بروفايل

كريم هاشم.. من «مذيع الجامعة» إلى كواليس النجوم في الصحافة الفنية

وُلد شغف الصحفي كريم هاشم بالإعلام مبكرًا، في مدينة الفيوم التي شكلت وعيه الأول، قبل أن تقوده خطواته إلى القاهرة حيث بدأت رحلته المهنية الفعلية داخل الوسط الصحفي والفني. بين تجربة العمل في الصحافة المكتوبة والعمل كمراسل في البرامج التلفزيونية، نجح في أن يصنع لنفسه مسارًا خاصًا قائمًا على الفضول المهني والاقتراب من التفاصيل الإنسانية خلف الأخبار والفعاليات. منذ بداياته في بوابة «الفجر» وحتى عمله مراسلًا لعدد من البرامج والمواقع الفنية، ظل كريم يؤمن بأن الصحافة ليست مجرد مهنة لنقل الخبر، بل مساحة لصياغة وجهة نظر ورواية الحكايات التي قد تمر على الآخرين دون أن يلتفتوا إليها.
نشأ الصحفي كريم هاشم في محافظة الفيوم، حيث وُلد وترعرع وما زال يحتفظ بعلاقة وثيقة مع مدينته وأسرته هناك، رغم أن طبيعة عمله الصحفي فرضت عليه الإقامة في القاهرة خلال السنوات الأخيرة. لكن الفيوم، كما يقول، ظلت دائمًا نقطة العودة، إذ يحرص على زيارة أهله وإخوته بشكل دوري، في علاقة تعكس ارتباطًا عميقًا بالبيئة الأولى التي شكلت وعيه وشخصيته.
يؤكد كريم أن أكثر ما ترك أثرًا في تكوينه الشخصي هو نموذج الأسرة، خاصة والديه اللذين عملا موظفين حكوميين، وكان يرى يوميًا كيف يتقاسمان المسؤوليات بين العمل والحياة المنزلية. هذا المشهد المتكرر، كما يروي، غرس فيه مبكرًا قيمة الاعتماد على النفس والطموح، فضلًا عن الإيمان بأن النجاح الحقيقي لا يتحقق على حساب الآخرين، بل بالاجتهاد والعمل دون افتعال صراعات أو إيذاء أحد.
علاقته بالقراءة بدأت مبكرًا لكنها لم تكن تقليدية. ففي المرحلة الإعدادية، عندما كان يشارك في الإذاعة المدرسية، كان يبحث عن مقدمات إذاعية مكتوبة بلغة عربية فصيحة عبر الإنترنت، ثم يجلس مع معلميه لتعلم كيفية نطقها وضبط تشكيلها بشكل صحيح. تلك التجربة البسيطة، التي شاركه فيها معلمون، فتحت أمامه بابًا واسعًا لاكتشاف مفردات اللغة ومعانيها، وأسهمت في تشكيل حسه اللغوي.
ورغم أن هذه العلاقة مع القراءة خفتت قليلًا خلال سنوات الدراسة، فإنها عادت بقوة مع دخوله الجامعة. هناك، انخرط في الأنشطة الطلابية، وشارك في اتحاد الطلاب وفريق المسرح، وهو ما أدخله إلى عالم الأدب والفنون، من خلال قراءة الروايات ومتابعة العروض المسرحية التي قُدمت على نصوص عالمية مثل أعمال وليام شكسبير، إلى جانب مسرحيات مستوحاة من التراث مثل «ألف ليلة وليلة». هذه التجربة الثقافية، كما يوضح، كانت بوابته الأولى إلى عالم الصحافة الفنية لاحقًا، إذ أصبحت القراءة بالنسبة له مرتبطة أكثر بالثقافة الفنية والإبداعية.
ورغم هذا الشغف بالمجال الإعلامي، فإن دراسته الجامعية جاءت في مسار مختلف؛ إذ تخرج في كلية الآداب قسم التاريخ عام 2019. غير أن حلم العمل في الإعلام ظل حاضرًا منذ الصغر، متأثرًا بشكل واضح بعمل والده في الهيئة العامة للاستعلامات، حيث كان يرافقه أحيانًا أو يشاهده وهو يشارك في الندوات التوعوية داخل الجامعات والمؤسسات المختلفة، يناقش القضايا العامة ويتفاعل مع الجمهور.
هذا المشهد المبكر ترك أثرًا واضحًا في وعيه؛ إذ كان يرى والده ممسكًا بالميكروفون ومتحدثًا في الشأن العام، وهو ما جعله ينجذب مبكرًا لفكرة العمل الإعلامي، حتى قبل أن يدرك تفاصيل المهنة أو يعرف الفرق بين الإعلام والصحافة.
وخلال سنوات الجامعة، حاول ترجمة هذا الشغف إلى تجربة عملية، فابتكر فكرة برنامج بسيط بعنوان «مذيع الجامعة»، مستلهمًا جزئيًا تجربة «مذيع الشارع»، لكنه صاغه في إطار طلابي داخل الحرم الجامعي. كان البرنامج يقوم على طرح أسئلة لأساتذة الجامعة والطلاب حول قضايا الدراسة والحياة الجامعية، أحيانًا بروح نقدية وأحيانًا بطابع كوميدي خفيف، وهو ما جعله يحظى بقدر من الانتشار بين طلاب الجامعة.
هذه التجربة كانت نقطة التحول الأولى في مسيرته؛ إذ شاهدها الصحفي مصطفى ثابت، الذي كان يشغل في ذلك الوقت منصب المستشار الإعلامي لرئيس الجامعة إلى جانب عمله رئيسًا لتحرير بوابة «الفجر». أعجب بالمحتوى الذي يقدمه كريم، واعتبر مقاطع الفيديو بمثابة سيرة ذاتية غير تقليدية، ما فتح له الباب للانضمام إلى بوابة «الفجر» وبدء خطواته الأولى داخل غرفة الأخبار.
هناك بدأ كريم رحلته المهنية بشكل تدريجي؛ فتنقل بين أكثر من قسم، فعمل لفترة في قسم التحقيقات، ثم حاول العمل في القسم الرياضي، قبل أن يبدأ بإرسال أخبار من محافظة الفيوم إلى قسم المحافظات. ومع مرور الوقت، وجد نفسه ينجذب أكثر إلى الصحافة الفنية، ليبدأ في بناء شبكة من المصادر داخل الوسط الفني، ويتعلم تدريجيًا قواعد الكتابة الصحفية وكيفية إدارة العلاقة مع الفنانين وصناع الدراما.
تمثل بوابة «الفجر» المحطة المهنية الأهم في مسيرة كريم هاشم، فهي البوابة التي دخل منها عالم الصحافة بشكل فعلي، وتعلم داخلها قواعد العمل الصحفي الأولى. وبعد هذه التجربة، بدأ يوسّع نطاق عمله الإعلامي، فعمل لفترة في موقع «مصر أون لاين»، قبل أن يبدأ تدريجيًا في الجمع بين الصحافة المكتوبة والعمل التلفزيوني.
لاحقًا انضم إلى فريق برنامج «شو تايم» على قناة CBC كمراسل، حيث بدأ يقترب أكثر من عالم الصحافة الفنية وتغطية الفعاليات المرتبطة بالدراما والسينما والغناء. ومن هذه التجربة انتقل إلى شاشة «روتانا» عبر برنامج «عرب وود»، وهو ما أتاح له مساحة أوسع للتعامل مع نجوم الفن في مصر والعالم العربي.
ومع مرور الوقت عاد مجددًا إلى CBC، حيث شارك في برنامج «شو تايم» الفني، ثم أسهم في إطلاق برنامج «Music Hub»، وهو برنامج متخصص في موسيقى الراب وثقافة الأندرجراوند، عمل فيه مراسلًا ومعدًا في الوقت نفسه، في تجربة مزجت بين التغطية الصحفية وصناعة المحتوى التلفزيوني.
وفي الوقت الحالي يشارك كريم هاشم ضمن فريق برنامج «الستات ما يعرفوش يكدبوا» على شاشة CBC، حيث يتولى مسؤولية متابعة وتقديم المحتوى الفني داخل البرنامج، إلى جانب عمله مراسلًا لموقع «فوشيا»، وهو موقع فني إماراتي متخصص، يعمل معه منذ أكثر من أربع سنوات كمراسل وحيد له في مصر. وخلال هذه السنوات نجح في تقديم عدد كبير من الحوارات والتغطيات التي تصدرت مواقع التواصل الاجتماعي، وغطى معظم الفعاليات الفنية الكبرى، إلى جانب إجراء لقاءات مع عدد كبير من نجوم مصر والوطن العربي.
كما خاض تجربة في الصحافة الثقافية من خلال عمله لفترة في جريدة «القاهرة» الصادرة عن وزارة الثقافة، وهو ما أضاف بعدًا ثقافيًا آخر إلى مسيرته المهنية.
يرى كريم هاشم أن الصحافة ليست مجرد مهنة، بل «مهنة وجهة النظر»، كما يصفها. بالنسبة له هي مهنة البحث عن الحقيقة، وملاحقة التفاصيل التي قد تمر على الآخرين دون انتباه. ويؤمن أن أي واقعة في الحياة يمكن أن تتحول إلى قصة صحفية، إذا وجدت من يملك القدرة على رؤيتها وتقديمها بالمعالجة الصحفية الصحيحة.
ومن بين الأعمال الصحفية التي يعتز بها بشكل خاص تحقيق حمل عنوان «من خلف أسوار الأوبرا.. محبو كاظم الساهر يتلصصون للاستمتاع بالصوت». جاءت فكرة الموضوع من مشهد عابر شاهده بالصدفة أثناء مروره بجوار دار الأوبرا المصرية، حيث لاحظ تجمع عدد كبير من الجمهور خارج الأسوار أثناء حفل للفنان كاظم الساهر، الذي كان قد غاب لسنوات طويلة عن إحياء الحفلات في مصر.
بعض هؤلاء كانوا لا يملكون ثمن التذكرة، فجلسوا خلف الأسوار ليستمعوا إلى الحفل من الخارج، بينما وقف آخرون بملابس أنيقة بعدما نفدت التذاكر قبل أن يتمكنوا من الحصول عليها. حتى بائع البطاطا في الشارع المجاور كان جزءًا من المشهد، حين قال له ضاحكًا: «أنا أسعد واحد في الدنيا.. بشوي البطاطا على صوت كاظم الساهر». بالنسبة لكريم، لم يكن هذا مجرد حدث فني، بل قصة إنسانية تعكس علاقة الجمهور بالفن.
إلى جانب ذلك، أجرى كريم هاشم العديد من الحوارات مع نجوم الفن في مصر والعالم العربي، من بينهم الفنان علي الحجار، الذي يعتز بعلاقة طيبة جمعته به، فضلًا عن لقاءات مع عدد من النجوم مثل أحمد العوضي ويسرا وغيرهما من الفنانين الذين التقاهم خلال تغطياته للفعاليات والمهرجانات الفنية.
وعندما يتحدث عن تجربته المهنية، يصفها بأنها تجربة إنسانية قبل أي شيء آخر. فالشاب القادم من محافظة الفيوم إلى القاهرة لم يكن يملك في البداية شبكة علاقات واسعة داخل الوسط الإعلامي، لكنه وجد نفسه مع الوقت يخوض تجربة مليئة بالتحديات والضغوط، لكنها في الوقت ذاته تجربة غنية بالخبرات والقصص الإنسانية.
أما النصيحة التي يوجهها إلى زملائه من الصحفيين الشباب، فهي بسيطة في ظاهرها لكنها عميقة في معناها: «حب الشغلانة علشان تحبك». يؤمن كريم أن العمل الصحفي لا يمنح أسراره إلا لمن يخلص له، وأن النجاح فيه يحتاج إلى صبر طويل، وإلى امتلاك وجهة نظر حقيقية، لا مجرد السعي وراء لقب «صحفي». فبحسب رؤيته، الصحافة مهنة صعبة، لكنها تمنح الكثير لمن يملك الشغف والإصرار، ويستطيع أن «يحفر في الصخر» ليصل إلى قصته الخاصة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى