بروفايل

شيماء القرنشاوي.. من بيت يعشق القراءة إلى صحافة الحوادث

لم تكن شيماء القرنشاوي مجرد صحفية حوادث، بل دخلت دهاليز عالم القضايا والجرائم مبكرًا وهي في الحادية والعشرين من عمرها؛ نشأت في بيت يعشق القراءة، حيث كانت الأم تصنع عناوين صفحات الحوادث.. وهكذا تشكلت حكاية صحفية اختارت الحقيقة طريقًا مهما كان ثمنها.

نشأتها في القاهرة كانت في بيت تتجاور فيه التربية مع الثقافة والصرامة مع الحنان. كان الأب رجلًا تربويًا في الأزهر الشريف، والأم صحفية مخضرمة بجريدة “أخبار اليوم”. خلال فترة سفر والدها في إعارة عمل خارج البلاد، انتقلت شيماء برفقة والدتها وشقيقتها إلى منزل أسرة الأم في وسط القاهرة، وكانت تلك الفترة محورية في تشكيل وعيها الصحفي المبكر.

وبين دفء الأسرة وحنانها، حظيت شيماء بعناية فائقة كونها أول حفيدة، وكان هذا الحنان ممتزجًا بالاحتواء الذكي الذي شجعها على الاعتياد على القراءة منذ الصغر، حتى أصبحت القراءة طقسًا يوميًا في حياتها.

وفي كنف والدتها الصحفية خديجة عبدالكريم، مدير تحرير جريدة الأخبار ومحررة قضائية متمكنة، ترسخ حب الصحافة لديها. كانت والدتها تعود يوميًا من العمل حاملة إصدارًا مختلفًا من الجريدة لتعليم طفلتيها القراءة، مما منح شيماء نموذج المرأة القوية المنخرطة في قلب الواقع والقادرة على التعامل مع أقسى التفاصيل دون فقدان إنسانيتها.

رغم هذا الجو الصحفي، لم تكن ميول شيماء تتجه في البداية نحو الصحافة، بل كانت تميل إلى المسار العلمي وتحلم بالالتحاق بقسم الفضاء بكلية العلوم، الذي كان حديثًا آنذاك، إلا أن إلغاء وزارة التربية والتعليم لنظام التحسين دفعها إلى اتخاذ مسار مختلف، والتحقت بالدفعة الرابعة بكلية الآداب قسم الإعلام بجامعة عين شمس، ومنذ ذلك الحين لم تفقد شغفها بالصحافة.

وخلال دراستها، لم تقتصر التجربة على المحاضرات الأكاديمية بل كانت حياة كاملة. ترك أساتذتها مثل محمود معروف ومحمد حبيب ومجدي الجلاد ومنى نشأت ومحمود سلطان والدكتورة درية شرف الدين أثرًا واضحًا في تكوينها، إذ فتحوا أمامها نوافذ على العالم أكثر من كونهم مجرد مناهج أكاديمية.

كما جمعت التجربة الجامعية بين الجانب النظري والتطبيقي، فكان التدريب جزءا أساسيًا من الإجازة الصيفية، قضت خلالها فترة في جريدة “أخبار اليوم” ثم في “الأهرام”، ما قربها أكثر من المهنة التي كانت تراها منذ الطفولة في بيتها.

وبعد انتهاء الجامعة، بدأت شيماء أولى خطواتها المهنية في سبتمبر 2004 داخل جريدة “المصري اليوم ” في قسم الحوادث تحت إدارة محمد رضوان، وكانت في الحادية والعشرين من عمرها.. كانت تلك تجربة صعبة لشابة تواجه عالمًا مليئًا بالجرائم لكنها سرعان ما اكتسبت خبرة وتحدت نفسها لإثبات الذات وكسب احترام زملائها في جريدة حديثة نسبيًا.

ومع مرور الوقت، لم يكن “المصري اليوم” مجرد مكان عمل بالنسبة لها بل أصبح جزءًا من تجربتها الحياتية، حيث قضت فيه أكثر من عقدين من العمل المتواصل، مكتسبة خبرة واسعة في مواجهة ملفات الحوادث المعقدة.

ولم يكن الدعم المهني وحده كافيًا، إذ لعبت الأم دورًا محوريًا في مسيرتها، من خلال تقديم الدعم الإنساني والمعنوي وتشجيعها على العمل في الملفات القضائية العميقة، ومساعدتها على مواجهة المواقف الصعبة وتحويل الألم أحيانًا إلى موقف يمكن التعامل معه بذكاء، ما ساعد شيماء على الاستمرار في مسيرتها الصحفية.

لكن العمل في صحافة الحوادث لم يكن سهلاً، خاصة في سن مبكرة، إذ واجهت قضايا قتل واغتصاب وكانت على تماس مباشر مع القتلة، يفصل بينها وبينهم مجرد قفص حديدي. تلك المواجهات أدت إلى أزمة نفسية حقيقية، دفعتها إلى استشارة أخصائيين نفسيين، الذين نصحوها بفصل حياتها الشخصية عن العمل وخلق مسافة آمنة بينها وبين الأحداث، لتظل ناقلة للخبر لا ضحية له.

كانت أول تجربة ميدانية لها حادث أتوبيس سياحي على الطريق الدائري، ولم يمت أحد، إلا أن مشهد الدم ظل يطاردها طويلًا، مخلفًا صدمة عصبية حقيقية، لتدرك منذ بدايتها حجم التأثير النفسي للعمل الصحفي في هذا المجال.

كما تركت أثرًا في مسيرتها فترة إقرار قانون الأسرة وتعديلات قانون الأحوال الشخصية وافتتاح محاكم الأسرة، إذ شعرت حينها أن الصحافة كانت شريكًا في لحظة قانونية واجتماعية فارقة، وعززت إدراكها لدور الصحفي في المجتمع.

وبجانب القضايا القانونية، أثرت فيها بشدة قضية “شهد” و”زياد” طفليّ العمرانية بسبب تفاصيلها الإنسانية القاسية، إذ قتلهما نجل عمتهما بـ43 طعنة انتقامًا من الأب. وفي عام 2007، غطت قضية بائعي لحوم الحمير في الجيزة، والتي شهدت اعتداء المتهمين على الصحفيين بالضرب المبرح يوم صدور الحكم.

وبالرغم من تركيزها على الصحافة المكتوبة، عملت شيماء أيضًا في عدد من القنوات والمنصات مثل LBC، صدى البلد، الحياة، التلفزيون المصري، نايل لايف، التحرير، إلى جانب مجلتي “هي” و”الحلوة”. ومع تنوع التجارب، ظلت الجريدة هي الأساس في مسيرتها المهنية.

وطوال مسيرتها، ظلت شيماء تؤمن بأن الصحافة مهمة، وأن امتلاك الثقافة العامة والمخزون الثقافي الكبير أمر ضروري، إذ إن الصحفي بلا ثقافة يصبح مجرد ناقل لا شاهد. وكانت أمنيتها أن تظل الصحافة قوية ومؤثرة، كما عاشتها في سنواتها الأولى، وأن تستعيد دورها ووزنها وقدرتها على التأثير في الوعي العام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى