بروفايل
منى أبو النصر.. حين تتحول الصحافة من مهنةٍ إلى موقف

في زمنٍ تراجعت فيه الثقة وتقدّم “التريند” على الحقيقة، اختارت الصحفية منى أبو النصر أن تنحاز للمعنى، لم تتعامل مع الصحافة كمهنة عابرة، بل كموقف أخلاقي ومعرفي، وكحالة يقظة دائمة تجاه العالم. بين الصحافة والإذاعة، وبين السياسة والثقافة، شقّت طريقًا لم يكن ممهدًا، وصنعت لنفسها صوتًا يُراهن على الصدق والدأب، ويؤمن أن الكلمة الجادة قادرة على البقاء مهما تغيّرت الأزمنة.
لم تكن الطفولة لدى الصحفية منى أبو النصر مجرد مرحلة عابرة، بل كانت تدريبًا مبكرًا على فكرة الرحيل. وُلدت في حي الدقي، لكن طفولتها لم تستقر طويلًا هناك. سافرت إلى قطر في سنواتها الأولى، ودرست في مدرسة مصرية، فبقيت اللغة والهوية حاضرتين، بينما ظلت المسافة الجغرافية تصنع إحساسًا خافتًا داخلها بالاغتراب.
لم تشعر بغربة كاملة، لكنها عرفت مبكرًا معنى أن تكون بعيدًا عن أهلك ووطنك. مجتمع مغلق نسبيًا، حركة محدودة، دوائر اجتماعية ضيقة؛ كلها عوامل ساهمت في تشكيل شخصية تعرف الصبر، وتتقبل فكرة التنقل، وتفهم أن الاستقرار ليس دائمًا خيارًا متاحًا. ربما هناك بدأت علاقتها الأولى بالملاحظة ومراقبة التفاصيل الصغيرة، التقاط الفروق بين مجتمعين، وتكوين حساسية إنسانية تجاه معنى الانتماء.
عادت إلى مصر تحمل هذا التكوين الداخلي، والتحقت بكلية الإعلام بجامعة القاهرة، وتخرجت عام 2004. كانت كلية الإعلام خيارها الأول قرارًا واضحًا لا تردد فيه. المفارقة أنها اختارت قسم الإذاعة والتلفزيون، ولم تكن الصحافة ضمن طموحاتها المباشرة. تخيلت نفسها أمام ميكروفون أو كاميرا، لا خلف صفحة مطبوعة.
لكن المسارات المهنية لا تسير دائمًا وفق التصورات الأولى. منذ السنة الأولى للجامعة، بدأت التدريب في قطاع الأخبار بالإذاعة والتلفزيون. هناك تعرّفت على إيقاع النشرات، وتدربت على لغة العناوين، على دقة المعلومة. وفي الوقت نفسه، أتت فرصة الكتابة في مجلات متعددة. لم تكن خطوة مخططة، لكنها كانت كاشفة. اكتشفت أنها تحب الكتابة، تحب أن تصوغ الفكرة، أن تعيد ترتيب الواقع في جملة محكمة. هكذا بدأت الصحافة تتسلل إلى مشروعها المهني دون إعلان.
تروي أن أول من تأثرت به هو والدها وفيق أبو النصر، المذيع بإذاعة البرنامج العام، وأشهر برامجه “خماسيات” وهو من أبرز برامج البرنامج العام، تقول: منه اقتربت من فكرة الكتابة والتقديم والدأب.
عام تخرجها نفسه شهد انطلاق جريدة المصري اليوم، كأحد المشاريع الصحفية الخاصة التي سعت لتقديم نموذج مهني مختلف. التحقت بها متدربة، وكان في استقبالها الكاتب الصحفي أنور الهواري. لم تكن البداية سهلة، فالصحافة اليومية مدرسة قاسية، تتطلب سرعة، ودقة، وتحملًا للضغط. لكنها أثبتت حضورها تدريجيًا، وانتقلت بين أقسام متعددة، من التحقيقات إلى الصحافة البرلمانية، لتتعلم طبيعة العمل الميداني، وتختبر العلاقة المعقدة بين الصحافة والسياسة.
في تلك المرحلة، كانت ترى الصحافة بوصفها مساحة تأثير مباشر، أداة قادرة على كشف المسكوت عنه. تعرّفت إلى أهمية المصدر، وإلى صعوبة الوصول إليه أحيانًا. تعلمت أن الالتزام بالمواعيد ليس ترفًا، وأن المهنية لا ترتبط فقط بجودة النص، بل أيضًا بطريقة إدارة العلاقة مع الآخرين.
بالتوازي، عملت محررة في قناة النيل للأخبار لمدة ثلاث سنوات. هناك توسعت خبرتها لتشمل إعداد الأخبار للنشرات، وصياغة التقارير، والعمل ضمن فريق بث مباشر. العمل التلفزيوني منحها مهارة السرعة والاختصار، وأكد لها أن كل وسيط إعلامي يفرض منطقه الخاص. النص الإذاعي ليس النص الصحفي، والصورة لها لغتها التي لا تُكتب.
ثم جاءت محطة مفصلية بالالتحاق بهيئة الإذاعة البريطانية، بعد اجتياز اختبار صعب. لم يكن الأمر مجرد انتقال وظيفي، بل انتقال في المعايير. هناك واجهت منظومة صارمة في الدقة والتحقق والالتزام المهني. أصبحت صحفية إذاعية، ووجدت نفسها تحقق معادلة طالما بدت متباعدة فهي تمارس الصحافة، وفي الوقت نفسه تعمل في الإذاعة، تخصصها الأكاديمي.
لكن التحول الأعمق كان عام 2009، مع انطلاق جريدة الشروق، التحقت بها في بدايات تأسيسها. هنا اتخذت قرارًا واعيًا بالابتعاد عن صحافة السياسة، والتوجه إلى قسم الثقافة. كان هذا القرار أشبه بعودة إلى الذات. شعرت أن الثقافة تمنحها مساحة أعمق للتأمل، للحوار، للتفكير بعيدًا عن ضجيج اليومي السياسي.
بدأت رحلتها في الصحافة الثقافية من بوابة متابعة الصحافة الأجنبية وإجراء الحوارات. كانت ترى في الحوار مساحة كشف، لا مجرد أسئلة وأجوبة. أجرت لقاءات مع أسماء بارزة مثل رضوى عاشور، سحر الموجي، جلال أمين، أهداف سويف، منصور عز الدين، وإبراهيم نصر الله. لم تكن الحوارات مجرد مواد للنشر، بل كانت خبرة إنسانية، احتكاكًا مباشرًا مع عقول وأصوات صنعت جزءًا من المشهد الثقافي العربي.
رغم المكانة الفكرية والأدبية الكبيرة لكلٍّ من رضوى عاشور وجلال أمين، فإن ما لفت انتباهها في لقائهما لم يكن فقط عمق الرؤية واتساع المعرفة، بل تواضعهما الإنساني اللافت. كلاهما تعامل ببساطة واحترام حقيقي، بعيدًا عن أي مسافة متعالية قد تفرضها القامة أو التاريخ. هذا الدرس ظل راسخًا في ذاكرتها: أن القيمة الحقيقية لا تحتاج إلى استعراض.
أما سحر الموجي، فوصفتها بأنها من أرقّ وألطف الشخصيات التي التقت بها. شعرت بفخر أن تناقشها في كتابها، وهي لحظة اعتزت بها كثيرًا؛ لم تكن مجرد مناقشة نقدية، بل دعمًا معنويًا عميقًا. لذلك اعتبرتها قدوتها الحقيقية، إنسانيًا ومهنيًا.
انتقلت لاحقًا إلى جريدة الشرق الأوسط كمحررة فن وثقافة، مؤكدة انحيازها النهائي لهذا المجال. لكنها لم تكتف بالممارسة العملية. شعرت أن الانتماء الحقيقي للثقافة يتطلب معرفة أعمق، فدرست في معهد النقد الفني لمدة عامين، وحصلت على دبلومة في النقد الفني. كانت خطوة واعية لتأسيس خطاب نقدي يستند إلى أدوات علمية، لا إلى انطباعات عابرة.
في تجربتها، لا تتحدث عن ندم على مادة صحفية نُشرت باسمها. قد تندم على مواقف، لكنها ترى في تلك المواقف دروسًا. تعلمت أن المصدر قد لا يكون متعاونًا، وأن الوصول إلى المعلومة قد يكون معركة صامتة. تعلمت أن الاجتهاد هو الضمان الوحيد حين لا يكون الطريق ممهدًا.
ترى أن الصحافة قادرة على التغيير، خصوصًا مع توافر أدوات رقمية جديدة توسّع نطاق الوصول والتأثير. لكنها في الوقت نفسه تنتقد انسياق بعض وسائل الإعلام وراء “التريند”، على حساب المعايير المهنية. تعتبر أن أزمة المصداقية ليست محلية فقط، بل عالمية، وأن الحل يبدأ بالعودة إلى الاستثمار في القصص الجادة، وإعادة الاعتبار لقيمة العمل الصحفي المتقن.
تتحدث أيضًا عن الوجه الآخر للمهنة وهو الاستنزاف. الصحفي لا يملك رفاهية الإجازة. فهو يمشي في الشارع وعينه تلتقط فكرة، أو مشهدًا، أو عنوانًا محتملًا. يعيش في يقظة دائمة، قد تحرمه أحيانًا من سلام داخلي كامل. كما أن الكتابة المناسباتية المرتبطة بالأحداث الموسمية قد تتحول إلى عبء نفسي، خاصة حين تزاحم مشاريع شخصية ترغب في إنجازها، حسب ما وصفت.
خاضت تجربة النشر بكتابها النقدي «الحالة السردية للوردة المسحورة»، الصادر العام الماضي. لم تتوقع له صدى واسعًا، لأنه ليس عملًا روائيًا جماهيريًا، بل دراسة نقدية. لكنها فوجئت بحفاوة التلقي. شعرت أن الجهد الطويل في القراءة والبحث لم يذهب سدى.
الارتباط بالصحافة، كما تقول، يخلق صعوبة في إيجاد وقت كافٍ للمشاريع الشخصية، خاصة الكتابة الطويلة التي تحتاج إلى عزلة وتركيز. ومع ذلك، اختارت أن تعمل كصحفية مستقلة (Freelance)، قرارًا كان له أثر مادي واضح، لكنه منحها استقلالية مهنية أوسع.
تؤكد أن كونها امرأة لم يكن عائقًا في مسيرتها، ولم تشعر بتمييز مباشر. ربما لأن حضورها المهني كان قائمًا على الكفاءة أولًا.
إلى جانب عملها الصحفي، تشارك الدكتورة لانا عبد الرحمن في تقديم نادي كتاب شهري بأحد المراكز الثقافية، تستضيفان خلاله عددًا من الكتّاب في مساحة حوار مفتوحة. كما تتولى رئاسة تحرير بودكاست «محكى شهرزاد»، المتخصص في المحتوى الثقافي والأدبي، وتستعد لإطلاق مجلة دورية باسم «شهرزاد» تُعنى بأصوات النساء في الأدب العالمي، في محاولة لإضافة مساحة جديدة إلى الصحافة الثقافية العربية.



