.
تتذكر أول موضوع نُشر لها عام 1994 بعنوان «قرية تمنت أن تضربها السيول». تناولت فيه حكايات قرى أُعيد بناؤها بعد كوارث طبيعية، وأخرى كانت تتمنى الكارثة لأنها حُرمت من الاهتمام. كان الموضوع شهادة مبكرة على انحيازها للفئات المنسية، وعلى قدرتها على التقاط الزاوية الإنسانية في قلب القضايا التنموية.
انتقلت لاحقاً إلى جريدة «الأسبوع»، حيث خاضت ملفات أكثر تعقيداً وحساسية. كشفت في تحقيقات موسعة ما وصفته بـ«سم المعونة الأمريكية» في الكتب المصرية، وغطّت قضية غرق عبارة «السلام 98»، وتناولت الفتنة الطائفية في إمبابة، إلى جانب حملات متواصلة حول قضايا البيئة. كانت ترى أن البيئة ليست موضوعاً ثانوياً، بل قضية حياة أو موت، تتقاطع مع الصحة والاقتصاد والعدالة الاجتماعية.
بين «الأحرار» و«الأسبوع»، شاركت في تأسيس مجلات بيئية، وأسهمت في تأسيس الموقع الإلكتروني لاتحاد الصحفيين العرب، كما عملت في موقع Scientific American الصادر عن Nature، المتخصص في الصحافة العلمية والبيئية. هذا التداخل بين الصحافة المحلية والعربية والدولية منحها أفقاً أوسع، وجعلها تدرك أن القضايا البيئية لا تعترف بالحدود.
عام 2007 كان محطة فارقة؛ ترشحت لجائزة دبي عن أقوى حملة حول التغيرات المناخية، وفي العام نفسه حصلت على جائزة نقابة الصحفيين ووزارة البيئة وجمعية كتاب البيئة عن القضية ذاتها. توالت الجوائز لاحقاً، لكنها لم تنظر إليها باعتبارها غاية، بل بوصفها تأكيداً على صحة الطريق. ومع ذلك، تبقى الجائزة الأقرب إلى قلبها تلك التي حصلت عليها بعد ثورة يناير، مناصفة مع صديقة عمرها وشريكة كفاحها حنان السمني، عن حملة حول مصابي وشهداء الثورة. تُوجت الحملة بكتاب «دماء على طريق الحرية»، الذي اعتمد لاحقاً كوثيقة علمية في تقارير المجلس القومي لحقوق الإنسان. هناك شعرت أن الصحافة يمكن أن تتحول إلى وثيقة للتاريخ، لا مجرد تغطية آنية.
تصف رحلتها داخل بلاط صاحبة الجلالة بأنها «معركة مستمرة للبحث عن الحقيقة». وتشبه السير في حقل ألغام؛ خطوة خاطئة قد تكلف الكثير، لكن التراجع ليس خياراً. ومع كل مشقة، كانت تجد عزاءها في عودة حق لمظلوم، أو في تغيير ولو بسيط أحدثته مادة صحفية.
أصعب قراراتها المهنية جاء بعد 25 يناير 2011، حين توقفت عن توثيق قصص الشهداء. لم يكن القرار سهلاً، فقد ارتبطت بالقضية إنسانياً ومهنياً، لكن اختلاط الأوراق وتعقّد المشهد دفعها إلى التوقف. كان قراراً موجعاً، لكنه في نظرها كان احتراماً للحقيقة التي لا تقبل الالتباس.
لم تندم يوماً على مادة نشرتها. كانت تؤمن أن القلم أمانة، وأن الصحفي سيُسأل عمّا كتب. لذلك اختارت أن يكون ما تكتبه قابلاً للمساءلة أمام ضميرها قبل أي جهة أخرى. وترى أن الصحافة، رغم ما تمر به من تحديات، ما زالت قادرة على إحداث تغيير حقيقي، خاصة مع بروز تجارب شبابية في الصحافة الاستقصائية تثبت أن المهنة لم تفقد روحها.
عن كونها امرأة في المجال الصحفي، تؤكد أن التجربة تختلف باختلاف الظروف. كانت محظوظة بأب مؤمن بقدراتها، ثم زوج متفهم لطبيعة العمل ومتطلباته. لم تشعر بتحيز مباشر ضدها، لكنها واجهت تحيزاً ضد القضايا التي تبنتها، خاصة البيئة. أصرّت على الاستمرار، وتركت للإنجازات أن تتحدث عنها.
كان للعمل في اتحاد الصحفيين العرب أثر عميق في مسيرتها، سواء عبر تأسيس الموقع الإلكتروني أو إعداد تقارير لجنة الحريات العربية. القرب من رموز المهنة مثل الكاتبان الصحفيان مكرم محمد أحمد وحاتم زكريا وغيرهما من النقباء العرب أتاح لها فرصة نادرة للتعلم من خبرات ممتدة، ولمعايشة البعد النقابي والإنساني للمهنة.
بعيداً عن الألقاب، تصف نفسها بأنها إنسانة بسيطة تبحث عن السلام النفسي، وترجو أن يكون حضورها سبباً في دعوة صادقة لمن ربّاها. في تجربتها بجمعية كتاب البيئة والتنمية، ترى أن الرسالة تتجاوز الكتابة إلى خلق وعي مجتمعي بأن البيئة ليست رفاهية، بل شرط وجود.
تعترف أن الصحافة أثرت في حياتها الخاصة، خاصة في السنوات التي سبقت دخول النقابة، حيث كان الجهد مضاعفاً والطموح كبيراً. لكن دعم الأسرة، بعد فضل الله، جعل التوازن ممكناً. إنسانياً، وسّعت الصحافة دوائرها، وأعادت إليها أصدقاء الطفولة وزملاء الدراسة عبر مهارات البحث التي اكتسبتها، فكوّنت شبكة إنسانية واسعة تعتز بها.
أكثر ما يُتعبها في المهنة مدّعوها، والباحثون عن «الترند» على حساب الحقيقة. يزعجها الغرور غير المسنود بمعرفة، والإصرار على احتكار الحكمة بلا سند. أما ما يُنقذها دائماً فهو لطف الله، ودعوة مظلوم عاد إليه حقه. تؤمن أن كرم الله يحميها من الانخراط في ما لا يرضي ضميرها، فتبتعد مطمئنة.
لو عادت إلى البدايات، لقالت لنفسها: لا تستهلكي أعصابك في صراعات جانبية. ركزي على هدفك المهني والإنساني. فالإنسان لا يبقى منه إلا أثره. حسب حديثها.



