بروفايل
عزة حسين.. صحفية تشكّلت بين السياسة والثقافة والانحياز للمعنى

لم تدخل عزة حسين الصحافة باعتبارها مهنة، بل باعتبارها قدرًا شخصيًا ومسؤولية أخلاقية، تشكّل وعيها على تماس مباشر مع الأسئلة الكبرى، من قرية صغيرة في بني سويف إلى قلب صالات التحرير، بين السياسة التي أيقظت حسّها المبكر، والثقافة التي منحتها لغة أعمق للفهم بنت تجربتها على مهل.
وُلدت عزة حسين عام 1986 في قرية صغيرة بمحافظة بني سويف؛ لكنها كانت واسعة بما يكفي لتترك أثرها الغائر في روح طفلة ستكبر وهي تحملها داخلها أينما ذهبت، عاشت هناك سبعة عشر عامًا كاملة، قبل أن تغادر إلى القاهرة مع أولى خطواتها الجامعية، ومنذ ذلك الحين لم تعد إلى القرية إلا زائرة، في المناسبات العائلية، كأنها تعود إلى فصل قديم من كتاب تعرفه جيدًا لكنها لم تعد تقيم بين صفحاته.
لم يكن المكان يومًا محايدًا في حياتها؛ فالقرى، خصوصًا في سنوات التكوين الأولى، لا تمر مرورًا عابرًا. كلما تقدّم العمر، ازداد وضوح تلك البصمات الأولى الناس، اللهجة، الإيقاع البطيء للأيام، ونظرة العالم من زاوية محدودة لكنها حادة. كانت الطفولة هناك كثيفة بما يكفي لتظل حاضرة، حتى بعد أن ابتعدت المسافة وتغيّر المشهد.
منذ وقت مبكر جدًا، قبل أن تفهم معنى الكلمات، كانت قد بدأت في مصادقتها، تعلّمت القراءة والكتابة في الكُتّاب الملاصق للبيت، وهي في الرابعة من عمرها تقريبًا، كانت الحروف آنذاك أشبه بلعبة سرية، وما إن تقع عيناها على جريدة في يد والدها حتى تلتهم سطورها، تقرأ كل ما تراه، تحاول تنغيم الجمل، وتتحسس ما فيها من بلاغة، مستدعية ما كانت تحفظه من الصور البلاغية في سور القرآن القصيرة. لاحظ الأب هذا الشغف مبكرًا، ولم يكن وحده؛ فعمّ والدتها كان صحفيًا، عمل مراسلًا عسكريًا بجريدة الجمهورية لسنوات، وشارك في تأسيس صحف في دول عربية عدة. هكذا، وبالسلطة المعنوية التي يملكها الكبار على الصغار، والمركز على الهامش، كُتب لها سيناريو حياة مبكر بأن تكون صحفية، وأن تُكمل الطريق الذي بدأه آخرون.
في عامها الجامعي الثاني، توفي والدها؛ ذلك الأب الذي كان أكثر انشغالًا منها بتحقيق حلم عملها بالصحافة. منذ تلك اللحظة، لم يعد الحلم خيارًا مؤجلًا أو رغبة قابلة للمساومة. صار التراخي عنه شكلًا من العقوق، عبئًا أخلاقيًا لا تملك الشجاعة للهرب منه، ولا الرغبة في ذلك.
تشكل وعي عزة حسين الصحفي في وقت مبكر، قبل أن تدرك أن ما يتكوّن داخلها سيصير يومًا مهنة وهوية، كان ذلك مع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2000. كانت في منتصف عامها الخامس عشر، طالبة بالصف الأول الثانوي، بينما كان العالم يتسلل إلى بيتها عبر شاشة تلفاز لا تهدأ. والدها، بثورته الفطرية، كان يطارد نشرات الأخبار، يعلّق على كل صورة، يبصق غاضبًا في مواجهة شارون، ويلعن التخاذل العربي كأنه يراه متجسدًا أمامه. الأم، بقلب أمٍّ مكسور، شاركته البكاء على الثكالى، وعلى آباء لم يجدوا ما يحمون به أبناءهم سوى أجسادهم.
وسط هذا المشهد العائلي المشحون، تعلّقت عينا عزة بلقطة واحدة لا تفارق الذاكرة: طفل يحتمي من رصاص الغدر بجسد أبيه. لم يكن المشهد خبرًا عابرًا، بل استدعاءً لكابوس قديم عاشته في طفولتها، غير أن حضور الأب آنذاك كان يمنحها شعورًا بأن جلبابه حصن يتسع للعالم كله. أما ذلك الطفل، فقد خذله العالم، وتركه وحيدًا في مواجهة الرصاص.
في تلك اللحظة، بدأ وعيها يتشكل على نحو مختلف. أدركت أن الصمت شكل من أشكال التواطؤ، وأن الكلمة – مهما بدت صغيرة – قدرة على أن تكون فعل مقاومة. كانت مسؤولة عن الإذاعة المدرسية، فاندفعت تكتب المقالات، وتنظم القصائد، وتلقيها بصوت مراهقة يختلط فيه الارتباك بالإصرار، حاولت تنظيم مظاهرات مدرسية لم تكتمل، لكنها كانت تشعر، بصدق طفولي، أن ميكروفون الإذاعة المدرسية قادر على اختراق المسافات وإيصال صوتها إلى العالم.
منذ تلك اللحظة، يمكن القول إن رحلتها الصحفية بدأت فعلًا؛ لا عبر بطاقة تعريف أو وظيفة رسمية، بل عبر إحساس مبكر بالمسؤولية تجاه الحكاية، وتجاه أولئك الذين لا يملكون رفاهية الكلام.
بعد تخرجها في كلية الإعلام بجامعة القاهرة عام 2007، بتقدير جيد جدًا، جاءت لحظة النشر الأولى دون ضجيج أو احتفال لافت، لكنها كانت لحظة مؤسسة في مسارها المهني. لا تتذكر عزة حسين اليوم تفاصيل أول مادة صحفية نُشرت باسمها، ولا موضوعها تحديدًا، وكأن الذاكرة اختارت أن تحتفظ بالمعنى لا بالمحتوى. على الأرجح نُشرت تلك المادة في صحيفة محلية بمحافظة بني سويف حملت اسم «أخبار بني سويف».
لم تكن الجريدة مجرد مطبوعة محلية عابرة، بل كانت تجربة إنسانية ومهنية خاصة. أسسها الصحفي الراحل محمد بصيلة، مراسل وكالة أنباء الشرق الأوسط ببني سويف لسنوات طويلة، وكان رجلًا كريم الروح قبل أن يكون صحفيًا محترفًا. فتح صفحات الجريدة وبيته المعنوي لشباب الصحفيين وطلاب الإعلام بالمحافظة، فصارت «أخبار بني سويف» مساحة تعلّم وتدريب، وبيتًا بديلًا، وعائلة مهنية حقيقية في سنوات التشكّل الأولى.
في تلك البيئة، تعلّمت عزة معنى أن تُمنح الفرصة دون وصاية، وأن يُنظر إلى المحاولة الأولى باعتبارها بداية تستحق التشجيع لا الامتحان القاسي. كان محمد بصيلة صاحب فضل واضح في مسارها، ليس فقط لأنه نشر لها، بل لأنه آمن مبكرًا بقدرة جيل كامل من الصحفيين الشباب على التعلم والاشتباك مع الواقع من مواقعهم الصغيرة.
هكذا جاءت البداية الصحفية الأولى متواضعة في شكلها، لكنها عميقة في أثرها؛ بداية لا تحمل ادعاء البطولة، بل ذاكرة امتنان لمعلّم آمن بأن الصحافة تُورَّث بالثقة قبل أن تُكتسب بالخبرة. ومن تلك الصفحة المحلية، بدأت خطواتها الأولى نحو عالم أوسع، كانت قد اختارته مبكرًا، وعرفت أنها ستبقى مدينة له بالكثير.
لم يكن تكوينها المهني نتاج شخص واحد أو لحظة بعينها، بل حصيلة مسار طويل التقت فيه بأشخاص كُثُر، تخشى دائمًا أن تنسى أحدهم إذا حاولت العدّ. ومع ذلك، تبقى جريدة «الشروق» المحطة الأهم والأكثر رسوخًا في ذاكرتها المهنية؛ تلك التجربة التي تعتز بالانتماء إليها منذ تأسيسها، والتي شكّلت منعطفًا حقيقيًا في مشوارها الصحفي.
في بداياتها داخل صالة تحرير «الشروق»، اجتمع تحت سقف واحد عدد من الأساتذة الذين كان من الصعب تخيّل اجتماعهم في مكان واحد. كان كل منهم قطبًا في مجاله، لا من حيث الخبرة فقط، بل من حيث الحضور الإنساني أيضًا. في تلك البيئة، لم تكن العلاقة بين الأجيال قائمة على التراتب الجامد، بل على الإلهام والعطاء والتحفيز الدائم على التطور، مهنيًا وإنسانيًا. هناك، تعلّمت أن الصحافة ليست مجرد حرفة، بل ممارسة أخلاقية يومية، وأن بيئة العمل يمكن أن تكون إنسانية دون أن تفقد صرامتها.
تصف رحلتها داخل «بلاط صاحبة الجلالة» بأنها رحلة مثمرة وملهمة، رغم ما شابها من انقطاعات فرضتها ظروف الحياة. تلك الفترات لم تكن خروجًا من المسار بقدر ما كانت مساحات للتأمل، أسهمت في تشكيل وعيها الأدبي وتجربتها الحياتية، وعمّقت علاقتها باللغة وبالسؤال الإنساني الأوسع.
أما أصعب قراراتها المهنية، فكان التخلي عن الكتابة السياسية المباشرة لصالح التخصص في الصحافة الثقافية. قرار بدا في لحظته مؤلمًا ومربكًا، لكنه كشف لها، مع الوقت والممارسة، أن الثقافة هي المدخل الأقرب لها لفهم العالم وفهم ذاتها ومحيطها. عبر الثقافة، تطورت لغتها وازدادت ثراءً، واكتشفت أن السياسة ليست حقلًا معزولًا، بل كامنة في كل شيء، وأن مقاربتها من بوابة الأدب والفن أكثر جمالًا، وأعمق أثرًا، وأطول عمرًا.
تعمل بالصحافة منذ قرابة عشرين عامًا. انتظمت رسميًا في العمل بصحيفة «الشروق» منذ صيف 2008، بعد تجارب سابقة في صحف محلية وحزبية، ومكاتب لصحف عربية. منذ الأعداد التجريبية الأولى، استقرت في القسم الثقافي للجريدة، لتصبح اليوم مسؤولة عن الصفحة الأخيرة. وإلى جانب ذلك، عملت لسنوات محررة لبابين ثابتين في مجلة «بيت الشعر» بأبو ظبي، وكتبت مقالات متخصصة في الشأن الأدبي والفني في عدد من الصحف والمواقع العربية، من بينها «مدى مصر»، و«المنصة»، و«رصيف 22»، و«ألترا صوت»، و«ضفة ثالثة».
لم تكن علاقتها بما نُشر باسمها يومًا علاقة اطمئنان كامل. فكرة الندم زارتها أكثر من مرة، وإن كانت وتيرتها قد خفّت مع الوقت. فهي، بطبعها، مسكونة بهاجس الكمال والجدوى معًا؛ تراجع النص لا فقط من حيث ما قيل، بل من حيث السياق، والمنصة، واللحظة التي خرج فيها إلى العلن. تدرك أن الكتابة ليست فعلًا معزولًا، وأن النص يتأثر بالوسيط الذي يحمله بقدر ما يتأثر بصاحبه.
ومع ذلك، لا يساورها شك في قدرة الصحافة على إحداث تغيير حقيقي. ترى أن الصحافة تظل ركنًا أساسيًا في أي مجتمع حي، حتى وإن تغيّرت الوسائط واختلفت الأدوات. قد يدور الجدل حول الشكل، لكن الجوهر يظل عصيًا على التحييد. التغيير، في تصورها، ليس لحظة واحدة ولا فعلًا منفردًا، بل عملية متحركة، نسبية، وتراكمية، تنشأ من تداخل عوامل عديدة، لا يعمل أيٌّ منها بمعزل عن الآخر.
كونها امرأة كان له أثر بالغ على حياتها بأكملها، لا على مسارها المهني فقط. امرأة مغتربة، وأم؛ أدوار متراكبة شكّلت ثقلًا إنسانيًا دائمًا، وأثّرت على ما كانت تطمح إليه أو تحاول إنجازه. غير أن هذا الثقل لم يتحول إلى عائق مباشر داخل عملها الصحفي؛ فقد حظيت بفرص متكافئة مع زملائها الرجال من حيث العمل والأجر والأمان الوظيفي. المشكلة، في نظرها، لم تكن في النوع، بقدر ما كانت في أعباء المهنة نفسها، ومشكلاتها البنيوية، وضعف مردودها المادي الذي يحدّ من قدرة الصحفي على التفرغ والتركيز.
لم تواجه التحيز أو الوصاية بشكل مباشر ومتكرر، وربما لأنها لم تكن لتقبل به. تؤمن أن وجود الظواهر السلبية أمر واقع، لكن ردود الفعل تجاهها هي ما يحدد استمرارها أو تلاشيها. ومع ذلك، شهدت مواقف تعرّضت لها زميلات أخريات، مثل تردد بعض المؤسسات في تعيين الصحفيات لمجرد ارتباطهن أو زواجهن، باعتبار أن ذلك سينعكس سلبًا على الإنتاج، وهو افتراض لم تكفّ عن اعتباره ظالمًا وقاصرًا.
ومن بين المواقف التي تركت أثرًا عميقًا في ذاكرتها، اتصال الراحل سلامة أحمد سلامة بها، وكانت حديثة العهد بالعمل في جريدة «الشروق»، ليشكرها على مراجعة كتبتها لأحد كتبه، ويثني على طريقة تناولها. موقف بسيط في ظاهره، لكنه بالغ الدلالة؛ تعلّمت منه كيف يدعم الكبير الصغير، وكيف يُمارَس الامتنان والتواضع بوصفهما جزءًا من أخلاقيات المهنة. تكررت تلك اللحظات مع الراحل علاء الديب، والكاتب الكبير محمد المخزنجي، وبقي أثرها حاضرًا، موجّهًا نظرتها للعالم وللعلاقات المهنية.
حين سُئلت عن تعريف نفسها بعيدًا عن الألقاب والمسميات، تستعير عنوان ديوان صديقها الشاعر فارس خضر: «الذي مرّ من هنا». تقول، ببساطة ووعي: لقد مررتُ من هنا.
لم تكن الصحافة يومًا عبئًا خالصًا على حياتها الخاصة، بل كانت – على عكس المتوقع – أحد مصادر إنقاذها الإنساني. أثّرت فيها إيجابيًا على مستويات عديدة؛ منحتها هوية واضحة، وفرصة عمل، ومصدر رزق، لكنها، قبل كل شيء، منحتها حياة موازية من التجارب والمعارف ما كان لها أن تكتسبها في أي مجال آخر. عبر الصحافة، تعرّفت إلى عوالم لم تكن ستطرق أبوابها لولا المهنة، واختبرت وجوهًا متعددة للإنسان والمدينة واللغة.
عالجت الصحافة خجلها الشديد، وبددت ترددها، وخففت من إحساسها القديم بالاغتراب. منحتها صوتًا حين كانت تخشى الكلام، وأدوات حين كانت تبحث عن وسيلة للفهم، ومساحات ومنصات للتعبير، وفرصًا دائمة للتواصل والتعلّم والتجريب. لذلك، لا تتعامل معها بوصفها مجرد وظيفة، بل علاقة ممتدة، تدين لها فيها بما يدين به المرء لعائلته: بالامتنان، وبالاعتراف بالفضل، وبالتحمل أيضًا، لكن الوجه الآخر للمهنة لم يكن أقل حضورًا.
أكثر ما يُتعبها نفسيًا هو تراجع سقف الحرية، وضيق المساحات المتاحة، وغياب مظلة قانونية منصفة تحكم علاقة الصحفي بأصحاب العمل، أو تنظم موقعه بين المشرّعين ومنفذي القانون. تؤلمها انتكاسة المهنة خلال العقد ونصف العقد الأخيرين؛ قلة الفرص، وعدم عدالة توزيعها، وغياب المعايير أحيانًا، بما يبدد الإحساس بالجدوى والاستحقاق.
يزيد من هذا الإرهاق ضعف العائد المادي للعمل الصحفي، واضطرار كثيرين – ومنهم هي – إلى التمزق بين أكثر من منصة، وأكثر من سياسة تحريرية، وأكثر من توجّه، فقط لتغطية نفقات الحياة. ذلك التشتت المستمر يستهلك الطاقة، ويستنزف الشغف، ويضع الصحفي في معركة يومية بين البقاء والكتابة كما ينبغي.
ومع ذلك، ثمة ما يُنقذها دائمًا: الأمل، ودعم الأصدقاء، ولحظة نادرة تكتب فيها نصًا تشعر بالرضا عنه. تلك اللحظة، مهما بدت عابرة، كافية لإعادة توازن هش، ولتذكيرها بسبب البداية.
ولو عاد بها الزمن إلى نقطة الانطلاق، لكانت نصيحتها لنفسها بسيطة وحاسمة: ألا تمكث طويلًا في المكان نفسه، وأن تسافر أكثر، وتكتسب خبرات أوسع، وأن تنفق الجزء الأكبر من دخلها على التعلّم، ومواصلة التعلّم، والعمل بلا انقطاع؛ لأن المعرفة، في النهاية، هي رأس المال الأكثر أمانًا في مهنة لا تعرف الاستقرار.



