اللجنة الحكومية لتطوير الإعلام.. متى بدأت وإلى أين وصلت؟

لقراءة التقرير كاملًا: اللجنة الحكومية لتطوير الإعلام.. متى بدأت وإلى أين وصلت؟
تمر الصحافة المصرية اليوم بمرحلة حرجة، تتقاطع فيها قيود متزايدة على حرية التعبير مع مناخ عام غير ملائم للعمل الإعلامي، ما أضعف قدرتها على أداء دورها الوطني في مراقبة السلطة، وأفقدها جانبًا معتبرًا من تأثيرها في تشكيل الرأي العام. فعلى الرغم من المطالبات المتكررة بضرورة الإصلاح، والمبادرات والتوصيات التي صاغتها الجماعة الصحفية، في المؤتمر العام السادس لنقابة الصحفيين ومخرجات الحوار الوطني المتعلقة بالملف الإعلامي، ظلت هذه الجهود حبيسة الأدراج، دون أن تجد طريقها إلى التنفيذ، في ظل غياب إرادة سياسية واضحة لفتح المجال العام وتطوير بيئة العمل الصحفي.
في تقرير أعدته الصحفية منى عبيد، رصد التناقض بين الخطاب الرسمي حول تطوير الإعلام، والواقع الذي يشهد مزيدًا من القيود على الصحافة في مصر. من لجان حكومية بلا شفافية، إلى تشديد الغرامات، وحجب المواقع، ودمج الإصدارات، يبقى السؤال: هل نحن أمام إصلاح حقيقي أم إدارة للأزمة؟
إصلاح الإعلام
ظل الحديث عن إصلاح الإعلام حاضرًا في الخطاب الرسمي، لكن دون أن ينعكس على الواقع العملي، إلى أن جاءت دعوة رئيس الجمهورية بوضع «خارطة طريق» للتطوير والإصلاح، لتعيد طرح الملف بقوة على أجندة النقاش العام، واعتبرها البعض كسر لحالة الجمود التي خيمت طويلًا على هذا القطاع الحيوي.
دعوة الرئيس لتطوير الإعلام
في 10 أغسطس 2025، وخلال اجتماع الرئيس عبد الفتاح السيسي مع رؤساء الهيئات الإعلامية الثلاث: المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، المعني بالإعلام والصحافة الخاصة والحزبية، والهيئة الوطنية للصحافة، المعنية بالمؤسسات الصحفية القومية، والهيئة الوطنية للإعلام، المعنية بالتليفزيون والإذاعة الرسمية، وجّه الرئيس دعوة صريحة لتطوير الإعلام المصري، ووضع خارطة طريق شاملة للنهوض بالقطاع الصحفي والإعلامي.
وشدد الرئيس في دعوته، على ضرورة تفعيل دور الإعلام في خدمة المجتمع، وتعزيز المهنية في مواجهة الشائعات، وتطوير أدوات العمل الإعلامي، بما يواكب التحول الرقمي المتسارع، وبهذه الدعوة انتقل ملف تطوير الإعلام من مستوى المطالب المهنية المتكررة، إلى مستوى التكليف السياسي المباشر.
وسرعان ما انعكست هذه الدعوة على تحركات مؤسسية داخل الهيئات المعنية، وفي مقدمتها الهيئة الوطنية للصحافة، برئاسة المهندس عبد الصادق الشوربجي، التي بادرت بالتعامل مع التوجيه الرئاسي باعتباره مدخلًا لإعادة تقييم الأوضاع داخل المؤسسات القومية.
جلسات الهيئة الوطنية للصحافة
وفي هذا الإطار، عقدت الهيئة الوطنية للصحافة من الفترة 27 أغسطس 2025 وحتى 14 سبتمبر من العام ذاته، عشر جلسات حوارية موسعة، بدأتها مع قيادات الإصدارات الناطقة باللغات الأجنبية، مرورًا باللجان النقابية داخل المؤسسات القومية، ورؤساء تحرير ومجالس إدارات الصحف، وعدد من كبار الكتاب والنقابين، وأعضاء مجلس نقابة الصحفيين، وصولًا إلى شباب الصحفيين وأكاديميين ومتخصصين في المجال الصحفي، بهدف الاستماع إلى مختلف الرؤى والمقترحات، والسعي إلى بلورة تصور شامل لتطوير الأداء الصحفي، وتعزيز المهنية في مواجهة التضليل والشائعات، وتحقيق قدر أكبر من التنوع في محتوى الإصدارات داخل المؤسسات القومية.
قرار حكومي بتشكيل لجنة تطوير الإعلام
واستمرت جلسات الهيئة الوطنية للصحافة، إلى أن جاء 5 أكتوبر 2025 وانتقل الملف إلى مستوى حكومي أوسع، وأصدر الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس الوزراء – انطلاقًا من دعوة الرئيس – قرارًا بتشكيل لجنة رئيسية لتطوير الإعلام، تختص بإعداد خارطة طريق متكاملة لتطوير الإعلام المصري، تتضمن المستهدفات بشكل واضح، بما في ذلك توصيف الوضع الراهن، والتحديات التي يتعين التعامل معها، وتحديد الجهات والأشخاص المنوط بهم تنفيذ هذه الخارطة.
جدل حول تشكيل لجنة لتطوير الإعلام
أثار القرار جدلًا واسعًا بين الأوساط الصحفية والإعلامية، وانقسمت الجماعة الصحفية -التي جاءت في أغلبها رافضة للقرار- ما بين معارضٍ له انطلاقًا من مبدأ كيف تكون الحكومة الخصم والحكم، ومؤيد يرى أن الإصلاح لابد وأن يبدأ بقرارٍ رسمي.
محمد علي خير: لا إعلام حقيقي دون حريات
علق الإعلامي محمد علي خير حينها على القرار في منشور له عبر حسابه الشخصي على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» قائلا:«إذا كانت هناك نية حقيقية لإصلاح حال الإعلام، فإن البداية يجب أن تكون بالاتفاق على المبادئ الأساسية قبل الحديث عن تشكيل اللجان أو اختيار الأسماء»، مضيفًا: «اطّلعت على أسماء لجنة تطوير الإعلام، ولا شك أن من بينها من يحرص على قول ما يرضي ضميره ويخدم الصالح العام، غير أن التجارب السابقة تؤكد أن الإصلاح لا يتحقق بالأشخاص وحدهم، وإنما بتوافر بيئة صحيّة للعمل الإعلامي».
وأكد «خير» أنه لا إعلام حقيقي دون حريات، ولا إعلام دون سماع الرأي الآخر، ولا إعلام دون حرية تداول المعلومات. كما لا يمكن الحديث عن إعلام مستقل في ظل ملكية حكومية مباشرة، أو في ظل إقصاء أي رأي مخالف، أو مع احتكار المشهد الإعلامي من قِبل جهة واحدة بما يؤدي إلى غياب المنافسة، وهي المحرّك الرئيسي للتطوير.
وشدد على أنه لا يمكن للإعلام أن ينمو أو ينافس، دون إسناد المسؤولية إلى أهل الخبرة والكفاءة، ودون إنفاق جاد على التطوير المهني والتقني، في وقت أصبحت فيه الواسطة، لا الكفاءة، هي الطريق أمام عدد كبير من العاملين في المجال، وأن التطوير يحتاج إلى اختراع جديد، فالجميع يعرف أين يكمن الخلل وأين يبدأ الإصلاح، وأن لم يكن هناك اقتناع حقيقي بهذه الثوابت، فإننا نكون بصدد إهدار للوقت لا أكثر.
تناقضات تشكيل اللجنة بقرار حكومي
وفي تصريحات صحفية؛ قال الكاتب الصحفي يحيى قلاش، نقيب الصحفيين الأسبق: «إن الدولة – لا الحكومة – مطالَبة بإدراك أن تدهور الإعلام يشكل خطرًا مباشرًا على أمنها القومي، مضيفًا: شهدنا خلال السنوات الماضية فراغًا إعلاميًا واضحًا في القضايا الكبرى التي هزّت البلاد. الإعلام ليس الأزمة، بل هو جزء أساسي من الحل، والوعي بأهميته لم يعد رفاهية».
وانتقد «قلاش» تشكيل اللجنة بقرار حكومي، معتبرًا أن المبادرة كان ينبغي أن تخرج من المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بوصفه كيانًا قانونيًا مستقلًا عن السلطة التنفيذية، مؤكدًا أن الإعلام يجب أن يراقب الحكومة، لا أن يكون جزءًا من بنيتها، قائلا:” أي محاولة لتطوير الإعلام تستحق التفاؤل، لكن الخشية أن ندور في حلقة مفرغة، ونكرر تجارب سابقة لم تُثمر، كما حدث في جلسات الحوار الوطني ومحاولات تطوير الإعلام الأخيرة”.
منهجية عمل لجنة تطوير الإعلام
وسط هذه الاعتراضات والملاحظات، بدأت اللجنة أعمالها في 14 أكتوبر 2025، والتي ضمت 67 شخصية صحفية وإعلامية وأكاديمية، ويترأسها المهندس خالد عبد العزيز، رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، اتفق الأعضاء في أولى الجلسات على تحديد منهجية العمل وتوزيع المهام، من خلال ثماني لجان فرعية، تمهيدًا للبدء في مناقشات أكثر عمقًا، تتعلق بمراجعة واقع الإعلام، ودراسة التشريعات المنظمة للعمل الصحفي، واقتراح تصورات لتطوير القطاع بما يواكب التحول الرقمي والثورة التكنولوجية المتسارعة.
توصيات المؤتمر العام السادس لنقابة الصحفيين
تلقت اللجنة خلال فترة الإعداد، توصيات المؤتمر العام السادس لنقابة الصحفيين، والذي انعقد على مدى يومين خلال الفترة من 14 وحتى 16 ديسمبر 2024، والتي ركزت على الحريات والتشريعات المنظمة للعمل، والتي تضمنت الإفراج عن الصحفيين المحبوسين، رفع الحجب عن جميع المواقع، إصدار قانون حرية تداول المعلومات،سرعة البت في طلبات الترخيص المقدمة من جميع المواقع الصحفية، وزيادة دخل الصحفيين وتحسين أوضاعهم، لمنع التمييز ضد النساء في أماكن العمل، واستراتيجية لمستقبل الصحافة الورقية، فضلًا عن مخرجات الحوار الوطني المتعلقة بالملف الصحفي والإعلامي.
ثماني لجان ونقاشات بلا إعلان
عملت اللجان الفرعية المنبثقة من اللجان الرئيسية، من الفترة 20 أكتوبر 2025 وحتى 29 ديسمبر 2025 على ثمانية محاور رئيسية، كان لكل محور لجنة خاصة به والتي شملت: التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، ويترأسه الكاتب الصحفي خالد صلاح، رئيس مجلس إدارة اليوم السابع الأسبق، التدريب والتأهيل وبحوث الإعلام، برئاسة الدكتورة منى الحديدي، الأستاذ بقسم الإذاعة والتليفزيون بكلية الإعلام جامعة القاهرة، التشريعات والقوانين ومواثيق الشرف، برئاسة الكاتب الصحفي خالد البلشي، نقيب الصحفيين، التمويل والنماذج الاقتصادية، برئاسة زكي عبد الحميد، مدير الإعلانات والتسويق بالشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، تطوير الصحافة الورقية والرقمية، برئاسة الكاتب الصحفي حمدي رزق، وإعلام الخدمة العامة، الإعلامي عمرو خفاجي، والسياسات الإعلامية، برئاسة الإعلامي جمال الشاعر، وتطوير الإعلام الخاص، برئاسة الكاتب الصحفي عادل حمودة، رئيس مجلس إدارة جريدة الفجر السابق.
تعتيم على أعمال اللجنة
ظلّت أعمال اللجنة، رغم انتظام الاجتماعات، بعيدة عن أعين الرأي العام، فلم تُعلن تفاصيل المناقشات أو مسودات التوصيات، واقتصر التواصل على بيانات بروتوكولية عن انعقاد الاجتماعات واختيار رؤساء اللجان ومقرريها، ما عمّق حالة الغموض والشكوك داخل الوسط الصحفي بشأن ما إذا كانت اللجنة تمثل خطوة إصلاح حقيقية أم مجرد إجراء شكلي لامتصاص الانتقادات.
تشديد الغرامات رسالة معاكسة
تزامن التعتيم على ما يدور داخل اجتماعات اللجان الفرعية المنبثقة عن اللجنة الرئيسية، مع صدور قرارات حكومية متتالية، تتعارض وما يهدف إليه قرار تشكيل اللجنة، وهو ما عمق مخاوف الجماعة الصحفية، وزاد من الشكوك حول مدى جدية الطرح الرسمي المتعلق بتطوير الإعلام، وما إذا كانت ستفضي إلى إصلاحات حقيقية، تلبي تطلعات الوسط الصحفي وتستجيب لتحديات المهنة المتراكمة.
ففي 10 ديسمبر 2025، أثناء عمل اللجنة، وافق مجلس الوزراء على قرار تعديل قانون العقوبات لتشديد الغرامات المتعلقة بالنشر فيما يُسمّى بـ «المعلومات المضللة» أو « الشائعات» وهي خطوة اعتبرتها الحكومة وسيلة للتصدي الشائعات وحماية المجتمع من الأخبار الكاذبة، فضلا عن تدشين وحداترصد مبكر في جميع الوزارات لرصد الشائعات وبحثها، والرد عليها وتفنيدها في مهدها.
أكدت الحكومة في قرارها؛ أن الإطار التشريعي الحاكم لمواجهة الشائعات والأخبار الكاذبة، كافيًا في الوقت الحالي لتحقيق الردع الفعال، مع عدم كفاية الغرامات الواردة بالقوانين لردع تلك الشائعات، ونشر الأخبار الكاذبة، وبناءً عليه وافقت على مقترح بزيادة تلك الغرامات المقررة، بما يحقق الردع العام، وعلى الحفاظ استقرار الأمن العام، وكذلك الحفاظ على الصورة العامة للدولة المصرية – بحسب ما جاء في بيان الحكومة- عقب إصدار القرار؛ حاول المرصد التواصل مع أعضاء من لجنة التطوير، ولكن لم يتسنى له الوصول إليهم، غير أن الكاتب الصحفي خالد البلشي، نقيب الصحفيين، ورئيس لجنة القوانين والتشريعات ومواثيق الشرف، إحدى اللجان الفرعية المنبثقة عن اللجان الرئيسية، الوحيد الذي تعاطى سريعًا مع القرار، وأصدر بيانًا صحفيًا كما صرح لعدد من المواقع والصحف.
القوانين المكملة للدستور في مواجهة الشائعات
رأى نقيب الصحفيين، أن مسار الحكومة لتشديد الغرامات على النشر، يتجاهل جذور المشكلة، إذ قال تعليقًا على القرار: «يبدو أن المسار الذي طُرح يبدأ من النهاية، عبر الحديث عن تغليظ الغرامات، بينما رسم الدستور المصري طريقًا واضحًا لمواجهة الشائعات، يبدأ بإقرار القوانين المكملة للدستور، وإصدار قانون حرية تداول المعلومات، وإلغاء العقوبات السالبة للحرية في قضايا النشر. عندها فقط يمكن مناقشة الغرامات وحدودها، بشرط ألا تتحول إلى طريق غير مباشر للحبس، أو أداة لإغلاق الصحف وتقويض دورها، فتغدو سببًا في نشر الشائعات بدلًا من محاصرتها».
وأضاف نقيب الصحفيين:” أن البداية الحقيقية لمواجهة الشائعات هي إتاحة المعلومات، من خلال قانون يضمن حق الصحفيين والمواطنين في الوصول الحر إليها، ويوفر وسائل إتاحتها، ويلزم الجهات الرسمية بتقديمها وتصحيحها عند الطلب. فغياب المعلومات الدقيقة هو البيئة الخصبة لانتشار الشائعات، بينما نشر الحقائق هو السلاح الأنجع لدحضها، وأن الدستور المصري، قدم روشتة متكاملة، عبر نص ينظم حرية تداول المعلومات، ورفع القيود عن العمل الصحفي، ومنع الحبس في قضايا النشر، بما يحرر الصحفي من الخوف ويُلزم ناقلي المعلومات بتصحيح أي خطأ، دون ترهيب أو تكميم.
وتابع: «تعلمنا أن عقوبة الخبر الكاذب هي تصحيحه، وأن المبالغة في العقوبات لا تمنع الشائعات، بل قد تدفع إلى الإحجام عن النشر، وتفتح المجال لمنصات غير مهنية تعمل خارج نطاق القانون. الشائعات تُواجه بنشر الحقائق لا بتغليظ العقوبات، خاصة في ظل تطور وسائل النشر العابرة للحدود، المطلوب هو البدء الفوري في إعداد القوانين المكملة للمادتين 68 و71 من الدستور، وإزالة القيود عن الصحافة والإعلام».
وأكد ضرورة استكمال البنية التشريعية الداعمة لحرية التعبير، التي عندها قد تحتاج الحكومة إلى تغليظ العقوبات، أو يمكن مناقشتها في إطار متوازن لا يهدد حرية النشر ولا يحاصر الحقيقة، مشددًا على أن هذا هو المسار الذي يجب أن نتعاون فيه جميعًا حكومةً وإعلامًا، لبناء نظام إعلامي حر، قادر على مواجهة الشائعات عبر إتاحة المعلومات ونشر الحقائق.
يتسق بيان نقيب الصحفيين مع النص الدستوري في مادة 71 والتي تحظر بأي وجه فرض رقابة على الصحف ووسائل الإعلام المصرية أو مصادرتها أو وقفها أو إغلاقها، كما يحظر توقيع عقوبة سالبة للحرية في الجرائم التي تُرتكب بطريق النشر أو العلانية، ويُستثنى من ذلك الجرائم المتعلقة بالتحريض على العنف، أو التمييز بين المواطنين، أو الطعن في أعراض الأفراد.
وتهدف هذه المادة، إلى حماية حرية الصحافة والرأي، مع قصر العقوبات السالبة للحرية، على الحالات الأشد خطورة التي تمس السلم المجتمعي، أو الحقوق الشخصية.
كما أشار «البلشي» أيضًا في مجمل بيانه إلى المادة 68 من الدستور التي تنص على أن المعلومات والبيانات والإحصاءات والوثائق الرسمية ملك للشعب، والإفصاح عنها من مصادرها المختلفة حق تكفله الدولة لكل مواطن، وتلتزم الدولة بإتاحتها وتوفيرها للمواطنين بشفافية، وينظم القانون ضوابط الحصول عليها وإتاحتها، ومعايير تصنيفها، وما يُحجب منها، والعقوبات المترتبة على حجب المعلومات أو إعطاء معلومات مغلوطة عمداً.
«حريتي»… تطوير أم تصفية؟
بالعودة إلى قرارات الحكومة المتعارضة مع أهداف لجنة التطوير، في 27 نوفمبر 2025، وأثناء انعقاد جلسات اللجنة أيضًا، قررت الهيئة الوطنية للصحافة، برئاسة المهندس عبد الصادق الشوربجي، عضو في اللجنة تطوير الإعلام، دمج مجلة «حريتي» الأسبوعية، الصادرة عن مؤسسة دار التحرير، كملحق داخل صحيفة «الجمهورية»، في خطوة وصفتها الهيئة، بأنها جزء من خطة التطوير المؤسسي. وقد مثّل القرار صدمة للعاملين بالمجلة، التي تأسست عام 1990 واستهدفت الشباب بمحتوى اجتماعي وثقافي وسياسي متنوع.
علق المهندس عبد الصادق الشوربجي، رئيس الهيئة، في تصريحات صحفية، على قرار دمج «حريتي» داخل جريدة الجمهورية، أن الهيئة أرادت بالقرار تسليط الضوء على محتوى المجلة الأقل انتشارًا في جريدة الجمهورية الأكثر انتشارًا.
وتقول إحدى الصحفيات بالمجلة، -فضلت عدم ذكر اسمها-: «لم يُطرح موضوع الدمج في أي من لقاءاتنا مع الهيئة. تحدثوا فقط عن ملاحظات ومهلة للتطوير، وبعدها فوجئنا بالقرار دون تقييم حقيقي لما أُنجز»، مضيفة: «تفاجأنا بهذا القرار، وشعرت بحزن شديد، اعتبر مجلة حريتي بيتي المهني، المكان الذي شهد بداياتي الصحفية وانطلاقتي، وارتباطي بها كان أكثر من مجرد عمل؛ كانت مساحتي للتعبير والإبداع. والآن، لا أعلم إن كان سيظل لي متنفس للعمل والكتابة داخل ملحق من أربع صفحات فقط!»
في سبتمبر 2020 صرح المهندس عبد الصادق الشوربجي، رئيس الهيئة الوطنية للصحافة، في أحد الحوارات الصحفية، أنه لم يتم التفكير في إمكانية دمج المؤسسات الصحفية القومية، رغم أن القانون ينص على دمج الإصدارات والمؤسسات، لكنه يتمنى أن تنهض كل مؤسسة بنفسها، وأن يقف أبناؤها مع الإدارة، فقرار الدمج في النهاية، يتوقف على ما تقدمه المؤسسة نفسها، في الفترة المقبلة وانتماء أبنائها لها.
وحول إمكانية دمج الإصدارات داخل المؤسسة الصحفية الواحدة، قال حينها: «إن الأمر بيد مجلس الإدارة وأبناء المؤسسة، وحرصهم على إصداراتهم، وأن يعملوا من أجل زيادة الإيرادات، لكن الهيئة لن تعمل وحدها، وبصفة شخصية لدي تفاؤل أن تستعيد الإصدارات الصحفية مكانتها وأن تعمل قطاعات الإعلانات والتوزيع كما ينبغي».
قائمة طويلة من الدمج
مجلة «حريتي» كانت أحدث الإصدارات، التي دمُجت بعد سلسلة طويلة من قرارات الدمج، والتي جاء أبرزها القرار الذي اتخذته الهيئة في عام 2021 بتحويل إصدارات «الأهرام المسائي» الصادر عن مؤسسة الأهرام، و«الأخبار المسائي» الصادر عن مؤسسة أخبار اليوم، و«المساء» الصادرة عن مؤسسة دار التحرير إلى إصدارات إلكترونية.
وفي يونيو 2022، أصدرت الهيئة قرارًا بوقف إصدار مجلة «الكواكب»، أشهر وأقدم المجلات الفنية في مصر والعالم العربي، ودمجها في مجلة «طبيبك الخاص» ضمن مجلة «حواء»، التي تصدر عن مؤسسة «دار الهلال»، وإنشاء موقع إلكتروني خاص لكل إصدار.
في أبريل 2024، أعلنت الهيئة عن قرارها بدمج مجلة «نصف الدنيا» الصادرة عن مؤسسة الأهرام مع مجلة «البيت» وتغيير دوريتها لتصبح شهرية، بعد أن كانت تصدر أسبوعيًا منذ تأسيسها في عام 1990.
سبق أن أصدرت الهيئة الوطنية للصحافة أيضًا، قرارات بدمج جريدة «الرأي للشعب» مع جريدة «الجمهورية»، لتصبح ملحقًا أسبوعيًا، وتغيير دورية كتاب «الجمهورية»، الصادر عن مؤسسة دار التحرير للطبع والنشر، لتصبح ربع سنوية، ومجلة «شاشتي» الصادرة عن دار التحرير، داخل مجلة «حريتي» التي طالها الدمج مؤخرًا.
جمود في ملف حجب المواقع
صاحب الإعلان عن تشكيل لجنة تطوير الإعلام، بعض التوقعات عن حدوث انفراجة، في عدد من الملفات العالقة، وعلى رأسها ملف حجب المواقع الإخبارية، الذي بدأ منذ عام 2017 مع بداية عمل المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، ولاسيما أنه يتعارض مع مبدأ حرية الرأي والتعبير، الذي كفله الدستور والقانون، بل وكان على رأس المطالب العاجلة، التي تقدمت بها نقابة الصحفيين ممثلة في خالد البلشي، نقيب الصحفيين، إلى الأمانة العامة للحوار الوطني والجهات المعنية.
تسع سنوات من الحجب
بدأ مسلسل الحجب من عام 2017 بقرارات غير رسمية وغير معلنة، ووفقًا لتقرير نشرته مؤسسة حرية الفكر والتعبير أشار فيه إلى حجب 496 موقعًا في الفترة من 24 مايو 2017 وحتى 1 فبراير 2018، بينما نشرت وكالة أبناء الشرق الأوسط، الوكالة الرسمية للدولة، نقلًا عن جهة سيادية حجب 21 موقعًا أغلبها مواقع إخبارية مستقلة، رُفع الحجب عن عدد منها، ولا يزال عدد أكبر محجوبًا.
ومن أبرز هذه المواقع: «مدى مصر»، و«المنصة»، و«مصر العربية»، و«البداية» لمؤسسه خالد البلشي، نقيب الصحفيين الحالي. فـ«المنصة» حُجب 13 مرة منذ مايو 2017 وحتى الآن، و«مدى مصر» يعمل خارج نطاق الوصول الطبيعي للجمهور داخل مصر، معتمدين على وسائل بديلة للوصول إلى قرّائهما، في ظل رفض ترخيصهما من المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام.
في يونيو 2018، حُجب موقع «كاتب» بعد 9 ساعات من انطلاقه، وفي عام 2020، حُجب موقع «درب»، ليحلق بموقعي «البداية» و«كاتب» لمؤسسهم خالد البلشي، إلا أن موقع «درب» رُفع عنه الحجب في إبريل 2023.
وفي 10 يونيو 2023، وبالتزامن مع عيد الصحفي، الذي انتصرت فيه الجماعة الصحفية، على قانون قدمته السلطة وعُرف باسم قانون «اغتيال الصحافة» عام 1996 بعد معركة دامت 13 شهرًا، وبالتزامن أيضًا مع جلسة الحوار الوطني لمناقشة حرية تداول المعلومات، حُجب موقع «السلطة الرابعة» التابع لحزب التحالف الشعبي الاشتراكي، وبعد ساعات قليلة حُجب أيضًا موقع «مصر 360» دون قرار رسمي مُعلن، إلا أن أحد أعضاء المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، صرح لوسائل الإعلام، أن حجبهما يرجع لعدم حصولهما على ترخيص وفقًا للقانون رقم 180 لسنة 2018. رُفع الحجب بعد فترة عن موقع «السلطة الرابعة»، ولا يزال موقع «مصر 360» محجوبًا.
حجب موقع مُرخص
موقع «القاهرة 24» من المواقع الإخبارية المرخصة رسميًا، من قبل المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام منذ عام 2021، والتي طالها الحجب، ففي نوفمبر 2024، تعرض الموقع للحجب للمرة الثانية، بعد أن حُجب في المرة الأولى عام 2018، وتعذر على المستخدمين الوصول إليه، ولم يعلن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام عن أسباب الحجب، وعاد الموقع للظهور مجددًا بعد حجب دام أشهر.
استمرت سياسة الحجب بحق المواقع، دون إعلان رسمي عن القرار أو الأسباب لسنوات طويلة، ففي 20 فبراير 2025، أعلن القائمون على موقع «زاوية ثالثة» تعرض الموقع للحجب، بعد تلقيهم شكاوى متفرقة من بعض المستخدمين، بمواجهتهم صعوبة في الوصول إليه، وتأكدوا أنه لا يوجد أي خطأ تقني، بل حُجب من قبل جهة مجهولة، بحسب بيان إدارة الموقع.
من جانبه، قال أحمد جمال زيادة، رئيس تحرير موقع «زاوية ثالثة»: «ليس مجرد حجب لموقع صحفي، بل إغلاق مساحة من التفكير النقدي والحوار الجاد الذي تحتاجه أي دولة تبحث عن الاستقرار والتنمية، في الوقت الذي تتحدث فيه الدولة عن الحوار الوطني والانفتاح، يأتي هذا القرار ليؤكد أن الأصوات المهنية والمستقلة لا تزال تُحاصر بدلًا من أن تُسمع وتُؤخذ بعين الاعتبار».
وأضاف: «أن موقعه ليس أول من يواجه هذا المصير، فهناك عشرات المنصات المستقلة الأخرى المحجوبة، وغالبًا ما تكون هذه المنصات هي الأكثر مهنية وتأثيرًا في المشهد الصحفي، وأن الحجب لا يلغي الحقيقة، لكنه يضعف المشهد الإعلامي ويقلل من فرص تقديم رؤى نقدية بنّاءة يمكن أن تساهم في تصحيح المسار وتحقيق الإصلاحات التي تتحدث عنها الدولة»— بحسب تصريحات رئيس تحرير الموقع.
تتعارض قرارات الحجب مع المادة 3 من قانون المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام رقم 180 لسنة 2018، والتي تنص على أنه : «يحظر، بأي وجه، فرض رقابة على الصحف ووسائل الإعلام المصرية، ويحظر مصادرتها، أو وقفها، أو إغلاقها، يجوز استثناء فرض رقابة محددة عليها فى زمن الحرب أو التعبئة العامة».
ويتساءل البعض من مسئولي هذه المواقع والمهتمين بالملف الصحفي والحقوقي، حول مدى قدرة اللجنة، على إحداث تغيير فعلي في بيئة العمل الصحفي، خاصة في ظل غياب أي مؤشرات رسمية، حول إدراج ملف الحجب ضمن أولويات الإصلاح الإعلامي، ولاسيما أن استمرار حجب المواقع، يكشف الفجوة بين الخطاب الرسمي، الذي يتحدث عن التطوير وتحديث الأدوات، وبين الممارسات القائمة التي تُقيّد الوصول إلى بعض المواقع الصحفية، وهو ما يترتب عليه، غياب تنوع مصادر المعلومات المتاحة للجمهور.
إصدار التراخيص حجر الزاوية في التعددية الإعلامية
تصدّر ملف تراخيص الصحف والمواقع الإلكترونية، قائمة الملفات التي توقع كثيرون، أن يتخذ المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، حيالها قرارات عاجلة كجزء من اختصاصاته الأصيلة، وفي ضوء إشرافه المباشر على أعمال اللجنة الإعلامية الرئيسية، التي يترأسها المهندس خالد عبد العزيز، رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، غير أن تلك القرارات لم تصدر وبقي الوضع كما هو عليه.
خاضت عدد من المواقع، معارك طويلة استمرت لسنوات، للحصول على التراخيص تطبيقًا للقانون، ولكن دون جدوى، من بينهم موقع «مدى مصر»، الذي تعرض للحجب داخل مصر مع مجموعة من المواقع الصحفية الأخرى منذ مايو 2017 والمستمر حتى الآن.
في أغسطس 2018 صدر قانون المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام رقم 180 لسنة 2018، ورغم تحفظ «مدى مصر» على بعض مواد القانون، قررت إدارة الموقع الالتزام بالإطار القانوني الجديد، والتقدم بطلب لترخيص الموقع.
ويلزم القانون رقم 180 لسنة 2018 المواقع الصحفية والإخبارية بالحصول على ترخيص من المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام. ونص على منح المواقع القائمة مهلة لتوفيق أوضاعها القانونية، مع التزام الجهة الإدارية المختصة بالبت في طلبات الترخيص خلال مدد زمنية محددة.
وفي أكتوبر 2018، أعلن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، عن فتح باب تلقي طلبات ترخيص المواقع الصحفية والإخبارية لمدة أسبوعين، تقدمت شركة «مدى مصر للصحافة» بطلب رسمي للحصول على ترخيص الموقع، التزامًا بالإعلان الصادر عن المجلس، في ظل غياب تحديد واضح للإجراءات التفصيلية، والمستندات المطلوبة، والرسوم المقررة.
ومن عام 2018 وحتى عام 2020، تقدمت إدارة «مدى مصر» بعدة مخاطبات إلى المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، للاستعلام عن موقف طلب الترخيص، واستيفاء أي متطلبات لازمة.
وبالرغم من أن القانون يلزم الجهة الإدارية، بالرد على طلبات الترخيص خلال مدة لا تتجاوز 90 يومًا من تاريخ استكمالها، لم يتلقَّ الموقع أي إخطار رسمي يفيد بالقبول أو الرفض، ولم يتم إخطاره بوجود أي مخالفات إجرائية في الطلب.
وفي عام 2020، وبعد صدور اللائحة التنفيذية لقانون المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام ، خاطبه «مدى مصر» مجددًا، مؤكدًا رغبته في استكمال إجراءات الترخيص وفقًا لأحكام اللائحة التنفيذية.
في عام 2022 أخطر المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام «مدى مصر»، برفض طلب الترخيص، بعد مرور نحو أربع سنوات، على تقديم الطلب الأصلي، ودون الالتزام بالمدد القانونية المقررة للبت في الطلبات بواقع 90 يومًا من تاريخ تقديم الطلب . واستند «المجلس» في قراره إلى أسباب إدارية تتعلق بالكيان القانوني للشركة المالكة، وطبيعة النشاط، وفق ما ورد في مذكراته اللاحقة.
وعلى إثر رفض الترخيص، أقام «مدى مصر» خلال عام 2022 دعوى قضائية أمام محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة، اختصم فيها المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، مطالبًا بإلغاء قرار رفض الترخيص، واعتبار الطلب مقبولًا بحكم القانون نتيجة عدم الرد عليه خلال المدة القانونية – 90 يومًا- ووقف ما يترتب على ذلك من آثار قانونية أو جزاءات إدارية.
وفي 23 مايو 2023 أصدرت محكمة القضاء الإداري، حكمها برفض الدعوى، وأقرت السلطة التقديرية للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في منح تراخيص المواقع الصحفية أو رفضها.
وفي أكتوبر 2023، أصدر المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، قرارًا بحجب موقع «مدى مصر» لمدة ستة أشهر، على اعتبار إنه يعمل دون ترخيص، وينشر محتوى مخالفًا لأحكام القانون، مع إحالة الوقائع إلى النيابة العامة، على الرغم من استمرار حجب الموقع فعليًا منذ عام 2017.
وخلال عامي 2023 و2024، تم استدعاء لينا عطا الله، رئيسة تحرير «مدى مصر»، للتحقيق أمام النيابة العامة، التي وجهت إليها اتهامات من بينها إدارة موقع إلكتروني دون ترخيص ونشر أخبار كاذبة، وتم إخلاء سبيلها بكفالة مالية في بعض القضايا، مع استمرار التحقيقات دون صدور أحكام نهائية.
موقع «المنصة» ثاني أشهر المواقع المحجوبة أيضًا منذ مايو 2017، والتي تقدمت إدارته منذ أكتوبر 2018، بطلب لترخيص موقعها والعمل وفقًا للإطار التشريعي، ولكن لم يتلق ردًا من «الأعلى للإعلام» حتى الآن.
ووفقًا لتصريحات المستشار محمود فوزي، الأمين العام للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام سابقًا، وعضو الأمانة العامة للحوار الوطني، قبل توليه وزارة الاتصال السياسي والشئون النيابية، ردًا على تساؤل نورا يونس، رئيس تحرير موقع «المنصة» في جلسة حقوق الإنسان بالحوار الوطني، حول مصير الطلب المقدم لترخيص الموقع، أشار إلى أن ترخيصه محل دراسة.
تعرض موقع «فكّر تاني» الصحفي لأزمة ترخيص مع المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، بعد رفض طلبه بشكل رسمي في 8 سبتمبر 2024، رغم تجاوزه الإجراءات المبدئية القانونية وسداد الرسوم المطلوبة.
ففي يوليو 2023، سدد القائمون على موقع «فكّر تاني»، رسوم الترخيص البالغة 50 ألف جنيه، وتقدموا بطلب ترخيص رسمي لدى «الأعلى الإعلام» لتمكين الموقع من العمل بشكل قانوني وفقاً لأحكام قانون، الذي يشترط حصول المواقع الصحفية الإلكترونية على ترخيص من المجلس لنشر المحتوى الإخباري.
في 8 سبتمبر 2024، أخطر المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام شركة «فري ثانك ميديا» المالكة لموقع «فكّر تاني» برفض منح الترخيص، مستندًا في قراره إلى ما وصفها بـ«عدم وضوح» ثلاثة أسباب: السياسة الإعلانية للموقع، مصادر وطرق تمويله، وخطة تأمين الأجهزة والمعدات المستخدمة في تقديم الخدمة، وجاء القرار بعد مرور فترة طويلة على تقديم الطلب، ودون أن يتلقّى القائمون على الموقع ردًا خلال المدد الزمنية التي نص عليها القانون.
أثار قرار الرفض انتقادات واسعة من الصحفيين والحقوقيين، وأعلنت لجنة الحريات بنقابة الصحفيين، تضامنها مع الموقع، معتبرة أن قرار الرفض امتداد لمنهج الحجب والتقييد، الذي طال صحفًا ومواقع أخرى مستقلة، وأنه يتعارض مع الفلسفة التي من أجلها أُنشئ المجلس، والتي ينبغي أن تفتح المجال أمام مزيد من التنوع وليس تضييقه. وطالبت اللجنة بتسهيل إجراءات الترخيص ورفع الحجب عن المواقع التي تواجه عقبات في الحصول على ترخيص رسمي.
وردًا على قرار الرفض، تقدّم الممثل القانوني للموقع، بتظلم رسمي إلى المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في 20 أكتوبر 2024، مصحوبًا بمذكرة قانونية توضح وتفنّد الردود على الأسباب التي استند إليها المجلس. وفي يناير 2025 أعلن المجلس، أن التظلم قيد الفحص، وطُلب من ممثل الموقع الحضور إلى مقر المجلس بماسبيرو، لاستكمال الإجراءات، مع استمرار التواصل لحين البت النهائي في التظلم.
في الوقت الذي تؤجل أو ترفض فيه لجنة تراخيص الصحف والمواقع بـ«الأعلى للإعلام»، طلبات المواقع الإخبارية المستقلة، أعلن المجلس في24 يوليو 2025 عن قبول قائمة جديدة من التطبيقات التسويقية والمواقع التي جاءت في مجملها مواقع خاصة بالديكور والموضة وهي:«وفرها دوت كوم والتطبيق التابع له، بيوت دوت إي جي، دوبيزل دوت كوم إي جي، هواها دنت، الحكاية أونلاين، نبض العاصمة، منتهى نيوز، عقار تريند، سيتي توداي، الهضبة اليوم، الحرية الإخباري، هايدلبرج ماتيريالز والتطبيق التابع له، وجوميا والتطبيق التابع له».
حق إصدار الصحف مكفول بأمر الدستور
يكفل الدستور المصري في المادة 70 حرية الصحافة والطباعة والنشر، سواء كانت ورقية أو مرئية أو مسموعة أو إلكترونية، كما منح المصريين من الأشخاص الطبيعيين أو الاعتباريين، العامين أو الخاصين، حق ملكية وإصدار الصحف وإنشاء وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمواقع الإلكترونية، على نحو ينظمه القانون.
ووضع قانون تنظيم الصحافة والإعلام والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام رقم 180 لسنة 2018 قيودًا على حرية النشر الرقمي، وتبرز بشكل خاص في المادتان (6) و(105) من القانون؛ إذ تشترط الأولى الحصول على ترخيص مسبق لإنشاء أو إدارة أي موقع إلكتروني، بينما تفرض الثانية عقوبات جنائية مشددة تصل إلى غرامات المالية مرتفعة والغلق، لكل من يخالف ذلك.
إجراءت الحصول على ترخيص صحيفة أو موقع
تحدد المادتان (11) و(12) من اللائحة التنفيذية لقانون المجلس الأعلى لتنظيم للإعلام، الصادرة عام 2020، متطلبات ترخيص المواقع الإلكترونية وإجراءاتها.
تبدأ الإجراءت بتقديم طلب لإنشاء أو تشغيل الموقع الإلكتروني إلى الأمانة العامة للمجلس الأعلى للإعلام، مرفقًا بإيصال سداد رسوم قدرها 50 ألف جنيه. تقوم لجنة التراخيص المختصة بفحص الطلب خلال أسبوع من تاريخ تسجيله، ثم إعداد تقرير برأيها حول الطلب.
ويُعرض تقرير اللجنة على « الأعلى للإعلام» للنظر في إصدار الترخيص أو رفضه، وذلك خلال 30 يومًا من إعداد التقرير. مدة الترخيص خمس سنوات، ويمكن تجديده بتقديم طلب قبل 6 أشهر من انتهاء الفترة، مع سداد نفس الرسوم (50 ألف جنيه).
تنظم المادة (12) آلية الرد على الطلبات، وخصوصًا الطلبات غير المستوفاة أو المرفوضة. فإذا كانت بيانات الطلب ناقصة، يُخطر المجلس الأعلى مقدم الطلب لاستكمالها خلال 30 يومًا من تاريخ عرض تقرير اللجنة، ويكون الإخطار بكتاب مسجل بعلم الوصول.
يصدر المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، قراره بالموافقة أو الرفض بأغلبية الأعضاء الحاضرين، خلال 90 يومًا من تاريخ ورود الطلب مستوفيًا جميع البيانات والمستندات، مع إخطار مقدم الطلب بالقرار كتابيًا وبشكل مسجل بعلم الوصول. كما أعطت المادة (12) حق مقدم الطلب في الطعن على قرار المجلس أمام محكمة القضاء الإداري.
ورغم كفالة الدستور وتنظيم القانون ولائحته، حق إصدار الصحف، إلا أنه لم تُصدر تراخيص جديدة، لأي مؤسسة صحفية مستقلة خلال فترة عمل اللجنة الرئيسية لتطوير الأعلام، والتي استمرت لشهرين من 14أكتوبر 2025 وحتى 29ديسمبر 2025، وهو ما يعكس حالة من الجمود في تنظيم الإعلام الخاص والرقمي، فرفض أو تعطيل إصدار تراخيص جديدة،حتى ولو مؤقتًا ولشهور طويلة، يُسهم في تقليص هامش التعددية والتنوع داخل المشهد الصحفي والإعلامي، ويأجج أزمات الحجب، وعدم القدرة على تلبيه احتياجات جمهور متغير ضمن إطار قانوني واضح.
يظل ملف تراخيص المواقع الإخبارية، أحد أهم الملفات في قطاع الصحافة والإعلام، وحق أقره الدستور والقانون، لارتباطه بشكل مباشر بالمقاومات الأساسية للعمل الصحفي والإعلامي، والتي تشمل حرية الإصدار، وحرية التعبير، والحق في الوصول إلى المعلومات، واستقلالية المؤسسات الإعلامية، فضلًا عن أنها تمنح الصحفيين والمؤسسات الإعلامية القدرة على العمل، بصورة رسمية ومستقرة، تحميهم من المخاطر القانونية، المرتبطة بالعمل خارج الإطار القانوني.
توصيات مؤجلة ومصير غامض
آمال وتطلعات ارتبطت بقرار تشكيل لجنة تطوير الإعلام، في إحداث أي تحسن في ملفات متعلقة، بهامش أكبر لحرية الصحافة، وحرية إصدار الصحف، وفتح المجال العام، ورفع الحجب، وإتاحة أوسع للمعلومات من مصادرها الرسمية، غير أن على مدى شهرين من الاجتماعات الدورية والنقاشات حول المحاور الثمانية للتطوير، وأنهّت اللجنة أعمالها، في الاجتماعي الختامي، الذي انعقد بكامل تشكيلها في 29 ديسمبر2025 ، بالأكاديمية الوطنية للتدريب، دون إصدار بيان رسمي يوضح ما خلصت إليه اللجنة، مكتفية بالإعلان عن تشكيل لجنة لصياغة التوصيات النهائية برئاسة الكاتب الصحفي حمدي رزق، تمهيدًا لإرسالها لرئيس الجمهورية.
البيان الصادر عن الاجتماع الختامي للجنة، فتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول آلية التعامل مع هذه التوصيات، وحدود إلزامها، وما إذا كانت ستُترجم إلى سياسات وتشريعات فعلية، أم ستنضم إلى أرشيف ضخم من توصيات لم تُنفذ؟ بل عاد التساؤل حول استقلاليتها، وجدوى عملها، وقدرتها الحقيقية على معالجة الأزمات الصحفية والإعلامية المتفاقمة، في ظل مرجعية حكومية مباشرة، وقرارات رسمية متزامنة، بدت مناقضة تمامًا لأي حديث عن الإصلاح أو الانفتاح.
مصادر:



