التقارير الإعلامية

أزمة الصحافة في مصر: تداعيات عقد من التقييد والحصار

لقراءة الورقة البحثية كاملة: أزمة الصحافة تداعيات عقد من التقييد والحصار

 

 

تحاول هذه الورقة البحثية أن تفهم ما جرى للصحافة المصرية خلال السنوات العشر الأخيرة، لا باعتباره تعثرًا مهنيًا عابرًا أو نتيجة طبيعية لتحولات السوق وصعود المنصات الرقمية، بل بوصفه أزمة عميقة في الدور والوظيفة. أزمة تشكّلت تدريجيًا مع تراكم القيود السياسية والتشريعية، وضغوط الواقع الاقتصادي، إلى أن فقدت الصحافة جزءً كبيرًا من استقلالها، وتراجع حضورها كفاعل رقابي ومعرفي في المجال العام.

 

 

توضح الورقة أن التدخل في العمل الصحفي لم يعد استثناءً أو ضغطًا لاحقًا على النشر، بل أصبح جزءً من آلية إدارة المجال الإعلامي نفسها، من خلال التأثير المسبق على ما يُنشر وما يُستبعد، وحجب مواقع، وإقصاء أصوات نقدية، وخلق مناخ ممتد من الخوف والرقابة الذاتية داخل غرف الأخبار، ما أضعف روح المبادرة، وقيّد التحقيق والمساءلة.

 

وعلى المستوى التشريعي، تناقش الورقة كيف أسهمت القوانين المنظمة للإعلام، خاصة الصادرة منذ عام 2018، في تقنين ممارسات المنع والحجب، وتوسيع سلطات الرقابة، وربط ممارسة العمل الصحفي بالتصاريح، مع استمرار وجود عقوبات سالبة للحرية في قضايا النشر، وتأخر إصدار قانون حرية تداول المعلومات. وهو ما أفرغ الضمانات الدستورية من مضمونها، وحوّل القانون من أداة حماية إلى أداة تقييد.

أما اقتصاديًا، فترصد الورقة آثار تمركز ملكية وسائل الإعلام، والاشتراطات المالية التعجيزية لتأسيس المنصات الصحفية، وما ترتب على ذلك من تآكل التعددية، وتراجع المنافسة، وتحول المشهد الإعلامي إلى مساحة ضيقة تعكس مصالح قلة، لا تنوع المجتمع.

 

 

وتربط الورقة بين هذه المسارات وبين تراجع ثقة الجمهور في الإعلام التقليدي، وهو ما ظهر بوضوح في لحظات مفصلية، خاصة خلال الاستحقاقات الانتخابية الأخيرة، حين غابت التغطية المهنية النقدية، وانتقل جزء واسع من النقاش العام إلى منصات بديلة أقل تنظيمًا وأكثر هشاشة. لم يختفِ النقاش العام، لكنه خرج من الإطار المهني المنضبط إلى فضاءات مفتوحة على الفوضى والتضليل.

 

وتكتسب هذه الورقة أهميتها في هذا التوقيت تحديدًا، في ظل تصاعد الحديث عن إصلاح الإعلام، واتساع الفجوة بين النصوص القانونية المنظمة للمجال الصحفي وممارساته الفعلية على الأرض، بما يجعل من إعادة النظر في بنية المجال الإعلامي ضرورة ملحّة لا مجرد خيار مؤجل.

 

 

وتُقدَّم هذه الورقة بوصفها مساهمة تحليلية مستقلة في النقاش الدائر حول تطوير الإعلام، وتهدف إلى تشخيص أزمة الصحافة المصرية من منظور بنيوي، مع طرح مجموعة من التوصيات التي يمكن الاستفادة منها ضمن أعمال لجنة تطوير الإعلام، دون أن تمثل بالضرورة موقفًا رسميًا أو معتمدًا عنها.

 

 

وتخلص الورقة إلى أن استعادة الصحافة لدورها لا يمكن أن تتم عبر حلول سريعة أو ترقيعات تقنية، بل عبر مسار إصلاحي تراكمي وجاد، يقوم على خطوات مرحلية قابلة للنقاش والتطوير، وليس قرارات فجائية معزولة عن الواقع، ومن أبرز هذه الخطوات:

 

 

– مراجعة الإطار التشريعي المنظم للإعلام، وإلغاء النصوص التي تشرعن الحجب والرقابة وتقيّد العمل الصحفي.

 

– إنهاء الحبس في قضايا النشر، واحترام الضمانات الدستورية لحرية التعبير.

 

– الإسراع بإصدار قانون حرية تداول المعلومات، باعتباره حجر الأساس لأي صحافة مهنية قادرة على المساءلة.

 

– تحسين مناخ الحريات ووقف التدخلات غير الرسمية في الشأن الصحفي.

 

– دعم استدامة المؤسسات الصحفية اقتصاديًا بوصفها مؤسسات تقدم خدمة عامة.

 

– الاستثمار في تدريب الصحفيين وبناء قدراتهم، خاصة في مجالات الصحافة الرقمية والتحقق من المعلومات.

 

وتؤكد هذه الورقة أن أزمة الصحافة ليست شأنًا مهنيًا يخص الصحفيين وحدهم، بل قضية تمس حق المجتمع في المعرفة، وجودة المجال العام، وحدود المساءلة والشفافية.

 

إعداد: الكاتب الصحفي محمد سعد عبد الحفيظ

 

نُشرت هذه الورقة البحثية عبر المرصد المصري للصحافة والإعلام، ضمن جهوده البحثية الهادفة إلى دعم النقاش العام حول حرية الصحافة وتطوير السياسات الإعلامية، وتعزيز بيئة مهنية أكثر استقلالًا وتعددية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى