سامية علام.. من تدقيق المعلومات إلى الذكاء الاصطناعي في رحلة صحفية تلاحق المستقبل

في قرية هادئة بالمحلة الكبرى بدأت حكاية سامية علام التي لم تقبل يومًا بحياة هادئة، رأت أن العالم أكبر من حدود قريتها وحلمت بمهنة تجعلها مدافعة عن حقوق الآخرين، هكذا وجدت في الصحافة بوابتها للحرية وفضاء تصنع فيه أثرها الحقيقي.
ولم تكن بداية الصحفية سامية علام مجرد تفاصيل عابرة، فمنذ طفولتها حلمت أن تدافع عن الناس، وتأرجحت أفكارها بين أن تكون محامية أو شرطية، قبل أن تستقر عند الصحافة التي جسدت في عقلها فكرة العدالة والصوت المسموع، حتى الأعمال الدرامية التي تحدثت عن السلطة الرابعة فتحت لها نافذة خيالية.
ومع هذا الحلم المبكر، تفوقت سامية في الثانوية العامة بعدما قررت أن تحقق حلمها في الدفاع عن الناس والالتحاق بكلية الإعلام، فخرجت بنجاح استثنائي وحصلت على مجموع 98% فكان بطاقة عبورها لعالم أكبر حينذاك. وفي تلك المرحلة لعبت أسرتها دورًا داعمًا ومؤثرًا، إذ ترك أهلها لها حرية الاختيار وكانوا واثقين في طموحها فلم يقفوا عائقًا أمامها.
عام 2009، تخرجت سامية علام من كلية الإعلام بجامعة القاهرة بتقدير جيد جدًا مع مرتبة الشرف، ولم تمر السنوات الأربع مرور الكرام، فقد عاشت فيها تجارب لا تصفها سوى بالمؤلمة قبل أن تودع مقاعد الدراسة. وأقسى تلك التجارب كانت بمجزر البساتين في تحقيق مشترك مع أحد زملائها عن إنفلونزا الخنازير لنشره في مجلة صحية طبية تابعة للكلية، فحملت الكاميرا وقررت خوض مغامرة صحفية داخل المجزر، إلا أنها لم تكن تتوقع أن يتحول المكان إلى فخ، ففوجئت بعدد كبير من الجزارين يحاصرونها هي وزميلها ويستعدون للهجوم عليهما.
وتروي الأحداث كما بقيت في ذاكرتها، فقد اصطحبهما العاملون إلى مدير المجزر الذي أغلق عليهما الباب وأطلق تهديداته قائلًا مش هتخرجوا من هنا، وكان الموقف أكبر من طالبين في مقتبل عمرهما، لكن نجاتهما جاءت بالصدفة عندما دخل جزاران فجأة، فخشي المدير انكشاف أمره فسمح لهما بالمغادرة.
ولم تكن تلك التجربة الوحيدة، إذ تكرر المشهد في تحقيق آخر عن التعامل مع الحيوانات داخل كلية الطب البيطري بالقاهرة، وتعرضت خلاله للضرب، فلم يكن هناك من يوجههم أو خبرة تحميهم، فقط شغف خام يقودهم، وقد وصفت تلك الفترة بأنها ليست صحافة.. بل انتحار.
وبعد التخرج بثلاث سنوات بدأت سامية رحلتها المهنية الحقيقية، وتنقلت بين ألوان صحفية متعددة قبل أن تجد نفسها في مساحات تهتم بالإنسان وخاصة المرأة والمجتمع وحقوق الإنسان، فكان ذلك العالم الأقرب إلى ما حلمت به منذ البداية وأتاح لها مساحة كبرى للدفاع عن الآخرين. وخاضت تجارب صحفية عديدة من أبرزها الموجز ومجموعة مواقع العرب اليوم وإضاءات وشريكة ولكن وفايس عربية ومجلة ميم في تونس (مقالات رأي) وشبكة أريج (تحقيقات) ورصيف٢٢، ومع كل تجربة جديدة كانت تكتسب خبرة وحسًا صحفيًا أكبر وأعمق، إلا أنها واجهت صعوبات عدة بسبب إقامتها في المحلة بعيدًا عن المؤسسات الإعلامية الكبرى وتنقلها بين التزامات أسرية ومهنية.
وقبل ثلاثة أعوام دخلت سامية عالم تدقيق المعلومات لتعيد تشكيل أدواتها المهنية بزوايا جديدة، ومع دخول الذكاء الاصطناعي إلى عالم الصحافة لم تقف متفرجة، بل صارت مدربة في هذا المجال، تلاحق التغيير وتتهيأ له بدلًا من أن يسبقها.
وفي قلب هذه الرحلة ظل هناك اسم واحد يمثل لها الشغف الذي لا يخبو، وهو الصحفي الراحل محمد أبو الغيط، فقد رأت فيه نموذجًا لصحفي يحترم مهنته بقدر ما يدافع عنها واعتبرته صوتًا من جيلها ترك أثرًا يتجاوز عمره.
واليوم، بعد سنوات طويلة من التجارب والانكسارات والانتصارات توجه سامية علام رسالتها للصحفيين داعية إياهم إلى أن يختاروا معاركهم ويعملوا بمهنية ويحافظوا على سمعتهم ولا يتخلوا عن القيم والمبادئ والأخلاق.



