محمد سعد عبدالحفيظ.. سيرة صحفي تشكّل بالقراءة والموقف

لم تكن رحلة الكاتب الصحفي محمد سعد عبدالحفيظ صعودًا وظيفيًا تقليديًا، بقدر ما كانت مسارًا بطيئًا لتشكّل الوعي. تقاطعت في حياته القرية مع الجامعة، والمسرح مع الأرشيف، والقراءة مع الموقف، قبل أن تستقر في الصحافة بوصفها ممارسة معرفية وأخلاقية، لا مجرد مهنة.
وُلد عبدالحفيظ في قرية الدوالطة بمحافظة بني سويف، داخل أسرة ارتبطت بالتعليم والعمل الحكومي؛ الأب يعمل في مجال التربية والتعليم، والأم موظفة حكومية. في هذا السياق تشكّل وعيه المبكر بقيمة المعرفة والانضباط، وبأن التعليم ليس وسيلة للترقي الاجتماعي فقط، بل مدخل لفهم العالم وتنظيم العلاقة معه.
التحق بكلية الآداب – جامعة القاهرة فرع بني سويف، وتخرّج منها عام 1996. ومنذ أواخر الثمانينيات وحتى انتهاء المرحلة الجامعية، كانت الصحافة هي المصدر الرئيسي للمعرفة والوعي؛ إذ لم تكن هناك وسائل مفتوحة سوى الصحف اليومية ونشرات الأخبار المتاحة على قناتين تلفزيونيتين فقط، في زمن سابق على الإنترنت والفضائيات.
يروي عبدالحفيظ أنه كان يصطحب أصدقاءه ويقفون في محطة قطار بني سويف حتى ما بعد منتصف الليل، في انتظار وصول صحف اليوم التالي. لم تكن القراءة فعلًا عشوائيًا، بل منظمة وفق جدول واضح؛ يوم مخصص لقراءة مقال فهمي هويدي في الأهرام، ويوم آخر لمقال صلاح الدين حافظ، بينما كانت صحف المعارضة، مثل العربي والوفد والأهالي والشعب، تُقرأ وفق ترتيب أسبوعي ثابت.
كانت الصحيفة تُقرأ من صفحتها الأولى إلى الأخيرة، وبعض المقالات كانت تُقص وتُحتفظ بها، ولا تزال أعداد من صحف العربي والأهالي موجودة في مكتبه حتى اليوم، بوصفها شاهدًا ماديًا على علاقة مبكرة وعميقة بالكلمة المكتوبة.
داخل الجامعة، لم يكتفِ بدور القارئ المتابع، بل انخرط في النشاط الثقافي والتنظيمي، فصار أمينًا للجنة الثقافية باتحاد الطلاب، وشارك مع عدد من زملائه في تحرير إصدار غير دوري حمل اسم «عيون مصر»، تحوّل لاحقًا إلى أسرة ثقافية تحمل الاسم ذاته.
في تلك الفترة، كان المسرح جزءًا أصيلًا من تكوينه؛ سواء من خلال فريق الجامعة أو فريق الثقافة الجماهيرية بقصر ثقافة بني سويف. وقف أمام الجمهور في عروض مسرحية مثل «الرجل الذي ضحك على الملائكة» و«بُكرة»، في مدينة كانت تشهد آنذاك نشاطًا مسرحيًا لافتًا.
ارتبط خلال تلك المرحلة بعدد من فناني المسرح الذين شكّلوا جيلًا مؤثرًا، من بينهم أحمد البنهاوي، وعلاء المصري، وفتحي عبدالوهاب، وأسامة محمود. ولم تكن تجربة المسرح في حياته فنية فقط، بل تدريبًا مبكرًا على فهم الإنسان، والإنصات للصوت الداخلي، وهو ما انعكس لاحقًا على الكتابة الصحفية التي لا تكتفي بنقل الحدث، بل تبحث عن سياقه الإنساني.
القراءة في الأدب والتاريخ، من نجيب محفوظ ويوسف إدريس إلى طه حسين، إلى جانب الاهتمام المبكر بالشأن السياسي ومتابعة الأخبار، صنعت ملامح صحفي امتلك شغف المعرفة قبل امتلاك المنبر. ثم جاءت تجربة العمل في دار الكتب والوثائق القومية لتضيف بعدًا جديدًا؛ بين الأرشيف وأمهات الكتب تشكّل لديه وعي وثائقي دقيق، وانفتح المجال للتعرّف على عدد من الصحفيين والكُتّاب والشخصيات العامة.
كان من بين هؤلاء الدكتور صابر عرب، وزير الثقافة الأسبق، ورئيس مجلس إدارة دار الكتب والوثائق القومية وقت عمله بها، والذي لعب دورًا داعمًا في تشجيعه على الاستمرار في طريق الصحافة.
جمع عبدالحفيظ بين عمله في دار الكتب والتعاون مع إصدارات صحفية مصرية وعربية، إلى أن جاء موعد التعيين في جريدة «الكرامة». كان القرار حاسمًا؛ استقال من الوظيفة الحكومية، متخليًا عن الأمان الوظيفي لصالح احتراف الصحافة والسعي للقيد بنقابة الصحفيين.
لم يكن القرار سهلًا، خاصة مع معارضة الأسرة لفكرة ترك «الوظيفة الميري»، لكن الإيمان بالمسار غلب التردد. ومع مرور الوقت، ومع ظهور اسمه في الأخبار والتقارير وتحسّن دخله، تحوّل القلق إلى اقتناع بأن الاختيار كان في محله.
في منتصف العقد الأول من الألفية، وجد نفسه في قلب لحظة سياسية فارقة خلال تغطيته مظاهرات التنديد بالتعديلات الدستورية عام 2005. تعرّض للاحتجاز مع زميله محسن سميكة وعدد من قيادات حركة «كفاية». يروي أنه فوجئ بزميله في طريقه إلى سيارة الشرطة، فاعترض على قرار القبض عليه، ليقضي ليلة داخل حجز القسم، ويُفرج عنه صباح اليوم التالي عقب التحقيق.
كانت تلك المرة الأولى والأخيرة التي يُحتجز فيها. لم يكن يعلم أحد من أسرته بما حدث، بما في ذلك زوجته، التي لم يكن قد مرّ على زواجهما سوى عامين، بينما كان ابنه البكر لا يزال رضيعًا.
قبل جريدة «الكرامة»، خاض تجربة تدريب في جريدة «العربي»، انتهت بقرار حاسم من جمال فهمي بإنهاء التدريب ونصيحة مباشرة بالبحث عن مصدر رزق آخر. بدا القرار قاسيًا في لحظته، لكنه تحوّل لاحقًا إلى درس مهني مبكر عن قسوة المهنة وحدودها، وتحول الخلاف مع الزمن إلى صداقة.
إلى جانب عمله في «الكرامة»، تعاون مع مكاتب صحفية عربية، أبرزها «الجريدة» الكويتية و«الشرق» القطرية، إلى جانب تجربة قصيرة مع «إسلام أونلاين». ثم جاءت محطة جريدة «الشروق» عام 2008، حيث شارك في التأسيس، وتولى ملف الحركات الإسلامية، ثم رئاسة القسم السياسي خلال واحدة من أكثر الفترات حساسية في تاريخ مصر، قبل أن يصبح مديرًا للتحرير عام 2014.
بدأ عبدالحفيظ تجربته النقابية مبكرًا، حين خاض للمرة الأولى انتخابات مجلس إدارة صندوق تكافل الصحفيين عام 2008. لم تكن التجربة عابرة؛ إذ نال ثقة الجمعية العمومية، واستمر عضوًا بالمجلس لمدة أربع سنوات، تعلّم خلالها أن العمل النقابي ليس موقعًا ولا مقعدًا، بل مسؤولية يومية وصراعًا مستمرًا من أجل الحقوق.
في عام 2015 خاض انتخابات مجلس نقابة الصحفيين ولم يحالفه التوفيق، لأسباب فضّل عدم الخوض فيها. لم يعتبر الخسارة نهاية الطريق، بل محطة في مسار أطول. عاد بعدها بعامين ليخوض انتخابات عضوية مجلس النقابة تحت السن في 2017، ومنذ ذلك التاريخ وهو عضو منتخب في مجلس النقابة دون انقطاع، مشاركًا في ثلاث دورات متعاقبة تحت قيادات مختلفة.
خلال هذه السنوات، تولّى أكثر من موقع نقابي، وظلّ مؤمنًا بأن دوره الحقيقي دفاعي بالأساس؛ دفاع عن استقلال النقابة، وعن حق الصحفيين في أداء دورهم كوسطاء بين المجتمع والدولة، ووكلاء عن الشعب في الرقابة على مؤسسات الدولة.
تجسّد هذا الإيمان في مقالاته، ومواقفه داخل المجلس، ومشاركته في جلسات الحوار الوطني عام 2021، حيث ظلّ منحازًا لفكرة الصحافة الحرة باعتبارها شرطًا لازمًا لأي إصلاح حقيقي.
يعتبر عبدالحفيظ أن الدفاع عن الصحافة وحقوق الصحفيين واستقلال النقابة مهمة أقرب إلى الواجب المهني والأخلاقي، لا خيارًا سياسيًا ولا ترفًا.
في السنوات الثلاث الأخيرة، تولّى مسؤولية ملف التدريب عبر مركز تدريب نقابة الصحفيين، الذي كان شبه مجمّد قبل توليه المهمة. أعاد المركز إلى العمل، واستعاد دوره كمساحة للتأهيل وبناء القدرات، انطلاقًا من قناعة بأن الدفاع عن المهنة لا يكتمل دون صحفيين مؤهلين يمتلكون أدواتهم ويعرفون حقوقهم.
يصف المركز بأنه «كنز معطل»؛ دور كامل خُصص للتدريب لكنه ظل شبه مغلق لسنوات. عند توليه المسؤولية، اكتشف استوديو إذاعي وبرودكاست وصالة تحرير مجهزة تقنيًا لكنها مهملة، وبعضها تعرض للتلف. بعد شهور من العمل والإصلاح، وبتكلفة تجاوزت 150 ألف جنيه، عاد المركز إلى العمل.
حقق المركز إيرادات متقطعة وصلت إلى نحو مليون ونصف جنيه، وتم إنشاء مركز تدريب آخر في الإسكندرية بتكلفة مليون جنيه. وللمرة الأولى، تحولت لجنة تدريب من عبء على ميزانية النقابة إلى وحدة تحقق دخلًا قُدّر بنحو نصف مليون جنيه دون الاعتماد على خزينة النقابة.
يقول عبدالحفيظ إن المرحلة المقبلة ستشهد تنفيذ برامج تدريبية موجهة للصحفيين في الصعيد ووجه بحري، إيمانًا بحق الزملاء الذين لا تسمح لهم ظروفهم بالانتقال إلى القاهرة في الحصول على فرص تدريب حقيقية ومتساوية. لا ينبغي، من وجهة نظره، أن يظل التطوير المهني حكرًا على الجغرافيا، ولا أن تتحول العاصمة إلى بوابة وحيدة للمعرفة.
ويطمح أن يتحول مركز تدريب نقابة الصحفيين إلى مركز إقليمي مؤثر، يستقبل صحفيين ومتدربين من الدول العربية، ويقدّم برامج نوعية بمعايير واضحة ومناهج حديثة، تعكس خبرة الصحافة المصرية ودورها التاريخي.



