بروفايل

هويدا عبد الوهاب.. خمسة وعشرون عامًا من الصحافة بين الوعي وصناعة الرأي

على مدار خمسة وعشرين عامًا، لم تكن الصحافة عند هويدا عبدالوهاب مجرد مهنة تمارسها، بل مسار حياة تشكّل مع وعيها وتعمّق مع تجاربها، واتسع مع أسفارها، بدأت رحلتها باحثة عن المعنى، فصارت واحدة من الأصوات الصحفية التي جمعت بين الثقافة والسياسة والإنسانية.
وُلدت هويدا عبدالوهاب في القاهرة، المدينة التي لا تمنح أبناءها مجرد مكان للعيش بل تضعهم منذ الطفولة في قلب التنوع والجدل والحركة، نشأتها في العاصمة شكّلت وعيًا مختلفًا إذ أتاحت لها منذ سنواتها الأولى الاحتكاك بثقافات متعددة ومتابعة الشأن العام عن قرب ورؤية المجتمع بتناقضاته وأسئلته المفتوحة.
داخل هذا الفضاء، لعبت الأسرة دورًا محوريًا في تكوين شخصيتها حين شجعتها أسرتها مبكرًا على القراءة والاطلاع، فصارت الكتب نافذتها الأولى على العالم من خلال المكتبات ودور النشر والمعارض الثقافية، تصف تلك الأماكن بأنها مساحات شكّلت وعيها وأسهمت في بناء شخصيتها النقدية.
هذا المزيج بين دعم الأسرة وثراء البيئة الثقافية في القاهرة منحها قدرة مبكرة على التفكير المستقل وتقبل الاختلاف، والاقتراب من القضايا العامة بوعي وعمق، وهو ما سيظهر لاحقًا بوضوح في اختياراتها المهنية ومسارها الصحفي.
التحقت هويدا بكلية الآداب قسم علم الاجتماع بجامعة عين شمس، وهو اختيار يعكس ميلها المبكر لفهم المجتمع وتحليل الظواهر الإنسانية، وخلال سنوات الدراسة لم تكن طالبة تقليدية فشاركت في العمل العام، وانتُخبت عضوًا في اتحاد الطلاب، وانخرطت في الأنشطة الثقافية والفنية، وقضت ساعات طويلة داخل مكتبة الجامعة وأمضت فيها أوقت تصفها بأنها “لا تُنسى”.
كانت حاضرة في الندوات داخل الجامعة وخارجها تتنقل بين الفعاليات الثقافية، وتتابع ما يُطرح من أسئلة فكرية وسياسية، في الوقت ذاته، كان شغفها بالفن والإعلام حاضرًا بقوة فحرصت على حضور عروض السينما والمسرح والمهرجانات وتابعت نجوم الفن والإعلام، لتتكون لديها قناعة بأن الصحافة هي المساحة التي تلتقي فيها كل هذه الاهتمامات.
لم تشعر يومًا أن الصحافة مهنة اختارتها فجأة، بل كانت قدرًا تراكميًا بدأ قبل أن تنتهي من دراستها الجامعية، حين التحقت بالعمل الصحفي وهي في عامها الجامعي الثاني، لتكتشف سريعًا أن هذا الطريق هو الامتداد الطبيعي لميولها واهتماماتها.
كانت أولى خطواتها العملية في عامها الجامعي الثاني بعدما التحقت بمجلة المجتمع العربي، وهي مجلة مصرية سعودية تعرّفت عليها من خلال إعلان في إحدى الصحف، وتتذكر أنها اختارت أن يكون أول حوار صحفي لها مع الفنان القدير محمود يس، ثم الفنان هشام سليم، ونُشر الحواران في العدد ذاته، لتكون تلك اللحظة بمثابة إعلان مبكر عن موهبة صحفية قادمة بقوة، رغم صغر سنها آنذاك.
تميزت تلك المرحلة بعلاقة خاصة مع المصادر فلم تكن مجرد علاقات عمل، بل صداقات قائمة على الاحترام المتبادل، وهو ما منحها ثقة مبكرة في نفسها، ورسخ إحساسها بأن الصحافة هي المهنة التي تناسبها فعلًا.
شكّلت تجربتها مع مجلة فيديو 2000 اللبنانية لناشرها المنتج صفوت غطاس محطة فارقة في حياتها المهنية، هناك، التقت بالصحفي اللبناني حاتم خوري ومساعدته مارلين، اللذان أصقلا موهبتها، وفتحا لها المجال للتعلم والتجربة لتثبت ذاتها.
رغم أنها كانت في بداية العشرينات من عمرها، استطاعت أن تصبح مديرة مكتب القاهرة لمجلة “مجلتي” بعد إغلاق مكتب فيديو 2000 في مصر وهي تجربة نادرة في هذا العمر، المجلة الجديدة، بطابعها المتنوع، فتحت أمامها أبوابًا أوسع للتحقيقات الصحفية، بعدما حُصرت في قسم الفن فقط في تجربتها السابقة، كما أتاح لها ناشر المجلة عماد حقي نشر مقالات سياسية في مجلة (السياسة الدولية) الصادرة من لندن، فكتبت مقالات ورؤى سياسية واقتصادية إلى جانب الكتابة الفنية، لتبدأ ملامح تحولها نحو الشؤون العربية والدولية.
رغم انبهارها في البدايات بالوسط الفني ونجومه الكبار مثل نور الشريف، ومحمود يس، وهشام سليم، اكتشفت تدريجيًا أن اهتماماتها أعمق من الفن وحده فبحثت عن الأسئلة الكبرى التي تشكّل الوجود الإنساني، فوجدت ضالتها في السياسة العربية والدولية.
تقول: تأثرت بالسفير السورى فى القاهرة آنذاك المفكر عيسى درويش وزوجته السيدة فضيلة لأنهم شجعونى على أن أكتب وأتفوق وأجري حوارات مع شخصيات سياسية ودبلوماسية عربية، ولا أنسى أبدًا الصحفية والكاتبة السورية الكبيرة هدى الزين، صاحبة رواية “غابة الشوك” التي تحولت فيما بعد إلى فيلم “الباحثات عن الحرية”، ورغم فارق السن الكبير بيننا إلا أنها أضافت لي في حياتى الإنسانية والمهنية بخبراتها وعلاقاتها، فكانت ترشحنى دائمًا لمراسلة مجلات فى باريس وصقلت موهبتي بخبراتها الصحفية والإنسانية.
جاء التحول الحاسم مع مشاركاتها في المؤتمرات الدولية وتنقلاتها الميدانية، لا تنسى أول مؤتمر تحضره في تونس حول حوار الحضارات بين العرب والدول اللاتينية بدعوة من منظمة الألسكو، التجربة التي فتحت أمامها العالم على اتساعه، لتشارك بعدها في المؤتمر الاقتصادي العالمي الذي عُقد في مصر في التسعينيات، وتعرفت على جنسيات وثقافات متعددة، لتتأكد أن الصحافة ليست حبيسة الشأن المحلي، بل جسر لاكتشاف العالم.
في عام 2002، عقب تحرير الجنوب اللبناني، زارت هويدا لبنان وكانت تلك التجربة نقطة تحول فكرية حقيقية، رأت مشاهد الفرح بالنصر، وواجهت في الوقت نفسه آثار الدمار الممتدة من بيروت إلى مدن الجنوب، فتقول: شهدت عن قرب معتقل الخيام، واطلعت على أساليب التعذيب، وزرت بوابة فاطمة، وشاهدت الحدود الفلسطينية، هناك، تغيّر وعيي القومي والسياسي، وتعمّقت رؤيتي للصراع العربي الإسـ ـرائيلي، واقتنعت بأن الأطماع لا تتوقف عند فلسـ ـطين وحدها، بل تمتد إلى العالم العربي بأسره، أدركت حينها أن الصحافة ليست مجرد نقل خبر، بل مسؤولية فهم وتحليل ونقل صوت الناس بصدق ووعي.
عملت هويدا عبدالوهاب في عدد كبير من الصحف والمجلات العربية، من بينها السياسة الكويتية، العالم اليوم، المجلة، ومجلات وصحف خليجية شهيرة، كما شاركت في إعداد برامج تلفزيونية، منها النيل يعانق الأشقاء بقناة النيل للأخبار، ومساء الخير بالقناة الأولى، وبرنامج ورقة من التاريخ بقناة النيل التعليمية.
غطّت معظم القمم العربية في دول مختلفة، واكتسبت خبرة واسعة في التعامل مع الملفات الإقليمية، مستفيدة من احتكاكها المباشر بالسفراء والوزراء والدبلوماسيين.
تقول: تعاملت خلال مسيرتي المهنية مع قامات صحفية كبرى كان في مقدمتها رائد المهنة الكاتب الصحفي الكبير الراحل مكرم محمد أحمد، الذي مثّل بالنسبة لي نموذجًا نادرًا للصحفي الحقيقي، إنسانًا ومهنيًا، ما كان يميزه هو بساطته الشديدة وتواضعه اللافت؛ كان يحضر المؤتمرات معنا ويجلس بين الصحفيين، يدون ملاحظاته بقلم وورقة، دون أي مظاهر استعلاء أو تمييز رغم قيمته الكبيرة.
تؤكد، أن نقيب الصحفيين الأسبق شارك في مؤتمرات جامعة الدول العربية ولم يكن يبحث عن سيارة خاصة أو معاملة استثنائية، بل كان يتعامل باعتباره صحفيًا يؤدي واجبه مثل الجميع، تروي: ما زلت أذكر أحاديثه معنا، وذكرياته التي كان يرويها عن القمم العربية السابقة، وكيف كان يربط بين الماضي والحاضر بوعي عميق وخبرة واسعة، تعلمت منه أن الصحافة ليست منصبًا ولا وجاهة، بل مسؤولية ومعرفة وتواضع أمام الحدث والتاريخ.
مع التحاقها بمجلة الإذاعة والتلفزيون، اكتسبت تجربتها بعدًا مصريًا واضحًا، بعد أن تشكّلت مهنيًا على المدرسة اللبنانية والسورية تعلّمت هناك كيفية صناعة تقرير صحفي متكامل من أخبار متفرقة، وصياغة عناوين جذابة دون الإخلال بالمضمون.
كان للكاتب الصحفي الراحل ياسر رزق دور بارز في مسيرتها، حين أتاح لها بابًا أسبوعيًا ثابتًا حتى يومنا هذا بعنوان (بلاد العرب) تناقش فيه القضايا المعاصرة في مصر والعالم، إلى جانب عمود صحفي يحمل اسم “نحو الحرية” خلال فترة رئاسته لتحرير المجلة.
لم تكتفِ هويدا عبد الوهاب بنشر مقالاتها في مجلة الإذاعة والتلفزيون فقط، فمجلة “كل العرب” التي تصدر في باريس، يلمع فيها اسمها في مقال ثابت بعنوان “من هنا وهناك”.
تذكر أقوى الحوارات الصحفية التي أجرتها على مدار ربع قرن فتقول: حاورت الرئيس الفلسطيني محمود عباس خلال حضوري إحدى القمم العربية في قطر، والرئيس السودانى السابق عمر البشير والصادق المهدى رئيس وزراء السودان الأسبق، ورئيس حزب الأمة فى السودان وأجريت حواران مع الرئيس الليبي السابق معمر القذافى وبشار الأسد أثناء حضوري القمم العربية في طرابلس ودمشق.
في بداياتها، شعرت أن كونها امرأة كان عنصر دعم، خاصة مع وجود نماذج نسائية ملهمة مثل الصحفية الكبيرة سكينة فؤاد، إلا أنها ترى أن وضع المرأة في الصحافة اليوم أصبح أكثر صعوبة، في ظل تراجع التقدير ومحاربة الطموحات والتمييز.
تتعامل مع هذه التحولات بوعي نقدي، مدافعة عن حق المرأة في الحضور والتأثير، ورافضة اختزال دورها أو تهميشه.
تؤمن هويدا عبدالوهاب بأن الصحافة قادرة على إحداث تغيير حقيقي في المجتمع، خاصة الصحافة الرسمية المعتمدة، في مواجهة سيل الشائعات على وسائل التواصل الاجتماعي، وتؤكد دائمًا على أهمية التحقق من المعلومات، والاعتماد على المصادر الموثوقة.
وترى أن الصحافة هي حلقة الوصل بين الشعوب والحكومات، وتنادي بعودة الصحافة الورقية إلى مكانتها، رغم الإهمال والتحديات، وسيطرة العلاقات والوساطة على المشهد الإعلامي.
أصدرت كتابها الأول تحت عنوان: “الوطن العربى بين الوحدة والتفكك.. قراءة في فشل مشروع التكامل ودور جامعة الدول العربيه”، ضم في أوراقه حصيلة مختصرة من عملها في الشؤون العربية والدولية على مدار خمسة وعشرين عامًا، وتعمل حاليًا على إعداد كتاب جديد يوثّق رحلتها حول العالم، لأنها ترى السفر مصدر إلهام ورؤية مختلفة، وتجربة تثري الصحفي إنسانيًا ومهنيًا.
بعد ربع قرن في المهنة، لا تندم هويدا عبد الوهاب، نائب رئيس تحرير مجلة الإذاعة والتلفزيون، على موضوع صحفي كتبته وتظل مقتنعة بأن الصحافة رغم كل ما تواجهه، ستظل فعل واعي ورسالة لا تموت.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى