بروفايل
هيثم البرعي.. من قلب الصعيد إلى صحافة الحوادث والبودكاست

من جذوره الصعيدية الصلبة، وحكايات القبيلة والعزوة، خرج هيثم البرعي حاملاً شغفًا بصحافة الحوادث، ذلك النوع القاسي من الصحافة الذي يضع الصحفي وجهًا لوجه أمام الحقيقة المجردة، لم تكن الحوادث بالنسبة له مجرد أخبار، بل اختبار دائم للضمير والإنسانية.
وُلد هيثم البرعي عام 1988 في مدينة الرياض بالمملكة العربية السعودية، حيث كانت تقيم أسرته بالكامل قبل أن تعود العائلة إلى جذورها في قرية برخيل، مركز البلينا بمحافظة سوهاج عام 1996.
لم تكن تلك العودة مجرد انتقال جغرافي بل كانت عودة واعية للجذور، وإعادة تأسيس للهوية داخل بيئة تحمل قيم الصعيد الأصيلة، حسبما وصف.
عندما عادت الأسرة إلى الصعيد، اكتشف هيثم تشابهًا غير متوقع بين بيئة السعودية وبيئة الصعيد، من حيث الترابط الأسري، واحترام الكبير، وحضور القيم الدينية والأخلاقية في تفاصيل الحياة اليومية، أدرك أنه لم يعد فردًا معزولًا، بل جزء من عائلة كبيرة وقبيلة ممتدة، تحكمها قيم الود والتراحم.
ينتمي البرعي إلى قبيلة هوارة، إحدى القبائل العربية ذات الامتداد التاريخي والنفوذ الاجتماعي في صعيد مصر، داخل هذا الإطار القبلي، نشأ على مفاهيم العزوة، والانتماء، واحترام الكلمة، وهي قيم ستنعكس لاحقًا على اختياراته المهنية وطريقة تعامله مع مصادره وقصصه الصحفية.
ينتمي هيثم إلى عائلة لها باع طويل في العمل السياسي؛ فوالده وعمه كان لهما دور بارز في الاتحاد الاشتراكي ثم الحزب الوطني لاحقًا، تلك التجربة السياسية، التي عاش تفاصيلها طفلًا منحته وعيًا مبكرًا بأن السياسة ليست فقط انتخابات أو مناصب، بل فن إدارة العلاقات والتعامل مع الناس.
أما الأم، فتمثل نموذجًا ملهمًا في حياة هيثم البرعي فيصف أنها من أوائل السيدات اللاتي تعلمن في القرية، وأصرت على استكمال تعليمها حتى تخرجت في جامعة الأزهر، وعملت معلمة للمواد الفقهية حتى خروجها إلى المعاش.
يقول: كان لأمي الدور الأعمق في تشكيل وعيي ودعمي نفسيًا ومعنويًا وغرس قيمة العلم والالتزام داخلي.
عمل الأب في مجال العقارات وكان قريبًا من العمل السياسي من خلال شقيقه، ما أتاح لهيثم فرصة نادرة لمراقبة تداخل الاقتصاد والسياسة والمجتمع منذ الصغر والتعلم بالمشاهدة قبل التجربة.
التحق هيثم بكلية الآداب قسم الإعلام بجامعة سوهاج، وتخرج عام 2009، لم يكن اختياره للإعلام مخططًا له بدقة فقد كان حلمه الأول الالتحاق بكلية الشرطة، بينما جاء الإعلام كخيار ثان لكنه سرعان ما تحوّل إلى مسار حياة.
منذ اليوم الأول في الجامعة، أدرك الفجوة بين الدراسة الأكاديمية والواقع العملي، لكنه كان مؤمنًا بأن الخبرة الحقيقية تُكتسب بالاحتكاك بالمصادر، والنزول إلى الميدان، ومواجهة الواقع بلا وسائط.
بعد إنهاء الخدمة العسكرية، بدأ هيثم مشواره المهني في فبراير 2012، مع جريدة “الوطن” في فجر تأسيسها، كان حاضرًا في العدد صفر والأعداد التجريبية التي سبقت الانطلاقة بدعم من الصحفي مختار معتمد، مدير تحرير جريدة الجمهورية، الذي فتح له الباب الأول لدخول المؤسسة.
لم يكن يدرك أن الأيام الأولى ستحمل له اختبارًا قاسيًا سيظل محفورًا في ذاكرته، فعاش ساعات غيّرت كل شيء في ثالث يوم عمل له داخل جريدة الوطن، كُلف بتغطية واقعة مقتل سيدة على يد جارها الطفل يوم الجمعة 20 أبريل 2012، وبعد انتهاء مهمته الصحفية وأثناء عودته، استقل سيارة “ميكروباص” ظن أنها متجه إلى رمسيس، ليكتشف فجأة أنه يسير على طريق مصر الإسماعيلية الصحراوي.
رُفعت الأسلحة في وجهه، ودخل في صراع عنيف للدفاع عن نفسه أمام 3 مجرمين قبل أن يُلقى به أسفل نفق العبور بعدما سُرق، لاحقًا، وأثناء تحرير المحضر فوجئ بالمتهمين أنفسهم يدخلون قسم الشرطة وبحوزتهم المسروقات وأقراص مخدرة أخفوها داخل طيات ملابسهم.
يقول: علمت أنهم تعرضوا لحادث مرور على بعد أمتار قليلة من نفق العبور الذي ألقوني أسفله، وتابعت القضية حتى انتها بالحكم عليهم بالسجن المشدد سبع سنوات، كانت تلك الواقعة نقطة فاصلة إما الانسحاب أو الاستمرار بشغف أكبر.
زادته التجربة إصرارًا، خاصة مع كلمات علاء الغطريفي، مدير تحرير جريدة “الوطن” آنذاك، حين نصحه بالعمل في قسم الحوادث والقضايا، ومن هنا، دخل عالم المحاكم والجريمة.
كان أول تدريب له في تغطية محاكمة المتهمين في “موقعة الجمل”، يقول إنه جلس مذهولًا في أولى الجلسات بعدما شاهد صفوت الشريف وفتحي سرور بملابس السجن البيضاء خلف القضبان وأمامهم عدد هائل من المحامين الذين حضروا للدفاع عنهم، هنا تعلم الدرس الأهم حسبما قال: لا تنبهر، ولا تنخدع، فكل من يقف أمام العدالة متساوٍ، مهما كان اسمه أو منصبه، فمن كانوا ملئ الأعين على شاشات التلفاز شاهدتهم بعيني داخل السجن.
غَطّى لاحقًا محاكمات علاء وجمال مبارك، ومحاكمة الرئيس الأسبق محمد مرسي وقيادات الإخوان، لتصبح الفترة من 2012 إلى 2022 عقدًا كاملًا من الزخم المهني والتراكم المعرفي.
تأثر هيثم بقيادات صحفية وإعلامية بارزة؛ من بينهم مجدي الجلاد، الذي يرى أن العمل تحت قيادته شهادة نجاح، وراندا أبو العزم، مديرة مكتب قناة العربية بالقاهرة، التي علمته خطورة الكلمة في البث المباشر وحمّلته مسؤوليتها، وماجد يحيى، الذي دفعه للوقوف أمام الكاميرا بثقة في منصة “دقائق”.
داخل المحكمة تجسد الدراما الإنسانية بأقصى صورها، من أكثر المواقف رسوخًا في ذاكرته، جلسة الحكم على المتهمين بحرق ملهى “الصياد” في العجوزة، الذي راح ضحيته 17 شخصًا بعد مشاجرة بين 4 أشخاص تزعمهم شاب يدعى “المجنون” وأفراد الحراسة التابعين للملهى.
يصف: المتهمون ألقوا موادًا حارقة على الملهى انتقامًا لمنعهم من الدخول، الأمر الذي أسفر عن وفاة 17 شخصًا من رواد الملهى بسبب حالات الاختناق والحروق، في آخر الجلسات كانت عيون المتهمين مليئة بالأمل في تخفيف الحكم.. توقف الزمن عند نظرة أحد المتهمين، “حماصة” لي، فسبق أن أجريت معه حوارًا داخل محبسه، تحدث فيه عن حبيبته وعشقه للنادي الأهلي.. وحين نطق القاضي حكم الإعدام، التقت عيوننا، وبقيت النظرة شاهدة على هشاشة الإنسان أمام مصيره.
لا ينسى أول مرة أجرى فيها حوارًا صحفيًا مع متهمين، ففي عام 2014 داخل قسم شرطة بولاق الدكرور واجه متهمين يملأون عبوات علاج مرض السرطان بمواد مغشوشة، في واحدة من أبشع الجرائم ضد الإنسانية حسبما قال.
من بين المتهمين الذي أجرى معهم حوارات صحفية داخل محبسهم، جريمة قتل أب على يد ابنه متعاطي المخدرات في عزبة الهجانة بمدينة نصر عام 2014، حيث واجه شابًا بلا ندم، ساخطًا على أبيه حتى بعد قتله، هنا، شعر هيثم بتداخل الدور الإنساني مع المهني دون أن يتخلى عن الحياد فقرر نصح الشاب وأخبره بأنه أزهق روح والده عن عمد إلا أنه اصطدم بقلب مثل الحجارة أو أشد قسوة.
في أكتوبر 2012، غطى حادث غرق “مركب المعلم” الذي كان يقل 28 شخصًا، وأسفر عن وفاة 21، بسبب اصطدام سائق المركب بقاعدة كوبري قصر النيل، وعندما حاول الركاب إنقاذ أنفسهم رفض ليحصل “أجرة المركب”، الأمر الذي تسبب في وفاة أسرة كاملة لم ينج منها سوى الأم.
يوضح: لن أنسى الطفل “فارس” الذي راحت أسرته بالكامل ماعدا والدته، ولم يُعثر على جثمانه إلا بعد 10 أيام كاملة وجرى انتشاله من منشية القناطر، كتبت حينذاك مانشيتًا مؤلمًا للقصة: مركب المعلم.. رحلة ليلية إلى قاع النيل بـ28 راكبًا.
كما عايش في عام 2021 حادث “ميكروباص الساحل”، الذي تحول إلى اختبار حقيقي لأخلاقيات الصحافة في عصر التريند، بعد بلاغ خاطئ أشعل متابعة استمرت 12 ساعة بلا واقعة حقيقية، فالمبلغ عن الواقعة اشتبه في سقوط ميكروباص داخل أعماق النيل، وهنا انتشرت الشائعات بغرق 14 راكبًا في ظروف مأساوية، حتى أصدرت النيابة العامة ووزارة الداخلية بيانات أكدتا فيها أن الأمر لم يكن سوى “غطاء سيارة” سقط في النيل.
عام 2022، قرر التوقف مؤقتًا عن صحافة الحوادث، لإعادة ترتيب أوراقه ومواكبة سوق العمل، فاتجه إلى صحافة الفيديو، ثم بودكاست “أوراق القضية”، حيث قدم محتوى يلخص الجرائم في دقيقة واحدة بلهجته الصعيدية في منصة “دقائق”، قبل الانتقال إلى حوارات معمقة مع قضاة سابقين وخبراء أمنيين في البودكاست.
استضاف محامين، وأطباء شرعيين، وضباط، وصحفيين، مع الحرص على تقديم رسالة توعوية في نهاية كل حلقة، لأنه يؤمن أن دوره ليس مجرد سرد للجريمة.
عمل هيثم البرعي مع مؤسسات إعلامية دولية كبرى، من بينها قناة العربية، ووكالة رويترز، وبلومبرج، ورغم كل ما حققه، يؤكد أنه لا يزال يتعلم، ويخوض تجارب جديدة.
يؤمن هيثم البرعي أن الصحفي الحقيقي مرآة للحقيقة وضمير للمجتمع، لا يسعى وراء التريند أو المشاهدات، بل يتحرى الدقة، ولا ينخدع ببريق اللحظة، فالمعلومة مسؤولية، والكلمة أمانة، والحقيقة لا تحتمل التزييف.



