التقارير الإعلامية
كيف تؤثر اللغة الصحفية على الضحية وحياد التغطية؟

إعداد: مارسيل نظمي
في أعقاب تداول فيديو لفتاة تتهم شابًا بالتحرش بها داخل أتوبيس نقل عام، وما تبعه من جدل واسع على منصات التواصل الاجتماعي، اختلفت التغطيات الإعلامية في توصيف الواقعة، خصوصًا في اختيار المفردات المستخدمة لوصف رواية الفتاة.
هذا الاختلاف اللغوي ليس تفصيلًا شكليًا، بل ينعكس مباشرة على موقع الضحية، وعلى حياد الوسيلة الإعلامية ومسؤوليتها المهنية.
في هذا السياق، من المهم التذكير بأن المؤسسات الصحفية لا ينبغي أن تنساق وراء خطاب السوشيال ميديا، سواء كان خطاب تشكيك أو تشهير أو عقاب جماعي. وظيفة الصحافة ليست إعادة تدوير الانفعالات، بل إعادة صياغة النقاش العام وفق معايير مهنية واضحة، تحمي الحقوق ولا تخلط بين الرأي والانفعال والحكم المسبق.
الكلمة الأفضل والأكثر إنصافًا واحترافية هي «تتهم».
كلمة «زعم» في اللغة وفي العرف الصحفي توحي غالبًا بالتشكيك أو بأن القول يفتقر إلى دليل. استخدامها في قضايا التحرش والعنف الجنسي يكرّس ثقافة لوم الضحية، ويضع روايتها في موضع الشك منذ العنوان، وكأن الوسيلة الإعلامية قررت مسبقًا أن ما قيل محل ريبة، قبل أي فحص أو تحقيق.
لأنها كلمة قانونية وصحفية محايدة، تصف الواقعة كما هي: هناك طرف يوجّه اتهامًا لطرف آخر، دون افتراض صدق أو كذب، ودون إدانة مسبقة. هذا الاختيار يحفظ حق الفتاة في عرض قضيتها، ويحفظ للوسيلة الإعلامية حيادها القانوني حتى تثبت الإدانة أو تُنفى.
ليس بالضرورة في السياق الصحفي، قانونيًا الاتهام الرسمي يتم أمام جهات التحقيق.
صحفيًا، بمجرد خروج الفتاة في فيديو علني وتوجيه اتهام صريح لشخص محدد بفعل محدد، فهذا يُعد اتهامًا علنيًا تنقله الصحافة بوصفه واقعة خبرية.
وفي كثير من الحالات، يكون الفيديو نفسه بمثابة بلاغ للرأي العام، وغالبًا ما تتحرك الجهات المعنية بناءً على ما يُنشر باعتباره رصدًا لواقعة محتملة.
نشر صور الشخص المتهم قبل صدور قرارات رسمية من جهات التحقيق مسألة شديدة الحساسية، ومحفوفة بالمخاطر المهنية والقانونية. الأصل هنا هو التحفّظ، والاستثناء يكون في أضيق الحدود، عندما يكون الشخص قد ظهر بالفعل في الفيديو المتداول، مع الالتزام بلغة غير إدانِيّة وعدم تحويل النشر إلى محاكمة إعلامية.
أما نشر صور أشخاص متواجدين في مكان الواقعة من ركاب أو شهود أو محيطين، فهو في الغالب خطأ مهني واضح. هؤلاء ليسوا أطرافًا في الواقعة، ولم يختاروا الظهور العلني، ولا توجد مصلحة عامة تبرر كشف هوياتهم. الواجب المهني هنا هو حماية الخصوصية وطمس الوجوه وعدم تحميلهم أي مسؤولية اجتماعية أو أخلاقية.
وفي مثل هذه القضايا، التغطية الاحترافية لا تكتفي بنقل الاتهام، بل تسلّط الضوء على ما هو موثّق بالفعل بالصوت والصورة: السخرية، التعنيف، أو تبرير التحرش بالملابس. هذه ليست «مزاعم»، بل سلوكيات ظاهرة يمكن توصيفها صحفيًا بدقة، دون تهوين ودون تهويل.
اختيار المفردة، وحدود النشر، وطريقة العرض، ليست تفاصيل تقنية، بل جوهر العمل الصحفي المسؤول، خصوصًا حين يتقاطع مع قضايا العنف والتحرش وحقوق الضحايا. الصحافة هنا ليست طرفًا في الصراع، لكنها مسؤولة عن ألا تكون جزءًا من الظلم.



