مقر غير صالح للاستخدام وصحفيون/ات يتقاضون 50 جنيهًا شهريًا.. كيف وصلت «الفجر» إلى حافة الانهيار؟!

«ملناش دعوة».. كيف تُرك صحفيو «الفجر» وحدهم/ن في مواجهة الأزمات؟
إجبار الصحفيين/ات على توقيع «استمارة 6» مع إقرار بسداد كامل قيمة التأمينات
نقيب الصحفيين: صبرنا نفد والمرحلة المقبلة ستشهد تحرّكات نقابية وقانونية واسعة
رئيس التحرير السابق: الصحفيون/ات عملوا وسط مخلّفات القوارض
في التاسعة صباحًا، داخل المقر الكائن بـ18 شارع السد العالي في الدقي، وتحديدًا في الطابق الثامن عشر، كانت صالة تحرير جريدة «الفجر» تبدو كخلية نحل لا تهدأ؛ صحفيون/ات يتحرّكون بين المكاتب، ومصورون/ات يراجعون معدّاتهم استعدادًا للنزول إلى الشارع، بينما تستعد الأقسام المختلفة لاجتماعاتها اليومية لمناقشة الأفكار وخطط التغطية.
هنا قسم الرياضة يجهّز ملفاته، وهناك محررو الفن والاقتصاد يتابعون الأخبار العاجلة، فيما يستعد صحفيو/ات الميدان للانطلاق خلف الأحداث، في مشهد يومي استمر لسنوات طويلة داخل واحدة من أبرز المؤسسات الصحفية الخاصة في مصر؛ حيث كانت هنا واحدة من أكثر غرف الأخبار صخبًا في الصحافة المصرية.
على الجانب الآخر من المشهد، كانت هناك خلية نحل أخرى، لا تقل حركةً ولا حضورًا؛ داخل غرفة التحرير التي اعتادت أن ترسم ملامح العدد الورقي؛ حيث يدور النقاش بين الصحفيين/ات حول العناوين الرئيسية التي كثيرًا ما أثارت جدلًا واسعًا داخل مصر، وفرضت حضور الجريدة في قلب المشهد الصحفي، وكانت الاجتماعات الأسبوعية مساحة مفتوحة لطرح الأفكار ومراجعة الملفات، وفتح أبواب التحقيق في قضايا فساد شائكة، بعضها تحوّل لاحقًا إلى أعمال صحفية حازت جوائز محلية ودولية، ورسّخت اسم «الفجر» كمنبر صحفي يعبّر عن المواطن، قبل أن تتبدّل ملامح المشهد بالكامل.
على مدار 21 عامًا، ظل اسم «الفجر» حاضرًا بقوة في المشهد الإعلامي، منذ صدورها لأول مرة وهي تحمل على صدر صفحتها الأولى صورة فتاة تصرخ، تعلوها العبارة التي التصقت بالجريدة طويلًا: «جريدة لا تستسلم»، هذا شعارٌ بدا وقتها انعكاسًا لروح المؤسسة التي صنعت لنفسها مكانة خاصة بين الصحف المصرية، وارتبط اسمها بكُبرى ملفات كشف الفساد، والقضايا السياسة والفن والمجتمع، ونجحت في تخريج أجيال من الصحفيين/ات ورؤساء التحرير والإعلاميين/ات البارزين/ات، حتى تحوّلت إلى مدرسة صحفية تُدرّس تجربتها داخل كليات الإعلام.
لكن بعد كل تلك السنوات، تبدو «الفجر» اليوم عاجزة عن الوفاء بالشعار الذي رفعته طويلًا على صدرها؛ فالمؤسسة التي قاومت أزمات متلاحقة، تواجه منذ عامين انهيارًا اقتصاديًا وإداريًا متسارعًا، انتهى بتوقّف الرواتب، وتراجع بيئة العمل، وانسحاب المُلاك من المشهد، إلى حد ترديد عبارات من نوع: «ملناش دعوة بيها»، في محاولة للتنصّل من مسؤولية مؤسسة كانت يومًا في صدارة الصحافة الخاصة، قبل أن تتحوّل إلى حكاية مؤلمة عن مهنة تتآكل، وصحفيين/ات تُركوا وحدهم/ن في مواجهة المصير.
عام كامل بدون رواتب وصحفيون/ات يعملون في وظائف أخرى
مر عام كامل دون الحصول على رواتب؛ حيث أن آخر راتب تقاضاه صحفيو/ات الجريدة في شهر مايو الماضي، قبل التوقف التام في يونيو 2025، وعلى الرغم من ذلك متمسّكون بالعمل يوميًا، رافضين مغادرة المؤسسة التي صنعوا أسماءهم/ن المهنية بين جدرانها، وتركوا داخل أرشيفها سنوات طويلة من الجهد والتعب والقصص الصحفية التي شاركوا في صناعتها.
بالنسبة لكثير منهم/ن، لم تكن «الفجر» مجرّد مكان للعمل، بل مساحة عمر كاملة، لذلك ظلوا يقاومون فكرة الرحيل، متمسّكين بأملٍ أخير في أن تنجو المؤسسة وتستعيد قُدرتها على الاستمرار، رغم الضغوط المتزايدة التي يقول صحفيون/ات إن الإدارة تمارسها عليهم/ن خلال الفترة الأخيرة.
لكن خلف هذا التمسّك، تتسع يومًا بعد آخر كُلفة إنسانية واجتماعية قاسية؛ فتوقف الرواتب لم يُحرم الصحفيين/ات فقط من مصدر دخلهم/ن الأساسي، بل هدد استقرارهم/ن المعيشي وحمايتهم/ن الاجتماعية، في وقت تعاني فيه مهنة الصحافة نفسها من أوضاع شديدة القتامة اقتصاديًا ومهنيًا.
كثير من البيوت تأثّرت بصورة مباشرة، واضطر بعض الصحفيين/ات بـ«الفجر» للعمل في وظائف إضافية خارج المهنة، أو التنقل بين أكثر من عمل يوميًا، ليس فقط للإنفاق على أسرهم/ن، بل أحيانًا لتوفير الحد الأدنى الذي يسمح لهم/ن بالاستمرار داخل الجريدة نفسها، في محاولة أخيرة لإنقاذ مؤسسة يخشون أن تختفي، بعدما أفنوا فيها سنوات من أعمارهم/ن.
رواتب متدنّية وإجبار على دفع التأمينات
فلاش باك.. إلى سنوات ما قبل الأزمة، حين كان الالتحاق بالمهنة داخل «الفجر» بالنسبة لكثير من الصحفيين/ات يبدأ من بابٍ ضيق يحمل حلم واحد، وهو الصحافة ثم التعيين والاقتراب خطوة من نقابة الصحفيين، بوصفها المظلّة المهنية والضمانة الأولى للاستقرار، وكان البعض منهم/ن يقبلون برواتب أقل من نظيراتها في مؤسسات صحفية أخرى، في سبيل الحصول على فرصة عمل تفتح لهم/ن أبواب النقابة.
لكن المفارقة التي يرويها عدد منهم/ن تبدأ لحظة توقيع العقود، حين يُفاجأ الصحفيون/ات بوجود إقرار يُلزمهم/ن بتحمل كامل قيمة الاشتراكات التأمينية، بما في ذلك حِصة العامل وحصة المؤسسة معًا، في مخالفة صريحة للقواعد المُنظمة للعلاقة التأمينية بين العامل وصاحب العمل، ومع غياب البدائل وضغط الواقع المهني، ورغبتهم/ن في تثبيت أوضاعهم/ن داخل المهنة، يجد كثيرون أنفسهم/ن مضطرين للتوقيع، تحت شرط واضح: إما القبول بهذه البنود أو فقدان فرصة التعيين، ومن ثم الابتعاد عن حلم دخول النقابة.
ومع التغيّرات الأخيرة وارتفاع الحد التأميني وفقًا للقانون، وصلت هذه الأعباء إلى ما يقارب 900 جنيه شهريًا، لتتحوّل إلى عبء مالي إضافي يُثقل كاهل الصحفيين/ات بالمؤسسة، الذين يعانون أصلًا من تأخّر أو توقف الرواتب، وبذلك أصبح كثير منهم/ن مُحاصرًا بين دخل متراجع، والتزامات تأمينية متزايدة، في وقت يرى فيه العاملون/ات أن المؤسسة تتنصّل من مسؤولياتها القانونية والمالية تجاههم/ن، تاركة إياهم/ن في مواجهة أعباء تتجاوز قدرتهم/ن على التحمّل، حتى وصل راتب بعض الصحفيين/ات إلى 50 جنيهًا بعد اقتطاع قيمة التأمينات.
ووفقًا لشهادات عدد من الصحفيين/ات، فإن الأزمة لم تتوقف عند تدني الرواتب أو تأخّرها، بل امتدت إلى تحوّل بعض العاملين/ات فعليًا إلى مدينين للمؤسسة نفسها؛ فبحسب ما رواه صحفيون/ات، كان عدد ممن يتقاضون رواتب محدودة يجدون أنفسهم/ن، بعد خصم قيمة التأمينات كاملة – بما تشمل حِصة العامل وحِصة المؤسسة وفق الإقرارات التي أُجبروا على توقيعها – مُطالبين بسداد فارق مالي إضافي للجريدة، ويؤكد بعضهم/ن أن الإدارة كانت تتواصل معهم/ن بشكل مباشر للمطالبة بهذه المبالغ، وتهديدهم/ن بوقف التأمينات وفصلهم/ن حال عدم السداد.
ويشير صحفيون/ات إلى أن المفارقة الأكثر قسوة، تمثّلت في وجود صحفيين/ات على قوة العمل، ويمارسون مهامهم/ن الصحفية بشكل طبيعي، رغم أنهم لا يتقاضون أي رواتب من الأساس، بينما يتحمّلون في المقابل كامل الحصة التأمينية الخاصة بهم/ن وبالمؤسسة، وكانوا يوافقون في محاولة للحفاظ على مصادرهم/ن الصحفية، ووجودهم/ن المهني بأي ثمن، حتى لو كان ذلك على حساب الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي والحقوق القانونية.
الغريب في الأمر كان في إدارة الجريدة، التي بررت تدنيّ مستوى الرواتب التي يتقاضاها الصحفيون/ات طوال السنوات السابقة، بأن ما يحصلون عليه من «بدل التدريب والتكنولوجيا» بعد تعيينهم/ن وعضويتهم/ن في نقابة الصحفيين، يُعد جزءًا من إجمالي الدخل الشهري لهم/ن داخل المؤسسة، باعتبار أن «الفجر» هي التي قامت بتعيينهم/ن ووفّرت لهم/ن فرصة القيد بالنقابة، ومن ثم الاستفادة من هذا البدل، وهو التبرير الذي اعتبره صحفيون/ات نوعًا من تحميل العاملين/ات عبئًا ماليًا ونفسيًا إضافيًا، عبر احتساب مستحقات خارج إطار الراتب الأساسي، في الوقت الذي يؤكدون فيه أن هذا البدل حق مهني مقرر لهم/ن من النقابة، ولا يجوز إدراجه كبديل عن الأجر الذي تتحمّل المؤسسة مسؤوليته.
ولا ينفصل ذلك عن واقع الرواتب خلال الأعوام الأخيرة؛ حيث كان صرف الأجور يتأخّر بشكل متكرر، ليصل إلى منتصف الشهر التالي أو ما بعده، الأمر الذي كان يعني أن الصحفيين/ات يتقاضون رواتبهم/ن الخاصة بشهر يناير مثلًا بعد منتصف فبراير، وقد أسهم هذا التأخير المزمن في تفاقم الأزمات المالية التي واجهها العاملون/ات، في ظل اعتمادهم/ن الأساسي على هذه الرواتب في تلبية الاحتياجات المعيشية والالتزامات الأسرية المتزايدة، بما زاد من حِدة الضغوط الاقتصادية التي يعيشونها.
كما دأبت إدارة الجريدة على إجبار الصحفيين/ات، على التوقيع على نموذج إنهاء خدمة العامل، أو ما يُعرف بـ «استمارة 6»، في نفس لحظة توقيعهم/ن عقود التعيين، وهو ما يجعلها لحظة سعادة ممزوجة بمرارة القلق، والتي أصبحت طوال الوقت أداة تهديد في وجه العاملين/ات بالجريدة، حتى جاء قانون العمل المصري رقم 14 لسنة 2025، وألغى هذا النموذج، الذي كان يُستخدم كأداة للفصل التعسفي في القطاع الخاص.
الامتناع عن توقيع أي مستندات رسمية للعاملين/ات
في واقعة يصفها الصحفيون/ان بأنها غير مسبوقة داخل مؤسسة صحفية، امتنعت إدارة الجريدة عن توقيع أو اعتماد أي مستندات قانونية خاصة بالعاملين/ات، بما في ذلك استمارات البطاقة الشخصية، أو الأختام الرسمية المطلوبة لإتمام الإجراءات الحكومية والخدمية، ووفق شهادات حصل عليها المرصد من عدد من الصحفيين/ات، فإن الإدارة كانت ترفض التصدّيق على أي أوراق رسمية تخصّهم/ن، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على حياتهم/ن اليومية، وأدّى إلى تعطيل مصالح أساسية، وضياع فرص كان من بينها التقدّم للحصول على وحدات سكنية، أو إجراءات علاجية، وغيرها من الخدمات المرتبطة بإثبات جهة العمل.
ويفسّر صحفيون/ات هذا السلوك بأنه نوع من التعنّت الإداري، وحرص من الإدارة على تقليل الالتزامات القانونية إلى أدنى حد ممكن؛ بحيث يقتصر الربط القانوني مع العاملين/ات على عقود التعيين فقط، دون إصدار مستندات داعمة، مثل مفردات المرتب، أو خطابات رسمية قد تُحمّل المؤسسة أي التزامات قانونية إضافية، ويأتي ذلك في سياق يُشير فيه الصحفيون/ات إلى حصولهم/ن على رواتب تقل كثيرًا عن الحد الأدنى المُقرر بالعقود أو التأمينات، ما يجعل غياب المستندات الرسمية عاملًا مضاعفًا لتدهّور أوضاعهم/ن المهنية والاجتماعية.
وكانت ترفض الإدارة التوقيع حتى على استمارات تجديد البطاقة الشخصية، ما أثّر بالسلب على الصحفيين/ن، وأضاع عليهم/ن عددًا من الفرص، مثل الحصول على وحدات سكنية من الدولة، أو تقسيط منتجات ضرورية، وغير ذلك.
ويؤكد الصحفيون/ات أن هذا الإجراء حرمهم/ن من أي دليل موثّق يمكن الرجوع إليه عند الحاجة، سواءً في ما يتعلّق بالمطالبات القانونية أو التأمينية، أو إثبات الأجور الفعلية التي كانوا يتقاضونها، في ظل أوضاع عمل غير مستقرّة أساسًا.
ووفقًا لشهادات عدد من الصحفيين/ات بالجريدة، فإن آلية صرف الرواتب داخل المؤسسة كانت تتم بطريقة تفتقر إلى الحد الأدنى من الضمانات التوثيقية؛ إذ كانوا يتقاضون مستحقاتهم/ن شهريًا، مقابل التوقيع على إيصالات استلام تُحفظ نسختها الوحيدة لدى الإدارة، دون أن يحصل العاملون/ات على نسخة مقابلة منها، ويعني ذلك عمليًا عدم امتلاك الصحفيين/ات لأي مستند رسمي يُثبت قيمة الرواتب التي حصلوا عليها أو انتظام صرفها، حتى وإن كانت متدنية.
مقر لا يصلح للاستخدام الآدمي
تفاقمت الأوضاع الاقتصادية داخل المؤسسة، بصورة دفعت الإدارة إلى اتخاذ قرار بالتخلّي عن المقر الرئيسي الضخم في منطقة الدقي، الذي كان يضم استوديو تصوير واستوديو راديو، إلى جانب مساحات عمل واسعة مُهيأة لاستيعاب الصحفيين/ات وجاء هذا التحوّل في إطار سياسة تقليص النفقات، التي امتدت لتشمل تقليص الرواتب، وتخفيض حجم الإنفاق العام، وصولًا إلى الانتقال إلى مقر بديل أصغر وأضيق وهو عبار عن «شقة» مكوَنة من طابقين، في شارع الجهاد بميدان لبنان، أقل من حيث الإمكانيات والمساحة.
وبحسب روايات الصحفيين/ات، فإن المقر الجديد يفتقر لأبسط مقوّمات بيئة العمل؛ إذ لا يحتوي الطابق العلوي الذي يضم الموقع الإلكتروني حتى على نافذة واحدة تسمح بالتهوية، ويشير الصحفيون/ات إلى أن بعض المعدات اختفت أثناء عملية النقل، دون أي توضيح أو مساءلة حتى الآن، في وقت استُخدم فيه المقر لفترة قصيرة قبل أن يُغلق فعليًا.
ومع مرور الوقت، تحوّل المكان إلى مساحة شبه مهجورة؛ إذ يصفه العاملون/ات بأنه بلا مياه، ولا عمال، ولا حتى كراسي صالحة للاستخدام، إلى درجة أن صحفيين/ات ذكروا أنهم/ن كانوا يبحثون عن كرسي «سليم» لاستقبال نقيب الصحفيين وأعضاء مجلس النقابة خلال زيارتهم للمقر سابقًا، ولم يجدوا، كما يعاني المكان من أعطال متكررة في التكييف الذي أصبح متهالكًا، وتراكم الأتربة على المكاتب، فضلًا عن انقطاع خدمة الإنترنت نتيجة عدم سداد الاشتراكات.
ويؤكد الصحفيون/ات أن عقد إيجار المقر انتهى في مارس الماضي دون وضوح لمصير المكان، وسط مخاوف من إغلاقه بشكل نهائي دون إخطارهم/ن رسميًا، خاصةً وأن الإدارة كانت قد أبلغتهم/ن قبل نحو خمسة أشهر، بنيّتها إغلاق المقر، ونقل محتوياته المتبقية إلى مخزن، إلا أن الواقع الحالي يشير إلى توقّف كامل للنشاط، ليبقى مُغلقًا ومجهول المصير، بعدما تحوّل – وفق وصفهم/ن – إلى مساحة مهجورة، أخذ فيها العناكب والفئران أماكن الصحفيين/ات.
«الفجر» تواجه شبح الإغلاق
في ظل الضغوط الاقتصادية الكبيرة التي تعرّضت لها الجريدة، أبلغت الإدارة نقابة الصحفيين، برغبتها في إغلاق المؤسسة بنهاية 2023؛ حيث يقول الصحفيون/ات، إنها اختارت الطريق الأسهل بالتخلّي عنهم/ن، والتعامل مع الإغلاق كأمر واقع، بدلًا من السعي لإيجاد حلول تضمن استمرار الجريدة، وحماية حقوق العاملين/ات بها، وتدخّلت النقابة بالتوصّل إلى اتفاق مع إحدى كُبرى شركات الإعلام في مصر، بتوقيع عقد رعاية إعلانية، بما يوفّر المصروفات الأساسية للجريدة، ومن ضمنها الرواتب واللوجستيات، والذي كان يبلغ نحو 650 ألف جنيهٍ شهريًا.
وعلى الرغم من استمرار عقد الرعاية لمدة عام تقريبًا، إلا أن الصحفيين/ات لم يتقاضوا رواتبهم/ن خلال ذلك العام بشكل كامل أو منتظم؛ حيث أن الشركة صاحبة عقد الرعاية كانت تُرسل الشيك بشكل منتظم شهريًا، إلا أنه في نهاية العقد تقريبًا تأخّر إرسال المصروفات نحو 3 أشهر، لم يتم صرف الرواتب خلالها، وما إن أرسلت الشركة الشيكات الثلاث، وعكفت الإدارة على صرف راتب شهر واحد فقط للمحررين/ات، ولم يحصل الصحفيون/ات حتى اليوم على بقية مستحقاتهم/ن من تلك الأموال، وعلموا فيما بعد أن إدارة الجريدة سددت بها مديونيات لهيئة التأمينات الاجتماعية، وذلك على الرغم من أنها تتحصّل على قيمة التأمينات شهريًا من العاملين/ات بشكل مُنتظم، حتى انتهى عقد الرعاية الإعلانية، وتوقفت الرواتب بشكل كامل.
الوضع الراهن
وبين مقرٍ مهدد بالإغلاق، ورواتب متوقفة منذ عام، تبدو «الفجر» اليوم أمام مشهد غير مسبوق؛ صحفيون بلا مقر حقيقي يمارسون منه عملهم/ن، وبلا أجور تضمّن الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي، أو كما يصف بعض العاملين/ات الوضع داخل المؤسسة: «صحفيون بلا صحيفة»؛ فحتى اللحظة، لا يزال الغموض يسيطر على مصير الجريدة، في ظل غياب أي رد واضح من الإدارة بشأن مستقبل المؤسسة أو حقوق العاملين/ات بها، وسط حالة من التجاهل التام لهم/ن ولحقوقهم/ن.
ويقول الصحفيون/ات إن المخاوف تتزايد يومًا بعد آخر من إغلاق المقر في أي لحظة، خاصةً بعد انتهاء عقد الإيجار، وتوقف أغلب مظاهر التشغيل داخل المكان، في وقت يشعر فيه العاملون/ات أنهم تُركوا وحدهم/ن في مواجهة مصير مجهول، دون أي ضمانات واضحة لمستقبلهم/ن المهني أو الإنساني.
وفي إطار محاولات حثيثة بذلها الصحفيون/ات، بالتنسيق مع النقابة، تم السعي إلى إيجاد حل يضمن إنقاذ المؤسسة من التدهور، وتفادي توقفها الكامل، وذلك عبر البحث عن طرف قادر على شراء الجريدة، وإعادة هيكلتها ماليًا وإداريًا، بما يحافظ على استمراريتها، وعلى حقوق العاملين/ات، وقد جاءت هذه التحرّكات من مُنطلق رغبة أمينة لدى العاملين/ات في الحفاظ على مؤسستهم/ن الصحفية.
وبحسب تلك الجهود، تم التوصّل إلى رجل أعمال أبدى استعدادًا مبدئيًا لشراء الجريدة، وتعهّد – في حال إتمام الصفقة – بزيادة الأجور، وتحقيق استقرار مهني ومالي للعاملين/ات، بما يضمن استعادة الحد الأدنى من التوازن داخل المؤسسة، وبدأت المفاوضات بشأن التواصل مع مُلاك الأسهم للتنازل في ديسمبر 2025، وبدا الأمر في بدايته مبشّرًا للصحفيين/ات؛ حيث كانت الإدارة تؤكد لهم/ن أنها تعمل بشكل يومي في محاولة للوصول إلى المُلاك الأصليين.
يأتي ذلك في ظل مصير مجهول حول ملكية المؤسسة؛ حيث ادعّت الإدارة أنها قامت ببيع بعض الأسهم لرجال أعمال، منذ 15 عامًا، إلا أن نقابة الصحفيين اكتشفت أنها كانت عقودًا ابتدائية، ولم توثّق في أي جهة حكومية، ودأبت النقابة على مخاطبة مصلحة الشركات والبورصة المصرية، وحصلت على أوراق رسمية تُثبت ملكية المؤسسة، والتي اكتشف الصحفيون/ات بعدها أنها تعود للمُلاك الأصليين، الذين أسسوا الشركة عام 2005، ولم يتم بيع أية أسهم بأوراق رسمية، أو عقود نهائية موثّقة، ما اعتبره العاملون/ات محاولة للتهرّب من المسؤولية.
وكشف الصحفيون/ات عن أن الإدارة أبلغتهم/ن عدم قُدرتها على الوصول إلى المُلاك الأصليين للجريدة، لإتمام البيع، على اعتبار أن بعض تلك الأسهم آلت إلى الورثة، أو بسبب انقطاع التواصل لسنوات طويلة، واستنكر الصحفيون/ات ذلك لأن القانون يُجبر الشركة على عقد جمعية عمومية عادية سنويًا لاعتماد قوائمها المالية، وبالفعل كانوا قد حصلوا على نسخة من الجمعية العمومية العادية التي انعقدت في 2024، خلال محاولات بيع الجريدة لأشخاص آخرين.
مخالفات قانونية
قانون تنظيم الصحافة والإعلام
تُعدّ أزمة صحفيي «الفجر» نموذجًا يعكس إشكالية أعمق، تتعلّق بمدى التزام بعض المؤسسات الصحفية بتطبيق أحكام قانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018، لا سيما المادة (43) منه، التي تُلزم المؤسسات الصحفية بإخطار نقابة الصحفيين ببيانات المتدربين/ات لديها، وخطط تأهيلهم/ن، وتنظم فترة اختبار صلاحيتهم/ن للعمل الصحفي، بما لا يجاوز عامين.
غير أن ما يثير القلق، هو استمرار وجود صحفيين/ات داخل المؤسسة لسنوات طويلة دون تحرير عقود عمل رسمية، أو توفيق أوضاعهم/ن القانونية، فضلًا عن عدم الالتزام بإخطار نقابة الصحفيين بالكشوف الخاصة بأسماء المتدربين/ات وأعدادهم/ن، والتي يُقال إنها تمتد لعشرات الحالات.
ويجد هؤلاء الصحفيون/ات أنفسهم/ن اليوم، أمام أزمة تهدد مستقبلهم/ن المهني، في ظل أوضاع عمل غير مستقرّة، ومخاوف من احتمالات إغلاق المؤسسة، دون معالجة جذرية أو استجابة واضحة من الإدارة لهذه الإشكالات المتراكمة، بما يضع علامات استفهام حول التزام الإدارة الفعلي بالضوابط القانونية المُنظمة للمهنة.
وتنص المادة رقم 43 من قانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018 على الآتي: «تلتزم كل صحيفة قائمة في تاريخ العمل بأحكام هذا القانون، بإرسال كشف معتمد إلى نقابة الصحفيين يحتوي أرقامًا محددة بإجمالي طاقة العمل الفعلية، وبيانات المحررين النقابيين وأرقام عضوياتهم، وبيانات المتدربين حال وجودهم، والخطة الزمنية لتوفيق أوضاع من يثبت كفاءته، على ألا تزيد مدة اختبار الصحيفة لصلاحية المتدرب لممارسة المهنة على عامين، وفي جميع الأحوال، يكون لنقابة الصحفيين الحق في اتخاذ الإجراءات التأديبية حيال رئيس التحرير المخالف لحكم هذه المادة».

قانون العمل
كما خالفت إدارة الجريدة قانون العمل المصري رقم 14 لسنة 2025، بعدم تنفيذ قرارات المجلس القومي للأجور، ومخالفة المادة 104 من قانون 14 لسنة 2025، بعدم تطبيق الحد الأدنى للأجور على العاملين/ات.
وتُعاقب الشركات المخالفة لقرارات المجلس القومي للأجور، بغرامة مالية لا تقل عن 2000 جنيهٍ، ولا تزيد عن 20 ألف جنيهٍ، وتتعدد الغرامة بتعدد العمال الذين وقعت في شأنهم الجريمة، وتضاعف الغرامة في حالة العود، مع إلزام المنشأة برد الفروق المالية للعمال، وذلك فى حال ثبوت عدم التزام صاحب العمل بالحد الأدنى للأجور، فتُلزمه الوزارة بدفع الفروق المالية للعمال بأثر رجعى، وإذا استمر صاحب العمل في المخالفة، تُحال القضية إلى المحكمة العمالية المختصّة، والتي قد تصدر أحكامًا تُلزم المنشأة بالدفع، أو توقيع عقوبات إضافية.
وتدرّجت العقوبات بقانون العمل، حتى وصلت إلى أنه فى حالات المخالفات الجسيمة أو تكرار الانتهاكات، يحق للوزارة اتخاذ إجراءات إدارية تصل إلى إيقاف نشاط المنشأة، أو سحب التراخيص الخاصة بها.



القرارات الوزارية
وألزم القرار الوزاري رقم (15) لسنة 2025 كل منشآت القطاع الخاص، بتطبيق حد أدنى للأجر قدره 7000 جنيه شهريًا، اعتبارًا من 1 مارس 2025.
وأكد الكتاب الدوري رقم 3 لسنة 2025 الصادر عن وزارة العمل بتاريخ 12 فبراير 2025 على:
- الالتزام التام بتطبيق الحد الأدنى دون استثناء.
- عدم جواز أن يقل أجر أي عامل، سواءً بعقد دائم، أو محدد المدة، أو يعمل بنظام «الفريلانسر» في علاقة عمل فعلية، عن الحد المقرر.
- إحالة أي مخالفة مباشرة إلى منظومة الجزاءات في قانون العمل.
بهذا يُصبح تطبيق الحد الأدنى واجبًا قانونيًا لا يخضع للتقدير الإداري أو التفاوض، بل يندرج ضمن الالتزامات الأساسية لأي مؤسسة إعلامية.
الدلالات القانونية:
- عدم تطبيق الحد الأدنى مخالفة لقرار وزاري، وبالتالي يخضع للعقوبات المباشرة الواردة بالمادة 287.
- الغرامة تُحتسب عن كل عامل متضرر.
- استمرار السلوك لفترات ممتدة يُعد «عودًا»، ويُضاعف العقوبات.
- المخالفة ليست نزاعًا إداريًا، بل جريمة عمالية تستوجب مساءلة رسمية.
رئيس التحرير السابق: الصحفيون/ات عملوا وسط مخلّفات القوارض
ونشر الكاتب الصحفي محمد مسعود، رئيس التحرير السابق للنسخة الورقية من جريدة «الفجر»، على فيسبوك، موضحًا أن بداية الأزمة الكُبرى كانت في مارس 2023، أثناء توجهه إلى محافظة الإسكندرية، حين تلقّى اتصالًا هاتفيًا من عادل حمودة، الذي أخبره بأن العدد المُقبل سيكون الأخير من الجريدة، بسبب الخسائر المالية التي «لم تعد تُحتمل»، مشيرًا إلى أنه في ذلك الوقت كانت الكاتبة الصحفية منال لاشين، رئيسة التحرير آنذاك، خارج البلاد، بينما كان هو يتولّى مسؤولية إدارة الجريدة في غيابها بصفته مدير التحرير، مضيفًا أنه اكتفى بالرد على «حمودة» بأنه سينفذ العدد المقبل «ثم تنفذ مشيئة الله».
وأضاف أنه بعد نحو ربع ساعة فقط من انتهاء المكالمة، تلقّى اتصالًا جديدًا من «حمودة» قال له خلاله: «يا محمد.. مش هنقفل، مستمرين»، مُعتبرًا أن قرار الاستمرار لم يكن مطمئنًا بالنسبة له، لأن من يفكر في الإغلاق «سيغلق عاجلًا أو آجلًا».
وأشار «مسعود» إلى أن نقيب الصحفيين خالد البلشي، تدخّل في ذلك الوقت لحل الأزمة، وتم الاتفاق على عقد امتياز إعلاني عبر شركة BOD التابعة للشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، تحصل بموجبه إدارة الجريدة على نحو 650 ألف جنيهٍ شهريًا، مقابل نشر إعلانات في النسخة الورقية والموقع الإلكتروني، بالإضافة إلى إعلان ثابت لصالح بنك البنك التجاري الدولي CIB، عبارة عن ربع صفحة شهريًا، فضلًا عن صفحتين متخصصتين في صحافة البيئة تُنشران مرة كل شهر، مؤكدًا أن هذه الإعلانات كانت تُدر نحو 50 ألف جنيهٍ إضافية.
وتابع أن رحيل منال لاشين عن رئاسة التحرير، جاء بعد بدء تنفيذ عقد BOD بفترة قصيرة، ليتلقّى بعدها اتصالًا من عادل حمودة، يدعوه لاجتماع في منزله بحي مصر الجديدة، حضره مجلس التحرير بالكامل؛ حيث جرى الاتفاق على ملامح تطوير العدد الجديد، وتم تنفيذ التصوّر بالفعل.
وأوضح أنه بعد أسابيع قليلة طلب منه عادل حمودة تشكيل مجلس تحرير جديد، وهو ما تم بالفعل، وأن عادل حمودة عقد اجتماعًا آخر مع أعضاء مجلس التحرير الجديد، ووعد خلاله بتحسين ورفع أجور العاملين/ات، لكنه أكد أن هذا الوعد «لم يتحقق».
وقال محمد مسعود إن مجلس التحرير أصبح مسؤولًا عن إعداد كشوف المرتبات بالميزانية نفسها التي كانت تُدار بها الجريدة في عهد منال لاشين، مضيفًا أنه كان يوقع على كشوف الرواتب بصفته رئيس التحرير التنفيذي، قبل أن يكتشف تدنيّ الأجور بصورة وصفها بـ«المهينة»، موضحًا أن المصحح اللغوي كان يتقاضى 500 جنيهٍ فقط، وأن رواتب نواب ومساعد ومديري التحرير لم تكن تصل إلى 3 آلاف جنيهٍ، بينما كان بعض المحررين/ات يتقاضون 900 جنيهٍ فقط قبل خصم التأمينات، وآخرون يحصلون على 500 جنيهٍ.
وأضاف أن مجلس التحرير حاول تحسين أوضاع العاملين/ات بقدر الإمكان؛ حيث تم رفع الحد الأدنى لبعض الأجور من 500 إلى ألف جنيهٍ، مع زيادة طفيفة لعدد من الصحفيين/ات المتميّزين وفق تقييم الأداء الشهري وكشوف الإنتاج.
ووصف «مسعود» ظروف العمل داخل الجريدة بأنها شديدة القسوة، قائلًا إنه كان يحاول تحقيق مستوى الجودة الذي يطلبه عادل حمودة، بميزانية لا تتجاوز 100 ألف جنيهٍ مُخصصة لجميع العاملين/ات بالنسخة الورقية، مضيفًا أنه سمع عن أوضاع أكثر سوءًا تخص العاملين/ات بالموقع الإلكتروني، لكنه لم يطلع بنفسه على كشوف رواتبهم/ن.
وأشار إلى أنه حاول تطوير الأداء بضخ «دماء جديدة» عبر ترقية عدد من الصحفيين/ات المتميزين لرئاسة الأقسام، مؤكدًا أن الهدف من تلك الترقيات لم يكن فقط تعويض العاملين/ات عن تدنيّ الأجور وعدم انتظامها، بل أيضًا الاستفادة من كفاءاتهم/ن المهنية، لكنه رأى أن ذلك لم يكن كافيًا، فاستعان بعدد من الصحفيين/ات العاملين/ات بالموقع الإلكتروني، بالإضافة إلى الاستعانة بعدد من الكُتاب والصحفيين/ات الذين كانوا يكتبون للجريدة «حبًا فيها ومن دون مقابل»، وعدد من طلاب كليات الإعلام، مشيرًا إلى أن عادل حمودة أبدى غضبه من وجودهم/ن متسائلًا: «مين اللي جايبهم دول؟»، مضيفًا أن هؤلاء الكتاب رفضوا الاستمرار في الكتابة بعد اعتذاره عن العمل.
وأوضح أن الجريدة توقفت للمرة الأولى لمدة ستة أسابيع؛ بسبب تأخّر صرف شيكات الوكالة الإعلانية لمدة ثلاثة أشهر، ما أدّى إلى توقف صرف الرواتب خلال تلك الفترة، مشيرًا إلى أنه بمجرد وصول الشيكات الثلاثة أمر عادل حمودة بالعودة إلى العمل، لكن الإدارة صرفت للعاملين/ات راتب شهر واحد فقط، رغم حصولها على جميع المتأخّرات، قبل أن يعلموا لاحقًا أن الأموال ذهبت لسداد مُستحقات تأمينية متراكمة منذ سنوات، رغم خصم التأمينات شهريًا من العاملين/ات.
وأضاف أن التوقف الثالث للجريدة كان الأطول، وفي كل مرة كان عادل حمودة يُبلغه بنيته إغلاق الجريدة، بينما كان يرد عليه: «إقفلها»، لكنه كان يتوقع أن يتم ذلك «بالأصول» مع حصول العاملين/ات على حقوقهم/ن المالية.
وأشار إلى أنه كان من المفترض إصدار عدد جديد يوم 31 أغسطس 2025، بعدما تلقّى اتصالًا مساء 22 أغسطس للعودة إلى العمل، لكنه هذه المرة سأل عن مستحقات الصحفيين/ات المتأخّرة، موضحًا أن الإدارة عرضت صرف راتب شهر واحد فقط، رغم تأخر أربعة أشهر، فاقترح جدولة المستحقات على عام كامل، بحيث يحصل كل صحفي/ة شهريًا على راتب جديد بالإضافة إلى 25% من راتب قديم، وهو ما وافق عليه عادل حمودة في البداية، قبل أن يعود ويُبلغه بأن الدكتور نصيف قزمان، رئيس مجلس الإدارة، وافق على سداد 10% فقط من المتأخّرات شهريًا، وهو ما يعني – بحسب مسعود – أن سداد المتأخّرات قد يستغرق نحو ثلاث سنوات.
وأكد أنه واجه عادل حمودة بالأموال التي كانت تدخل الجريدة شهريًا، خاصةً في ظل انخفاض تكلفة الطباعة، بعد تقليل عدد النسخ من 10 آلاف إلى 8 آلاف نسخة، متسائلًا عن مصير مئات الآلاف من الجنيهات، ليجيبه حمودة – وفق روايته – بأن المصروفات مرتفعة، وأن «السيرفر الخاص بالموقع يُدفع بالدولار».
وتحدّث «مسعود» عن الأوضاع الإنسانية داخل المؤسسة، قائلًا إنه لم يستطع النوم بعد تلك المكالمة، بعدما تذكر معاناة الصحفيين/ات المُضربين/ات عن العمل، بسبب عدم قدرتهم على تحمّل تكاليف الانتقال أو التواصل مع المصادر، مشيرًا إلى أن أحد الصحفيين/ات بكى أمامه قائلًا إن منزله «لا يوجد به حتى لقمة ناشفة».
وأضاف أن الإدارة رفضت تعيين عامل بوفيه بعد رحيل العاملين/ات السابقين/ات، وتم تكليف عاملة النظافة بإعداد المشروبات إلى جانب عملها الأساسي، كما رفضت إصلاح طابعة A3 كان الصحفيون/ات يستخدمون بدلًا منها أوراق A4 لمراجعة البروفات، ورفضت توفير «سكانر» لتصوير المستندات، أو سكرتير تحرير إضافي، أو التعاقد مع شركة نظافة، رغم انتشار الفئران داخل المقر – على حد وصفه – مؤكدًا أن الإدارة اكتفت بشراء «سم فئران بخمسين جنيهًا»، بينما كان الصحفيون/ات يعملون وسط مخلّفات القوارض، فضلًا عن أنهم/ن لم يجلسوا يومًا على مقاعد مريحة، وأن حتى أقلام الرصاص الخاصة بالإخراج الصحفي كانوا «يتسولونها»، على حد تعبيره.
وكشف «مسعود» أنه لم يحصل على راتبه منذ مايو 2025، رغم صرف راتب يونيو لبقية العاملين/ات، مؤكدًا أنه أُبلغ بأن عادل حمودة طلب عدم صرف راتبه تحديدًا، مضيفًا أنه فوجئ كذلك بتطبيق خصومات على بعض العاملين/ات بعد رحيله، مع إبلاغهم/ن بأن الخصومات تمّت بقراره، وهو ما نفاه تمامًا، مؤكدًا أنه لم يعد مسؤولًا عن كشوف الرواتب في ذلك الوقت.
واختتم شهادته بالتأكيد على أن الأزمة استمرّت لأشهر دون أي تحرّك جاد من الإدارة لحلها، أو بيع الجريدة لمن يستطيع إعادة هيكلتها وتشغيلها من جديد، مُعتبرًا أن هذا الوضع أدّى إلى تفاقم الأزمة «بعد أن نفد الصبر وطفح الكيل»، بحسب وصفه.
نقيب الصحفيين: المرحلة المقبلة ستشهد تحرّكات نقابية وقانونية واسعة
وعلّق الكاتب الصحفي خالد البلشي نقيب الصحفيين على الأزمة، مؤكدًا أن نقابة الصحفيين تحرّكت منذ اللحظة الأولى، في إطار سعيها للحفاظ على حقوق العاملين/ات بالمؤسسة، وضمان استمرار الجريدة.
وأوضح في إحدى المداخلات الهاتفية، أن أزمة «الفجر» ليست وليدة اللحظة، لكنها ممتدة منذ سنوات، وأن النقابة تدخّلت مبكرًا عندما واجهت الجريدة خطر الإغلاق، وعملت على التواصل مع الإدارة، والبحث عن حلول تضمن استمرار المؤسسة، وحماية الصحفيين/ات العاملين/ات بها.
وأشار نقيب الصحفيين إلى أن النقابة شاركت في جهود متعددة لدعم الجريدة، من بينها البحث عن شراكات ودعم إعلاني، إلى جانب فتح قنوات تواصل مع مختلف الأطراف، وأن الصحفيين/ات داخل المؤسسة أبدوا قدرًا كبيرًا من التفاهم والانتماء، وقدّموا تنازلات عديدة، أملًا في الحفاظ على مؤسستهم/ن واستمرارها.
وأكد «البلشي» أن الأزمة دخلت مرحلة أكثر تعقيدًا، بعد توقف الجريدة لفترة طويلة، واستمرار تأخّر الرواتب، موضحًا أن النقابة استنفدت مسارات التفاوض الهادئ، وأن المرحلة المقبلة ستشهد تحرّكات نقابية وقانونية واسعة، للدفاع عن حقوق الصحفيين/ات.
وأضاف أن النقابة سعت للحصول على معلومات رسمية، بشأن ما يتردد حول بيع الجريدة، أو تغيير ملكيتها في السابق، إلا أن الأوراق الرسمية المُتاحة لدى النقابة حتى الآن، تشير إلى عدم حدوث أي تغيير في هيكل الملكية، الأمر الذي يزيد من حالة الغموض بشأن مستقبل المؤسسة.
اللجنة المُكلّفة بالتفاوض: 180 صحفيًا/ة يواجهون مصيرًا مجهولًا
وكشفت ميسون أبو الحسن، رئيس قسم الأخبار ببوابة «الفجر»، وعضو لجنة التفاوض باسم محرري/ات الجريدة، عن تفاصيل الأزمة الحادة التي تعصف بالمؤسسة، مؤكدةً أن ما بين 170 إلى 180 صحفيًا يواجهون مصيرًا مجهولًا، في ظل توقف الرواتب منذ عام كامل، وتعطّل إصدار النسخة الورقية منذ أكتوبر 2025 بسبب التعثّر المالي.
وأوضحت في مداخلة هاتفية، أن الصحفيين/ات ما زالوا يواصلون العمل داخل الموقع الإلكتروني بشكل يومي، رغم عدم حصولهم/ن على أي مستحقات مالية، بدافع الانتماء للمؤسسة والرغبة في استمرارها، ولو استمر العدد الورقي في الطباعة، لاستمر الصحفيون/ات في العمل به أيضًا، رغم عدم تقاضي أي مرتبات، مشيرةً إلى أن الأزمة ألقت بظلالها القاسية على الأوضاع المهنية والإنسانية للعاملين/ات، خاصةً مع اضطرار عدد منهم/ن للعمل في أماكن أخرى، لتوفير احتياجات أسرهم/ن.
وأضافت أن الأزمة تمثّل تهديدًا أكبر للصحفيين/ات غير المُعينين/ات، الذين يعمل بعضهم/ن داخل المؤسسة منذ عام 2016 دون تعيين رسمي، بعدما قضوا سنوات طويلة في العمل داخل الجريدة، ليجدوا أنفسهم/ن الآن أمام شبح ضياع سنوات عمرهم/ن المهني، والبدء من جديد داخل مؤسسات أخرى.
وأكدت أن الصحفيين/ات منحوا الإدارة فرصًا عديدة لحل الأزمة، وكانوا مُنفتحين على كل الحلول الممكنة، إلا أن حالة التسويف وعدم الوضوح، دفعتهم/ن للتقدّم بمذكرة رسمية إلى نقابة الصحفيين، من أجل التدخّل، واتخاذ الإجراءات النقابية والقانونية اللازمة لحماية حقوقهم/ن، وإنقاذ مستقبلهم/ن المهني.
المرصد يتواصل مع إدارة «الفجر»
وفي إطار الالتزام بالمعايير المهنية وأخلاقيات العمل الصحفي، حرص المرصد المصري للصحافة والإعلام على التواصل مع إدارة جريدة الفجر؛ لإتاحة حق الرد، والتعقيب على ما تضمّنه التقرير من وقائع وشهادات تتعلّق بالأوضاع داخل المؤسسة، وقد استجابت إدارة الجريدة بالفعل لطلب التواصل، إلا أنها أبدت رفضها نشر هذا الرد ضمن التقرير.
ويؤكد المرصد المصري للصحافة والإعلام، احترامه الكامل لهذا القرار من الناحيتين، الأخلاقية والقانونية، باعتبار أن حق النشر يظل خاضعًا لرغبة الجهة المعنية، غير أن قيامه بالتواصل مع الإدارة، وإتاحة الفرصة الكاملة للرد، يُسقط عنه أي مسؤولية تتعلّق بعدم عرض وجهة نظر المؤسسة داخل التقرير، التزامًا بمبدأ التوازن المهني، وإعمالًا لحق الرد المكفول في الممارسات الصحفية.



