سحر عيسى.. كسرت التنميط وحولت الكاريكاتير إلى صوت لا يُكتم

من بين تفاصيل البيت البسيط وعشق الرسم منذ الطفولة، خرجت سحر عيسى تحمل شغفا مبكرا، جذبتها رسومات الكاريكاتير قبل أن تفهم معانيها المخبأة وكأن الفن اختارها.. ومع مرور الزمن أصبحت من أبرز رسامي الكاريكاتير في الصحافة المصرية، فالقلم بات امتدادا لروحها ترسم به ما لا يقال.
عام 1986، ولدت سحر لعائلة بسيطة، أب يعمل موظف، وأم كانت نموذجا للدعم، وثلاثة أشقاء شكلوا حولها دائرة من الدفء، وفي تلك البيئة الهادئة بدأت علاقتها الأولى بعالم الصحافة تترسخ دون أن تدري.
كان الأب يعتاد شراء جريدة “الأهالي”، التي كانت في تلك الفترة “صوت للشعب ومنبر للأقليات”، ومساحة يتجاور فيها الفن مع المواقف السياسية. ولم يكن يدرك الأب أن عيني طفلته تقف خلفه تبحث عن رسومات أحمد حجازي وبهجت عثمان ورؤوف عياد؛ رسومات كانت تثير دهشتها دائما، فانبهرت بالوجوه التي تنطق قبل الكلام، وأمسكت القلم تحاول تقليدها، وفي جريدة “الأخبار” وجدت خطوط مصطفى حسين مدرسة أخرى تتعلم منها دون وعي، وهنا بدأت قصة عشقها لفن الكاريكاتير.
ومع هذا الشغف حلمت سحر أن تلتحق بكلية الفنون الجميلة، لكن القدر كان يحمل صدمة قاسية خلال امتحانات الثانوية العامة، فقد رحلت الأم التي كانت عمود البيت بعد أن سبقها زوجها بأربع سنوات، لتواجه الفتاة حقيقة فقدان والديها وتدرك أن الطريق لن يكون سهلا وأن المسار سيتغير، فالتحقت بقسم التاريخ بكلية الآداب جامعة حلوان عام 2003، محاولة البحث عن ذاتها في مساحات أخرى.
وفي عامها الدراسي الثاني عام 2005 أخبرتها شقيقتها بوجود فرصة للتدريب في جريدة “الأهالي” التي شكلت وعيها الفني في طفولتها، فذهبت بخطوات مترددة وقلب ممتلئ بالأمل، وهناك كان أول لقاء لها مع رسام الكاريكاتير جمال حسنين، الرجل الذي كانت تقلد خطوطه وهي طفلة، والذي سيصبح بالنسبة إليها مثل الأب في حياتها المهنية، القدوة والداعم والمعلم الذي دفعها لأن تكون نسخة أصلية لا ظلا لأحد.
بعد التخرج لم تكتف سحر بالرسم، بل تعلمت سكرتارية التحرير والديسك لتصبح جزء أصيل من المهنة لا مجرد رسامة كاريكتير، ثم جاءت لحظة الالتحاق بجداول نقابة الصحفيين في 2012 عقب ثورة يناير مباشرة، وبعد ذلك بدأت تجارب نشر أعمالها في “روزاليوسف”، “صباح الخير”، “صدى البلد”، “الفجر”، و”العين”.. ثم “المنصة”، وكأنها تتحرك بخطوات ثابتة نحو مساحتها الخاصة.
لكن النقلة الحقيقية جاءت عام 2017 عندما انضمت إلى موقع مصراوي، وهناك شعرت بأنها أصبحت رسامة صحفية بنكهة الصحافة الجديدة، وتمت ترقيتها وأصبحت رئيسة قسم، وكانت تعتبر هذه المرحلة علامة فارقة في رحلتها. ولن تنسى يوم أخبرها علاء الغطريفي رئيس التحرير التنفيذي لمصراوي آنذاك “إنتي بتفهمي في الصحافة يا سحر”، جملة اعتبرتها شهادة كبرى واعترافا مهنيا رافقها في ذاكرتها.
ورغم النجاحات لم تكن الطريق ممهدة، فقد واجهت محاولات تنميط كثيرة، فهناك من أخبرها أن دورها يقتصر على رسم الكاريكاتير المتعلق بالمرأة، وأن وجودها كرسامة ينبغي أن يبقى في مساحة ضيقة، وأخرى تعترض على رسوماتها وتطالبها بأن تتوقف عن ما وصفته بـ”الفذلكة”، لكنها قاومت كل تصنيف مؤمنة بأن الفكرة أهم من هوية صانعها.
وتبقى من اللحظات التي لا تنساها مكالمة هاتفية من رسام الكاريكاتير الكبير عمرو سليم، الذي لم يكتف بكلمات التشجيع، بل خصص لها صفحة “العالم يسخر ويفكر” بجريدة “المصري اليوم” كاملة لها، وكانت أول رسامة كاريكاتير مصرية تخصص لها تلك الصفحة.
أما لحظات الإحباط فلم تكن بعيدة، فقد روت أنها رسمت كاريكاتير لشخص مكمم الفم عام 2015، ثم رسمت بجواره ذات الشخص بوجه مغطى بالكامل عام 2016، وحينها قابلتها مديرتها بعبارة تطالبها بالتوقف، لكنها لم تستسلم ونشرت الرسمة لاحقا في روزاليوسف، معتبرة ذلك انتصارا للفكرة ولنفسها.
وعندما سئلت عن نصيحتها للجيل الجديد من رسامي الكاريكاتير كانت ترى أن التعلم والحرية وبناء الشخصية الفنية هو الطريق الوحيد للبقاء في هذه المهنة الصعبة.
بعد سنوات في المهنة استطاعت سحر أن تصنع مكانها في مساحة معقدة، وأن تحول خساراتها الأولى إلى وقود للاستمرار، فلم تكن ابنة قرية أطفيح مجرد رسامة تقلد خطوط الآخرين، بل فنانة تعرف أن الكاريكاتير أعمق من الضحكة، وأن الرسم ليس خطوطا بقدر ما هو موقف.



