علي شعبان السطوحي.. سيرة صانع أفلام صنع المعنى من الهامش

لم يبحث علي شعبان السطوحي عن سبق صحفي بل عاش كراوٍ للحكايات، فانحاز مبكرًا للإنسان وقصصه. فاتجه من قرية في البحيرة إلى شاشات كبرى المنصات، ظل يمشي خلف صوته الداخلي، مؤمنًا بأن الصحافة الحقيقية لا تكتفي بنقل الواقع، بل تُنصت له، وتمنحه معنى.
وُلد علي شعبان السطوحي في قرية دست الأشراف التابعة لمركز كوم حمادة بمحافظة البحيرة، وهناك، في الهامش البعيد عن ضجيج العاصمة، تشكّلت ملامح وعيه الأولى. الريف لم يكن مجرد مكان نشأة، بل صار بوصلة داخلية وجّهت اختياراته المهنية والإنسانية لاحقًا. منذ خطواته الأولى في الصحافة، انحاز تلقائيًا لحكايات المهمشين، للقرى المنسية، وللمناطق التي لا تصلها الكاميرات، مدينًا لهذا الانحياز لطفولة صنعتها الأرض والناس والبساطة القاسية أحيانًا.
كان للأب حضور حاسم في مسار حياته، ليس بسطوة القرار، بل بكرم الثقة. فرغم أنه لم ينل قسطًا وافرًا من التعليم لكنه ظل الداعم الأول لابنه والسند الحقيقي، يمنحه حرية الاختيار ويؤكد له دائمًا: «أنا في ضهرك». هذه الجملة لم تكن وعدًا عابرًا، بل موقفًا تكرر في أكثر اللحظات مصيرية.
في عام 2004، أنهى السطوحي الثانوية العامة بمجموع 89%، وكان حلمه واضحًا: دراسة الإعلام. ورغم أن مجموعه كان يؤهله لكليات «مضمونة» اجتماعيًا، إلا أن رغبته الأولى كانت كلية الآداب قسم الإعلام. حين احتدم الجدل بينه وبين مُعلم، بدا الأب كقاضٍ عادل في معركة مصير. سأل سؤالًا واحدًا: «هو علي اختار إيه؟»، وحين جاءت الإجابة، قال كلمته الفاصلة: « اكتب له اللي يختاره.. من غير ما ترجع لي». ثم أطلق جملته التي سترافق ابنه العمر كله: «حتى لو اضطرّيت أبيع الجلابية اللي لابسها».
الواقع كان أكثر قسوة من الأحلام. اصطدم الشاب بالتوزيع الجغرافي، فتنقّل بين جامعات دمنهور وطنطا وعين شمس والقاهرة، محاولًا الإمساك بحلم الإعلام، قبل أن يُغلق آخر باب في وجهه. خرج من جامعة القاهرة مكسور الخاطر، ليقرأ على عربة خشبية جملة بدت كرسالة سماوية: «لا تحزن إنها إرادة الله». استسلم حينها للرغبة الثانية: كلية التربية قسم اللغة الفرنسية جامعة المنوفية.
بعد التخرج، شدّ الرحال إلى القاهرة، وبدأ العمل في الصحافة عام 2007. كانت البداية شاقة فالدخل بالكاد يكفي السكن ويعود أسبوعيًا للقرية بلا هدايا. هنا، تجلّى الأب مرة أخرى في أكثر صوره إنسانية لعامٍ كامل، كان يمنحه مصروف أسبوع القاهرة، ويضع في يده ما يشتري به شيئًا يعود به إلى أمه، واهمًا الجميع بأن «الشغلانة بدأت تكسب». كان الأب يحمي حلم ابنه من القلق ومن الخذلان ومن الواقع.
حين رحل الأب، غرق السطوحي في اكتئاب طويل، استعان فيه بخبراء لتجاوز الفقد. جاءه الأب في حلم، قال له جملة واحدة لا ينساها: «أنا معاك طول الوقت». منذ ذلك الحين، صارت كل جائزة يحصل عليها مهداة إليه، وكل خطوة نجاح امتدادًا لوعد قديم.
بعد سنوات، عاد علي شعبان السطوحي إلى جامعة القاهرة، لا طالبًا هذه المرة، بل محاضرًا ومحكّمًا لمشاريع التخرج. المكان الذي أُغلق بابه في وجهه عام 2004، فتحه له الشغف والعمل. وكان الدرس الأعمق الذي خرج به من الرحلة كلها، هو ما تعلّمه من أبيه أن أعظم ما يمكن أن يمنحه أب لابنه هو حرية الاختيار.
يتذكّر علي شعبان السطوحي جيدًا لحظته الفارقة عام 2009، حين حمل شغفه وذهب به إلى مها شهبة صانعة الأفلام الوثائقية ومحمد حربي معد الأفلام، بعد أن أنجز برنامجًا بعنوان «اتكلموا» قدّم خلاله تحقيقًا مصورًا عن قرية في الإسماعيلية حُرمت من مياه الشرب العذبة لمدة عامين كاملين. لم تكن مجرد قصة عابرة، بل حكاية إنسانية التقطها بعدسته وإحساسه. حين شاهدا الفيديوهات، بدت الدهشة واضحة، وقالت له مها شهبة جملة لم ينساها: «لو اشتغلت مصور، هيبقى لك شأن كبير». كانت تلك الكلمات بمثابة اعتراف مبكر بموهبة تعرف طريقها.
تنقّل بعدها بين مؤسستي «المصري اليوم» و«الوطن»، إلى أن قدّم فيديو عن «أبلة فضيلة»، كان بمثابة «وشّ السعد» حسب ما وصف. شاهد الإعلامي يسري فودة الفيديو، واختاره للانضمام إلى قسم التحقيقات في قناة ONTV، مشيدًا بقدراته، ومطلقًا عبارته: «كل الناس تقدر تعمل تحقيقات في أسبوع، بس مش كل الناس تقدر تحكي حكاية». كانت الجملة تلخيصًا دقيقًا لما يميّز السطوحي السرد الإنساني قبل السبق.
في عام 2015، بدأ محطة جديدة بالعمل مع الإعلامية منى الشاذلي، وكانت أولى قصصه «الحاجة صيصة»، السيدة التي تنكرت في زي رجل لأربعين عامًا لتُعيل نفسها. عُرضت القصة وحققت صدى واسعًا، وفاز عنها بجائزة مهرجان BBC لأفضل تقرير لعام 2015، في أول تتويج رسمي لمسيرته، فرحة لا تُقاس إلا بثقل الرحلة التي سبقته.
توالت بعدها التحقيقات المصورة، واتسعت الدائرة. في «DW»، قدّم تحقيقًا صادمًا عن استغلال شركات الأدوية العالمية لمرضى مصريين، والتعامل معهم كفئران تجارب. لم يكن التحقيق مجرد كشف إعلامي، بل صدى أخلاقي ومهني، تُوّج بفوزه بجائزة أفضل شخصية إعلامية في مصر من المعهد الدنماركي عام 2018، ثم تسبب هذا التحقيق في مناقشة مشروع قانون في البرلمان ينظم التجارب السريرية على المرضى.
في مرحلة أكثر نضجًا من الرحلة، استقر علي شعبان السطوحي في عمله مع هيئة الإذاعة البريطانية BBC كمخرج أفلام مستقلة، وهي محطة أتاحت له توسيع أدواته السردية والبصرية معًا. بالتوازي، بدأ تعاونًا ممتدًا مع الإعلامي محمود سعد، تعاون لم يكن مهنيًا فقط، بل إنسانيًا وجغرافيًا أيضًا. اتخذ قرارًا حاسمًا بترك القاهرة، وترك خلفه كل ما اعتاده، ليعيش في واحة سيوة، باحثًا عن معنى أعمق للوقت والمكان والحكاية.
منذ عام 2018، اتخذ قرارًا غيّر مسار حياته جذريًا، حين شدّ الرحال إلى واحة سيوة واستأجر فيها بيتًا بسيطًا أصبح لاحقًا محور تحوّل عميق. كانت المكان الوحيد الذي شعر فيه بامتلاك حرية الاختيار كاملة، في نمط الحياة وتفاصيلها ومعناها. وعلى مدار سبع سنوات، انشغل بترميم هذا البيت، حجرًا بعد حجر، في رحلة موازية لإعادة اكتشاف الذات والانتماء.
بدافع القلق على اندثار الهوية الأمازيغية في سيوة، تحوّل اهتمامه إلى التوثيق، إيمانًا بضرورة إنقاذ الذاكرة من النسيان. وثّق الأفراح والطقوس والوجوه، وسعى إلى حفظ القصص الإنسانية التي تشكّل روح المكان. ومن أبرز أعماله تسجيل التواشيح الأمازيغية خلال صلاة الجمعة بصوت عم حمزة آخر مؤذن أمازيغي، باعتبارها تعبيرًا حيًا عن تراث شفهي مهدد بالغياب. استطاع عبر عدسته أن يحفظ حكايات وشخصيات كانت على وشك الضياع، ليجعل من تجربته في سيوة رسالة ثقافية وإنسانية تتجاوز حدود المكان.
من هناك، بدأت واحدة من أكثر التجارب ثراءً في مسيرته؛ هو والإعلامي محمود سعد يجوبان المحافظات المصرية، يلفّان البلاد من مشرقها حتى مغربها، حاملين الكاميرا إلى الناس، لا العكس. خرجت أعمال كثيرة من قلب الشارع، من البيوت البسيطة، ومن حكايات لا تصدّر النشرات، لكنها تصنع الذاكرة. كان الهدف دائمًا أن تُروى مصر كما هي، بلا تزييف ولا تعالٍ.
حتى في ذروة جائحة كورونا، حين توقّف العالم، لم تتوقف الحكايات. تحدّى الشاب الظروف، كان ينزل للتصوير في أصعب اللحظات، ثم يرسل المادة المصورة إلى الإعلامي محمود سعد، الذي كان يسجّل صوته عن بُعد، في تجربة جماعية تؤكد أن الصحافة الحقيقية لا تعرف التوقف، بل تتكيّف لتستمر.
شغف علي السطوحي بالسرد لم يبدأ بالكاميرا وحدها. جذور الكتابة تعود إلى سنوات الجامعة، حين كان يكتب موضوعات ويرسلها إلى جريدة «الدستور»، لتنشر في صفحة «التعليم واللي بيتعلموه». هناك، زرعت الكتابة بذرتها الأولى داخله، وبدأ يدرك أن الحكاية يمكن أن تُروى بالكلمة كما تُروى بالصورة، وأن الجوهر واحد مهما اختلفت الوسيلة.
في مسيرته، تشكّل وعيه المهني على أيدي نماذج ملهمة. كان يسري فودة الحلم الأول منذ الصغر، النموذج الذي أراد أن يسير على خطاه، وتأثر كذلك بالكاتب ياسر الزيات، الذي تعلّم منه أصول التحقيق الصحفي، وبالإعلامي محمود سعد، الذي يكنّ له امتنانًا خاصًا لانتمائه لمدرسة التدقيق والبحث عن المعنى قبل الظهور، وبالمصور حسام دياب، الذي صقل لديه الحس البصري وفهم الصورة كأداة سرد لا تقل أهمية عن النص.
هكذا، تراكمت التجارب بين كتابة وتصوير، بين قرية نائية وواحة بعيدة، وبين حلم قديم ما زال يتجدد مع كل حكاية تُروى.
في مسيرة علي شعبان السطوحي، لا تبدو الصحافة مهنة عابرة، بل اختيارًا أخلاقيًا متجددًا. اختار أن يرى، وأن يُنصت، وأن يروي ما يُترك عادةً خارج الإطار. ومع كل حكاية تُروى، يؤكد أن المعنى الحقيقي يولد دائمًا في المسافة بين الإنسان والحقيقة.



