بروفايل
ريم علام.. حين يصبح العلم ميراثًا وتتحول صحافة البيانات إلى حكايات

لم تكن ريم علام مجرد صحفية اقتصادية أو صحفية بيانات، بل ابنة بيت آمن بأن العلم هو الإرث الحقيقي الذي لا يفنى. من قاعات كلية الإعلام بجامعة القاهرة إلى قاعات التدريب الدولية، ومن صفحات الاقتصاد إلى تحقيقات البيانات والاستقصاء، صنعت مسارًا مهنيًا قائمًا على الفهم قبل الكتابة، والبحث قبل الحكم. في رحلتها تختلط الصرامة بالشغف، والتخصص بالتطوير المستمر، لتقدم نموذجًا لصحفية ترى في الأرقام قصصًا، وفي المعرفة مسؤولية، وفي المهنة قدرًا اختارته مبكرًا.
في بيتٍ كان العلم فيه عادة يومية لا استثناء، وطقسًا مقدسًا لا يُناقش، نشأت الصحفية ريم عبد المعز علام. لم يكن التفوق هناك حدثًا يُحتفل به، بل كان هو القاعدة الطبيعية. بيتٌ يجلس أفراده حول مائدة واحدة، يتناقشون في الدين والأخلاق والعلم، وتترسخ في وجدان طفلة صغيرة جملة والدها: “العلم هو ميراثنا.. لازم نهتم بيه ونعلم غيرنا”.
من محافظة الجيزة خرجت ريم، حاملةً إرثًا ثقيلًا من الشغف والمعرفة. أخٌ جرّاح في لندن، وشقيقتان أستاذتان في المركز القومي للبحوث، وعم أستاذ بقسم الفلك بكلية العلوم، وشقيقة صغرى تعمل فنانة تشكيلية، وأب مهندس بالقوات المسلحة، وأم مثقفة تحفظ الشعر وتُدرّس أبناءها بنفسها دون اللجوء للدروس الخصوصية. كانت الأم بوابة الأدب لأطفالها، تحفظ القصائد وتبث في الأبناء حب اللغة، بينما كان الأب نموذج الحزم والانضباط والاجتماع الأسبوعي الذي يناقش فيه الأسرة قضايا الفكر والقيم.
تقول: نشأت في بيت به جَدي لأبي شيخٌ يُحفظ القرآن ويغرس المعنى الديني في القلب.
في هذا المناخ، لم يكن التفوق رفاهية، بل كان نتيجة طبيعية. حصلت ريم على 97% في الثانوية العامة شعبة علمي علوم، وكان القرار واضحًا: كلية الإعلام – قسم الصحافة – جامعة القاهرة. هناك، كانت من أوائل الدفعة، وحصلت على تمهيدي الماجستير فور التخرج.
لكن الأهم من الدرجات كان الأثر. فحصلت على الماجستير في الإعلام الرقمي وأمن المعلومات، بعد أن حصلت سابقًا على دبلومة وتخرجت الأولى على دفعتها، واتجهت بعد ذلك لإعداد رسالة ماجستير عن الصحافة الاقتصادية ومعالجتها لقضايا الإصلاح المصرفي، فربطت عملها الأكاديمي بعملها الصحفي.
الحلم بدأ قبل الجامعة. ريم كانت تحب مهنة الصحافة منذ الطفولة. كانت تتخيلها مهنة حركة ومغامرة، بعيدة عن الرتابة. فيلم “بطل من ورق” ترك في داخلها أثرًا خاصًا، خاصة شخصية الصحفية التي قدمتها آثار الحكيم. هناك وُلد الفضول. وهناك بدأت المحاولة.
حتى أنها كانت تدرّب قلبها على الجرأة بطريقة غير مألوفة: تدخل المشرحة برفقة أصدقائها الأطباء، ترى الجماجم التي كان أخوها يدرس عليها في كلية الطب، فقط لتعتاد على المشاهد الصعبة، وتكسر رهبة المواقف القاسية. كانت تريد أن تكون قوية بما يكفي لتحمل الحقيقة مهما كانت قاسية.
تتحدث ريم عن أساتذتها بجامعة القاهرة باعتبارهم نقطة التحول: د. محمود خليل، د. محمود علم الدين، د. عواطف عبد الرحمن. د. ليلى عبد المجيد، لم يكونوا يُلقّنون المعلومة، بل يُجبرون الطلاب على البحث، على النزول إلى المكتبة، على العمل في مجموعات، على قراءة الجريدة “من الجلدة للجلدة”، كانت جريدة الأهرام — بعدد صفحاتها الكبير — تدريبًا يوميًا على الصبر والشغف. قرأت عدد الجمعة كاملًا، تقرأ بنهم للكاتب الساخر أحمد رجب، والكاتب الصحفي فهمي هويدي، والكاتب الصحفي عبد الوهاب مطاوع، والكاتب الصحفي صلاح منتصر، بينما في البيت كانت مجلة صباح الخير وجريدة العربي الناصري جزءً من المشهد اليومي.
بدأت رحلتها المهنية قبل التخرج في جريدة الأهرام، فتدربت في قسم الإخراج وهي لا تزال طالبة. كما تدربت في مجلة “صوت الجامعة”، ثم بعد التخرج التحقت بجريدة “العالم اليوم”، أول صحيفة اقتصادية في العالم العربي.
المفارقة أن صفحة الاقتصاد كانت الأصعب بالنسبة لها أثناء الدراسة. لكنها قررت أن تواجه الصعب. فبعد ثلاثة أسابيع فقط من عملها بالجريدة، نُشر أول موضوع لها عن البنوك الأجنبية في مصر وأسباب دخولها السوق المصري. نُشر كما كتبته، دون تعديل في المقدمة أو المتن أو العنوان. كان ذلك انتصارًا مبكرًا. وكان مديرها يقول: “ريم بتكتب حلو.. خدوا مواضيعها”.
تنقلت بين الأقسام المختلفة بالصحافة الاقتصادية: البنوك، العقارات، البورصة. مارست صحافة البيانات مبكرًا، وأجرت استطلاعات سنوية حول توقعات أسعار الذهب والدولار واليورو، ثم حولتها إلى تمثيل بصري. كانت تؤمن أن الأرقام ليست باردة، بل تحكي قصصًا لو أحسن الصحفي قراءتها.
مديرها كان يردد جملة للزملاء في جريدة العالم اليوم في إطار التوجيه، أعجبتها أصبحت قاعدة في حياتها المهنية: “متكتبوش حاجة مش فاهمينها”، ولأنها تؤمن بالفهم قبل الكتابة، لم تحصر نفسها في الاقتصاد فقط. تعلمت صحافة الموبايل، السرد القصصي، تقنيات الذكاء الاصطناعي، التحقق الرقمي، وأمن المعلومات. تدربت في مؤسسات دولية كبرى مثل: رويترز، أريج، بي بي سي، المركز الدولي للصحفيين، شبكة الصحفيين الدوليين، جامعة هارفارد، كورسيرا.
رشحتها رويترز هي وعشر صحفيين فقط لحضور تدريب اقتصادي في مقرهم الرئيسي بلندن لمدة أسبوع. حين سألت الصحفية القائمين على التدريم: لماذا اخترتمونا؟ كانت الإجابة: “أنتم الصفوة”، الكلمة علقت في ذهنها طويلًا. لم تكن مجرد مجاملة، بل دفعة معنوية جعلتها تدرك أن ما تفعله يُرى ويُقدَّر.
خاضت التحقيقات الاستقصائية، ففي ملف حوادث القطارات. أنجزت تحقيقًا مدفوعًا بالبيانات بالتعاون مع أريج عن ضحايا الحوادث والتمويل الموجه لتطوير السكك الحديدية خلال 20 عامًا، وكيف أُهدرت موارد كبرى بينما الحوادث في ازدياد. هذا التحقيق رُشح في مسابقة True Story Award، كما وصل إلى القائمة القصيرة لجائزة الصحافة العربية في نفس العام.
حصلت على أربع دبلومات في صحافة البيانات من المركز الدولي للصحفيين، ومؤسسة هيكل، وأريج، وغيرها، وكان تحقيقها في مؤسسة هيكل عام 2023 ضمن الخمسة الأوائل.
أسست مؤخرًا موقع “علّامة”، المتخصص في الاقتصاد والعلوم والبحث العلمي، كما فاز بجائزة من وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، وبرنامج “هي رائدة”، كما فاز الموقع ببرنامج التوجيه للمبادرات الإعلامية الناشئة التابع للمركز الدولي للصحفيين، ثم خضع فريقه لتدريبات في تطوير المنصات الرقمية وريادة الأعمال.
إلى جانب عملها المهني، دربت في كلية إعلام جامعة القاهرة، فقدمت تدريبات في صحافة البيانات.
كونها امرأة في المجال لم يكن دائمًا سهلًا. اصطدمت بتعليقات لكنها لم تسمح لها بأن تعرقلها. على العكس، حولتها إلى دافع.
كونها امرأة كان حملًا، لكنه كان أيضًا قوة، حسب ما أكدت.
ريم تؤمن أن الصحفي لا يتوقف عن التعلم. وأن من لا يطوّر أدواته يتراجع. لذلك تقول لزملائها دائمًا: “تدربوا.. اشتغلوا على نفسكم.. علموا نفسكم بنفسكم.. وطوروا أدواتكم”.



