بروفايل

فاطمة أبو شنب.. 22 عامًا شاهدة على الحقيقة

في مهنة تُقاس بالمسافة بين الحقيقة والخوف، قطعت فاطمة أبو شنب طريقها كاملًا. على مدار اثنين وعشرين عامًا داخل «المصري اليوم»، انتقلت من صحفية ميدانية إلى رئيسة قسم الحوادث، حاضرة في قلب الشارع، وشاهدة على أكثر اللحظات قسوة في حياة الناس والدولة. من القرى المنسية إلى قاعات المحاكم، ومن الركام إلى السطور، بنت تجربتها على مبدأ واحد: أن الصحافة ليست مهنة رواية، بل مسؤولية قول الحقيقة مهما كان ثمنها.

منذ طفولتها، لم تأتِ الصحافة صدفة بل كانت شغفًا يتكوّن ببطء. حيث يظهر الصحفي شاهدًا على العصر، ملاحقًا للحقيقة، أو واقفًا في المنتصف بين السلطة والناس. تلك الصورة لمهنة لم يمارسها أحد في عائلتها، وجدت طريقها إلى قلبها، فاختارت أن تمشي عكس المألوف، وأن تلتحق بقسم الإعلام بكلية التربية النوعية حاملة حلمًا لا يملك ضمانات.

في الجامعة بدأت الملامح الأولى للصحفية فاطمة أبو شنب تتشكّل. فمشروع تخرجها كان مجلة تحمل اسمًا دالًا: «الأحلام». لم يكن الاسم مصادفة، بل انعكاسًا لما كانت تريده من التجربة.

أجرت أول حواراتها مع الفنانة إيمان أيوب ولاعب الزمالك ونجم المنتخب الأسبق طه بصري في مشروع تخرجها بمجلة الكلية، هناك، للمرة الأولى، جلست في مواجهة شخص آخر، وطرحت أسئلة، وانتظرت إجابات، واكتشفت أن الصحافة ليست فقط كتابة، بل علاقة إنسانية، وقدرة على الإصغاء، ومهارة في التقاط ما يُقال وما لا يُقال. منذ تلك اللحظة، لم تعد الصحافة مجرد حلم قديم، بل طريقًا بدأ بالفعل.

في آخر سنة دراسية لها عام 2002، لم تنتظر التخرج كي تقترب من المهنة، بل دخلت الصحافة من بابها العملي، متسلحة بالفضول أكثر من الخبرة، وبالرغبة في الحكي قبل أي شيء آخر. لم يكن اختيار فاطمة أبو شنب لقسم الحوادث مصادفة، ولا بحثًا عن الإثارة السهلة، بل إيمانًا بأن هذا الباب هو البداية الصحيحة لأي صحفي حقيقي. كانت ترى الحوادث كمساحة اشتباك مباشر مع الواقع، حيث لا مسافات بين الصحفي والناس، ولا مكاتب مغلقة. هناك، في قلب المغامرة، يتعلّم الصحفي كيف يرى، وكيف يسمع، وكيف يقف وجهًا لوجه أمام الألم والحقيقة.

بدأت رحلتها المهنية عام 2002 في جريدة حزبية، تجربة قصيرة لكنها انتهت بإغلاق الجريدة، لتنتقل بعدها إلى جريدة عربية. لم تكن الانتقالات آنذاك بحثًا عن الاستقرار، بقدر ما كانت بحثًا عن مكان يسمح لها بأن تكون صحفية كما تخيّلت.

في عام 2004، وصلت إلى «المصري اليوم» مع الكاتب الكبير مجدي مهنا، لتبدأ علاقة مهنية بالجريدة ستصبح لاحقًا جزءً من هويتها. غادرت الجريدة لفترة قصيرة، ثم عادت عام 2006، ومنذ ذلك الحين لم تترك «المصري اليوم»، عشرون عامًا من العمل المتواصل، من الميدان إلى الصفحات، ومن التفاصيل الصغيرة إلى القضايا الكبرى.

في بداياتها، لم تكن وحدها، كان والداها سندًا حقيقيًا لطموحها. يترقبان الجريدة كل صباح، يبحثان عن اسمها بين السطور، ويتابعان مداخلاتها بشغف لا يقل عن شغفها، كان والدها يقول لها بفخر: «أيوه كده.. برافو عليكي»، بينما كانت والدتها تكرر بثقة أم تعرف ابنتها جيدًا: «إنتِ هتبقي أعلى وأعلى».

من بين القضايا التي شكّلت وعيها المهني، انقلاب «قطر بني سويف». هناك، في قرية فقيرة، لم تكتفِ بسماع الروايات، بل عاشت الألم مع أهالي الضحايا، واستعادت حكاياتهم المأساوية. لم يكن هدفها النشر فقط، بل المساعدة أيضًا، فساهمت التغطية لاحقًا في توفير مساعدات للأهالي. كانت تلك أول قضية كبيرة لها في «المصري اليوم»، وتجسيدًا مبكرًا لفلسفتها: الصحافة رسالة تُؤدَّى بضمير.

لكن الذاكرة لا تخلو من مشاهد قاسية. قبل عام 2010، غطّت قضية مقتل شاب، وأجرت لقاءً مع أسرته أمام مشرحة زينهم. هناك، أمسكت والدة الشاب بقطعة قماش ملطخة بدمائه، وتشابكت يدها بيد الصحفية، واختلطت الكلمات بالصمت في لحظة لا تُنسى.

عام 2009، حضرت كارثة صخرة الدويقة، فكانت الصحفية الوحيدة من الصحف الخاصة التي تغطي الحدث. قرابة شهر كامل في شهر رمضان تتابع استخراج الجثامين من تحت الأنقاض. تجربة رسخت قناعة لا تتغير أن الصحافة الحقيقية تُكتب أحيانًا من تحت الركام.

بعد الخامس والعشرين من يناير 2011، انتقلت فاطمة أبو شنب إلى قلب لحظة تاريخية نادرة، حيث لم تعد المحاكم مجرد قاعات عدل، بل مسارح مفتوحة يراقبها العالم بأسره. حضرت محاكمات جميع رموز نظام مبارك. في جلسات كانت مليئة بالإثارة والأحداث.

تابعت الصحفية فاطمة أبو شنب جلسات محاكمة قيادات جماعة الإخوان والعالم كله كان يتابعها، والعدسات لا تتوقف عن التصوير، وكل حركة داخل القفص كانت تُقرأ باعتبارها علامة على انهيار صورة قديمة. لم يكن الهدوء هو السمة الغالبة؛ فبعض الجلسات تحولت إلى فوضى مفتوحة.

بقى موقف واحد عالقًا في ذاكرتها من جلسات محاكمة قيادات الإخوان داخل قاعة تضج بالهرج والمرج أشبه بسيرك مفتوح، سمعت ضابط ترحيلات يتحدث إلى محامي أحد القيادات، يحكي له عن تهديد مباشر تلقّاه من متهم ينتهمي للجماعة الإرهابية: «لما أخرج، أول واحد هصفّيه هو إنت». جملة قصيرة، لكنها كشفت حجم التوتر والعنف الكامن خلف المشهد، وأكدت لها أن قاعات المحاكم لم تكن فقط ساحات قانون، بل مرآة مكبّرة لصراعات جماعة الإخوان.

كان محمد حسنين هيكل، بالنسبة لفاطمة أبو شنب، أكثر من اسمٍ كبير في تاريخ الصحافة؛ كان مدرسة كاملة. أستاذًا غير مباشر، لكنه حاضر في الوعي المهني، في طريقة طرح السؤال، وفي احترام العقل، وفي الإيمان بأن الصحافة ليست مهنة سباق، بل مهنة فهم. الاقتداء به لم يكن تقليدًا شكليًا، بل التزامًا بفكرة أن الكلمة معرفة ومسؤولية، وأن الصحفي لا يكتب ليملأ فراغًا، بل ليضيف معنى.

داخل «المصري اليوم»، عاشت تجربة مهنية مختلفة. فريق العمل، من أول رئيس تحرير حتى اللحظة الراهنة، كان — ولا يزال — مساحة حقيقية للعمل الجاد، والبحث عن التميّز. لم تكن الجريدة مجرد مكان عمل، بل ورشة مستمرة لصناعة صحافة مختلفة ومتميزة، تحاول أن تسبق لا بالضجيج، بل بالمعلومة، وبزاوية التناول، وبالاشتباك الحقيقي مع الواقع.

تؤكد: التحدي الأكبر هو الصراع من أجل الخبر الصحيح. التدقيق، والمراجعة، والامتناع عن النشر حين تكون المعلومة غير مكتملة، حتى لو سبق الآخرون. شاهدت قضايا كثيرة نُشرت فيها أخبار غير صحيحة، وتداولها الناس بلا تدقيق أو تحقق، بينما الحقيقة كانت أبطأ، لكنها أصدق.

لكن الصحافة حسبما تصف، مثل العالم، تغيّرت. التطور التكنولوجي والذكاء الاصطناعي أعادا تشكيل المشهد بالكامل. في الماضي، كان الخبر حكرًا على العدد الورقي، وكان السبق الصحفي يُقاس بالوصول الحصري للمعلومة. اليوم، تغيّر كل شيء. السوشيال ميديا لم تترك تفصيلة دون تداول، وأصبح السبق في كثير من الأحيان مجرد سرعة نشر، لا دقة وصول.

ترى فاطمة أن الأزمة الحقيقية ليست في التكنولوجيا، بل في عدم التحقق من بعض المعلومات من أجل المشاهدات والانتشار السريع. بينما الوصول إلى المعلومة الصحيحة يحتاج إلى صبر، وتأنٍ، ووعي بالتحيزات، وإدراك أن الخطأ في هذا الزمن ينتشر أسرع من الحقيقة، حسب ما أكدت.

تقول: تقف العناوين في قلب هذه الأزمة. فصارت هدفًا بحد ذاتها، عناوين ضخمة، وداخل الخبر فراغ أو مبالغة أو نقص. القارئ، في النهاية، ليس ساذجًا؛ يدرك سريعًا أي مؤسسة تراهن على المصداقية، وأيها تراهن على الخداع المؤقت.

وفي رسالتها للصحفيين الجدد، تختصر التجربة في جملة واحدة: الكلمة مسؤولية. الصحفي واجهة بلده ومجتمعه، وعليه أن يتحرى الدقة، وألا ينساق وراء السرعة. الأخبار لا تُصطاد بالعجلة، بل تُستخرج بالصبر، ومن يفهم ذلك، فقط، يستحق أن يُسمّى صحفيًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى