
منذ اللحظة الأولى، لم تنظر نسرين صادق إلى الصحافة كوظيفة بل كمسار حياة مليء بالأسئلة والاختبارات، بين التحقيقات الصحفية والعمل العام، تشكلت تجربتها عبر وقائع قاسية ولحظات إنسانية فارقة صنعت صحفية تعرف أن الحقيقة لا تُكتب من بعيد، وأن الانحياز للناس هو جوهر المهنة.
وُلدت نسرين صادق في مدينة دسوق بمحافظة كفر الشيخ، قبل أن تستقر أسرتها بمحافظة دمياط، حيث تلقت مراحل تعليمها، نشأت في بيت يقدس الانضباط، فالأم مهندسة زراعية، شغلت منصب مديرة مراكز الإرشاد الزراعي وامتلكت عقلًا إداريًا صارمًا وحسًا إنسانيًا حاضرًا، والأب رئيس مصلحة الضرائب، نموذج للدقة والنظام والمسؤولية، بين هذين النموذجين، تشكّل وعي مبكر يحترم المعرفة ويقدر الجهد.
دخل حب الصحافة حياتها مبكرًا، دون تخطيط فعشقت قراءة أبواب معينة بجريدة الأهرام وكان يوم الخميس موعدًا ثابتًا مع صحيفة الوفد، أما مجلة الشباب كانت تنتظرها بشغف، بحثًا عن عوالم نبيل فاروق ومحمود سالم، لم تكن القراءة مجرد هواية بالنسبة لنسرين، بل نافذة دائمة على عالم أوسع.
في المرحلة الابتدائية، بدأت تجربتها الأولى مع إصدار مجلة بطريقتها الخاصة؛ كانت تقص أبوابًا بعينها من جريدة الأهرام ثم تجمعها في “كشكول” وتصنع منها مجلة صغيرة، انجذبت بشكل خاص إلى “حدث في مثل هذا اليوم” و”صدق أو لا تصدق”، والاحتفاليات الهامة في الصفحة الأخيرة بالجريدة.
في المرحلة الثانوية التحقت بشعبة علمي علوم، وكان حلمها الالتحاق بكلية الصيدلة اقترب الحلم كثيرًا ثم تعثر عند نصف درجة فقط، حينئذ التحقت بكلية الإعلام جامعة القاهرة، وأعجبت بموادها، لكنها قررت ألا تتخلى عن حلمها وتلجأ إلى التحسين، إلا أن القدر عاجلها بمفاجأة فأُلغيت قرارات التحسين عام 1997 للمرة الأولى.
اعتبرت نسرين تلك الفترة اختبارًا قاسيًا، وتوقعت الفشل لكنها فوجئت بنتائج الترم الأول بتقديرات دراسية بين جيد جدًا وامتياز، واصلت الدراسة، وكانت تميل إلى قسم الإذاعة والتلفزيون، قبل أن تقودها درجاتها الأعلى في مواد الصحافة إلى هذا القسم.
في سنوات الجامعة، جاءت أول فرصة مهنية كأنها مصادفة محسوبة، اقترحت إحدى صديقاتها الذهاب إلى جريدة “المدينة المنورة” السعودية، لم تتردد كثيرًا فخاضت التجربة وبدأت العمل بقسم الفن والثقافة، القسم الأقرب إلى شغفها وحساسيتها تجاه التفاصيل في ذلك التوقيت.
عام 2000، كان عام الاختبار الحقيقي ففي إحدى اللحظات الفارقة، قررت أن تتواصل مع الأديب الكبير نجيب محفوظ، فاتصلت على هاتف منزله، بصوت يحاول التماسك قبل أن ترد زوجته بهدوء قائلة: “الأستاذ بيقولك لو يناسبك يوم التلات الساعة خمسة؟”.
تصف أن الجملة كانت قصيرة لكنها حملت ثقل اللحظة ، لم تذهب إلى اللقاء بشكل عشوائي فقبل الموعد، توجهت إلى المجلس الأعلى للإعلام واطلعت على كل قصاصة ذُكر فيها اسم نجيب محفوظ قرأت ودققت وجمعت تفاصيل لم تكن شائعة أو مستهلكة، لم تكن تبحث عن أسئلة تقليدية، بل عن مفاتيح تفتح باب الحوار الحقيقي.
حين جلست أمام محفوظ، كانت تمتلك ما هو أهم من الجرأة وهو سلاح المعرفة ليخرج الحوار ناجحًا ومتماسكًا ومختلفًا لأن التحضير كان على قدر القيمة وفي تلك اللحظة، أدركت أن الصحافة ليست سؤالًا يُطرح، بل معرفة تُبنى.
بعد تخرجها من كلية الإعلام كان طريق نسرين صادق واضحًا دون التفاف فقصدت جريدة الجمهورية وهناك بدأت رحلتها المهنية الحقيقية في توقيت كانت فيه الصحافة تمارس دورها الخدمي والرقابي بوضوح فالتحقت بقسم حديث الإنشاء آنذاك، حمل اسم “139 جمهورية”، وهو القسم الذي أسسه الكاتب الكبير سمير رجب عام 2001، ليكون نافذة مباشرة لشكاوى المواطنين.
لم يكن القسم تقليديًا فالمواطن يرسل شكواه، والصحفي يتوجه إلى الشارع ليتحقق ويسأل ويكتب تحقيقات مبنية على الألم اليومي للناس، ويواجه المشكلات مباشرة، كانت نسرين جزءً من هذا النسيج الإنساني أجرت تحقيقات، وفتحت ملفات هامة في حوارات مع مسؤولين ووضعت أمامهم حصيلة شكاوى تراكمت عبر الزمن.
من بين الوقائع التي لا تُنسى، صورة لفتاة تائهة في شارع عماد الدين أرسلها مأمور قسم الأزبكية إلى جريدة الجمهورية بعد أن قررت النيابة إيداعها دار رعاية، وقبل تنفيذ القرار، طلب منها المأمور نشر الصورة على الموقع الإلكتروني للجريدة وبالصدفة البحتة، شاهدت جدة الفتاة الصورة من الولايات المتحدة الأمريكية وتعرفت عليها، تقول: علمنا أن الطفلة خُطفت من أمام منزلها في شبرا لسرقة قرطها الذهبي.
واقعة أخرى تركت أثرًا لا يمحى داخل نسرين، ففي يوم جمعة بحي الحسين اشتبهت إحدى السيدات في طفل صغير يجلس مع سيدة تتسول، لم تتركه واتهمت السيدة بخطفه، ففرت الأخيرة وتركت الطفل خلفها، قررت الجهات المعنية حينها إبقاؤه مؤقتًا مع السيدة التي عثرت عليه قبل إيداعه دار رعاية، الطفل قال اسمه واسم والده الذي يعيش في العريش، بدا الخيط ضعيفًا لكنه كان كافيًا.
تقول: بالتنسيق مع قسم ثان العريش وصلنا إلى الأب الذي جاء القاهرة وكان مشهد اللقاء لا يُنسى السيجارة سقطت من يده وكادت تحرق ملابسه، وابتسامة الطفل كأنه وجد ضالته أخيرًا.
تلك اللحظات أكدت لها أن “النداهة” صرخت باسمها في هذا الاتجاه، وعلمت أن الصحافة يمكن أن تكون يدًا تمتد للناس، فلم تؤثر هذه الوقائع سلبًا على حالتها النفسية بل منحتها دافعًا للاستمرار.
تلقت دعمًا لا يُنسى من الكاتبة الصحفية جمالات يونس، والكاتب الصحفي علي هاشم اللذين فتحا لها أبواب الفرص وأتاحا لها إجراء حوارات ما زالت تحتفظ بها حتى اليوم فكانت أصغر المنضمين إلى لجنة القيد بنقابة الصحفيين في 26 ديسمبر 2004.
قدّمت تحقيقات فارقة، من بينها تحقيق بعنوان “من ينفذ القانون على وزارة تنفيذ القانون؟”، تناول أحكام نهائية حصل عليها مواطنين من المحكمة الإدارية العليا بمجلس الدولة ضد وزارة الداخلية دون تنفيذ، لم يكن التحقيق صرخة فقط بل تحركًا فعليًا إذ تواصلت الجهات المختصة مع الحالات ونُفذت الأحكام.
واجهت مواقف صعبة، منها مرافقة مسجل خطر تعرض لظلم من خاله، حين سألها مأمور القسم: “مامتك عارفة إنك جاية مع ده؟”، كان ردها حاسمًا: “هو مسجل خطر لكنه مواطن، وفي الواقعة دي صاحب حق”.
في فبراير 2008 انتقلت إلى قسم الحوادث، وتولت تغطية وزارة الداخلية وأخبار النيابات والمحاكم، ثم في مارس 2017 انتقلت إلى قسم الأخبار لتغطية وزارة الإسكان، قبل أن تتولى عام 2020 رئاسة قسم الإسكان والمشروعات القومية.
لم تأتِ تجربة العمل العام في حياة نسرين صادق كخطة مسبقة، بل كنداء تأخر قليلًا حتى اكتملت أدواته، البداية كانت في عام 2010 عندما عملت مع الكاتب الصحفي محمد نور، رئيس تحرير مجلة “حريتي” آنذاك، وقدمت بابين ثابتين: “العِبرة لمن يعتبر” و”قول يا قلم”.
عرض عليها “نور” خوض انتخابات جمعية عمومية ترددت وقالت بصراحة إن هذا المسار ليس من اتجاهاتها، لتمر السنوات، وفي عام 2014، شعرت بأن هناك أشياء لا ترضاها وأيقنت أن الاكتفاء بالمشاهدة لم يعد كافيًا فقررت الترشح لانتخابات مجلس إدارة الجمهورية لتكون أصغر مرشحة في السباق.
لم يكن الطريق سهلًا فتعرضت للتنمر بسبب سنها، وشكك البعض في قدرتها لكن ما كان بداخلها من ثقة تجاوز الضجيج لتأتي المفاجأة بالنجاح، لم تنجح فقط، بل أصبحت أول امرأة منتخبة في تاريخ جريدة الجمهورية بحصولها على 148 صوتًا.
الإدارة كانت اختبارًا من نوع مختلف في البداية، واجهت تفاصيل لم تكن تفهمها بالكامل، لكنها اختارت طريق التعلم، أحضرت لائحة الجمهورية ثم درست اللائحة النموذجية للمؤسسات الصحفية، وتعلمت من زملائها في المجلس دون حرج ما كان يبدو معقدًا، كالموازنات والميزانيات، الأمر الذي أصبح مع الوقت مفهومًا وسهلًا بعد أن كان من أكثر الملفات صعوبة بالنسبة لها.
في عام 2017، خاضت انتخابات أمين عام مجلس إدارة المؤسسة وأصبحت أول امرأة تشغل هذا المنصب في تجربة عززت إيمانها بأن العمل العام ليس وجاهة أو مقاعد بل مسؤولية وصبر وقدرة على الفهم واتخاذ القرار.
في مسيرة العمل الصحفي، تبقى بعض الوقائع محفورة في الذاكرة، لا لأنها كانت سبقًا صحفيًا بل لأنها اختبرت الإنسان، من بين هذه اللحظات يوم 29 يناير 2011، حين قُتل الرائد محمد خفاجي معاون مباحث قسم روض الفرج، بعد أن حمل كافة الأسلحة بالقسم داخل سيارته خوفًا من سرقته ثم عاد به بعد أن هدأت الأوضاع، لم يعرفه أفراد اللجان الشعبية، رأوا السلاح فأطلقوا عليه النار، تقول: لن أنسى مهما حييت قصته.
واقعة أخرى لا تنساها نسرين كانت حادث اغتيال النائب العام المستشار هشام بركات، يوم 29 يونيو 2015، فتلقت مكالمة تفيد بمحاولة الاغتيال وتوجهت فورًا إلى موقع الحادث، ما بقي في ذاكرتها ليس فقط حجم الانفجار بل شهادات الناس، أحد العمال قال لها: “كنا في المحل، ولما شفنا اللي حصل قلنا القيامة قامت، وإحنا دخلنا النار”، جملة بسيطة لكنها لخّصت هول المشهد وأعادت تعريف معاني الخوف، حسبما وصفت.
أما الواقعة الثالثة، فكانت الأقسى على الإطلاق، ففي 20 سبتمبر 2014، وقع تفجير بالقرب من وزارة الخارجية أودى بحياة المقدم محمد أبو سريع، صديق زوجها، فكان الشاهد الوحيد في قضية وادي النطرون، وبعد أن صار مرصودًا من قبل العناصر الإجرامية نُقل من قطاع السجون ليستشهد فيما بعد في التفجير، في موقع الحادث عند كوبري 15 مايو واجهت مشهدًا لن تنساه: أشلاء بشرية ودماء متناثرة لصديق زوجها.
رغم حبها الشديد لقسم الحوادث، وعلاقتها الجيدة بمصادرها إلا أن التراكم النفسي لحوادث الاغتيال كان أكبر من الاحتمال، في عام 2017 قررت ترك القسم حفاظًا على إنسانيتها قبل مهنيتها، وفي ختام التجربة، تقدم نصيحة بسيطة للأجيال الجديدة في الصحافة: اقرأوا كثيرًا، وسلّحوا أنفسكم بالمعرفة، وقبل أي حوار صحفي، خذوا خلفية حقيقية عن المصدر فالصحافة ليست سرعة فقط بل فهم ومسؤولية ووعي بما نكتب عنه ولمن نكتب.
وُلدت نسرين صادق في مدينة دسوق بمحافظة كفر الشيخ، قبل أن تستقر أسرتها بمحافظة دمياط، حيث تلقت مراحل تعليمها، نشأت في بيت يقدس الانضباط، فالأم مهندسة زراعية، شغلت منصب مديرة مراكز الإرشاد الزراعي وامتلكت عقلًا إداريًا صارمًا وحسًا إنسانيًا حاضرًا، والأب رئيس مصلحة الضرائب، نموذج للدقة والنظام والمسؤولية، بين هذين النموذجين، تشكّل وعي مبكر يحترم المعرفة ويقدر الجهد.
دخل حب الصحافة حياتها مبكرًا، دون تخطيط فعشقت قراءة أبواب معينة بجريدة الأهرام وكان يوم الخميس موعدًا ثابتًا مع صحيفة الوفد، أما مجلة الشباب كانت تنتظرها بشغف، بحثًا عن عوالم نبيل فاروق ومحمود سالم، لم تكن القراءة مجرد هواية بالنسبة لنسرين، بل نافذة دائمة على عالم أوسع.
في المرحلة الابتدائية، بدأت تجربتها الأولى مع إصدار مجلة بطريقتها الخاصة؛ كانت تقص أبوابًا بعينها من جريدة الأهرام ثم تجمعها في “كشكول” وتصنع منها مجلة صغيرة، انجذبت بشكل خاص إلى “حدث في مثل هذا اليوم” و”صدق أو لا تصدق”، والاحتفاليات الهامة في الصفحة الأخيرة بالجريدة.
في المرحلة الثانوية التحقت بشعبة علمي علوم، وكان حلمها الالتحاق بكلية الصيدلة اقترب الحلم كثيرًا ثم تعثر عند نصف درجة فقط، حينئذ التحقت بكلية الإعلام جامعة القاهرة، وأعجبت بموادها، لكنها قررت ألا تتخلى عن حلمها وتلجأ إلى التحسين، إلا أن القدر عاجلها بمفاجأة فأُلغيت قرارات التحسين عام 1997 للمرة الأولى.
اعتبرت نسرين تلك الفترة اختبارًا قاسيًا، وتوقعت الفشل لكنها فوجئت بنتائج الترم الأول بتقديرات دراسية بين جيد جدًا وامتياز، واصلت الدراسة، وكانت تميل إلى قسم الإذاعة والتلفزيون، قبل أن تقودها درجاتها الأعلى في مواد الصحافة إلى هذا القسم.
في سنوات الجامعة، جاءت أول فرصة مهنية كأنها مصادفة محسوبة، اقترحت إحدى صديقاتها الذهاب إلى جريدة “المدينة المنورة” السعودية، لم تتردد كثيرًا فخاضت التجربة وبدأت العمل بقسم الفن والثقافة، القسم الأقرب إلى شغفها وحساسيتها تجاه التفاصيل في ذلك التوقيت.
عام 2000، كان عام الاختبار الحقيقي ففي إحدى اللحظات الفارقة، قررت أن تتواصل مع الأديب الكبير نجيب محفوظ، فاتصلت على هاتف منزله، بصوت يحاول التماسك قبل أن ترد زوجته بهدوء قائلة: “الأستاذ بيقولك لو يناسبك يوم التلات الساعة خمسة؟”.
تصف أن الجملة كانت قصيرة لكنها حملت ثقل اللحظة ، لم تذهب إلى اللقاء بشكل عشوائي فقبل الموعد، توجهت إلى المجلس الأعلى للإعلام واطلعت على كل قصاصة ذُكر فيها اسم نجيب محفوظ قرأت ودققت وجمعت تفاصيل لم تكن شائعة أو مستهلكة، لم تكن تبحث عن أسئلة تقليدية، بل عن مفاتيح تفتح باب الحوار الحقيقي.
حين جلست أمام محفوظ، كانت تمتلك ما هو أهم من الجرأة وهو سلاح المعرفة ليخرج الحوار ناجحًا ومتماسكًا ومختلفًا لأن التحضير كان على قدر القيمة وفي تلك اللحظة، أدركت أن الصحافة ليست سؤالًا يُطرح، بل معرفة تُبنى.
بعد تخرجها من كلية الإعلام كان طريق نسرين صادق واضحًا دون التفاف فقصدت جريدة الجمهورية وهناك بدأت رحلتها المهنية الحقيقية في توقيت كانت فيه الصحافة تمارس دورها الخدمي والرقابي بوضوح فالتحقت بقسم حديث الإنشاء آنذاك، حمل اسم “139 جمهورية”، وهو القسم الذي أسسه الكاتب الكبير سمير رجب عام 2001، ليكون نافذة مباشرة لشكاوى المواطنين.
لم يكن القسم تقليديًا فالمواطن يرسل شكواه، والصحفي يتوجه إلى الشارع ليتحقق ويسأل ويكتب تحقيقات مبنية على الألم اليومي للناس، ويواجه المشكلات مباشرة، كانت نسرين جزءً من هذا النسيج الإنساني أجرت تحقيقات، وفتحت ملفات هامة في حوارات مع مسؤولين ووضعت أمامهم حصيلة شكاوى تراكمت عبر الزمن.
من بين الوقائع التي لا تُنسى، صورة لفتاة تائهة في شارع عماد الدين أرسلها مأمور قسم الأزبكية إلى جريدة الجمهورية بعد أن قررت النيابة إيداعها دار رعاية، وقبل تنفيذ القرار، طلب منها المأمور نشر الصورة على الموقع الإلكتروني للجريدة وبالصدفة البحتة، شاهدت جدة الفتاة الصورة من الولايات المتحدة الأمريكية وتعرفت عليها، تقول: علمنا أن الطفلة خُطفت من أمام منزلها في شبرا لسرقة قرطها الذهبي.
واقعة أخرى تركت أثرًا لا يمحى داخل نسرين، ففي يوم جمعة بحي الحسين اشتبهت إحدى السيدات في طفل صغير يجلس مع سيدة تتسول، لم تتركه واتهمت السيدة بخطفه، ففرت الأخيرة وتركت الطفل خلفها، قررت الجهات المعنية حينها إبقاؤه مؤقتًا مع السيدة التي عثرت عليه قبل إيداعه دار رعاية، الطفل قال اسمه واسم والده الذي يعيش في العريش، بدا الخيط ضعيفًا لكنه كان كافيًا.
تقول: بالتنسيق مع قسم ثان العريش وصلنا إلى الأب الذي جاء القاهرة وكان مشهد اللقاء لا يُنسى السيجارة سقطت من يده وكادت تحرق ملابسه، وابتسامة الطفل كأنه وجد ضالته أخيرًا.
تلك اللحظات أكدت لها أن “النداهة” صرخت باسمها في هذا الاتجاه، وعلمت أن الصحافة يمكن أن تكون يدًا تمتد للناس، فلم تؤثر هذه الوقائع سلبًا على حالتها النفسية بل منحتها دافعًا للاستمرار.
تلقت دعمًا لا يُنسى من الكاتبة الصحفية جمالات يونس، والكاتب الصحفي علي هاشم اللذين فتحا لها أبواب الفرص وأتاحا لها إجراء حوارات ما زالت تحتفظ بها حتى اليوم فكانت أصغر المنضمين إلى لجنة القيد بنقابة الصحفيين في 26 ديسمبر 2004.
قدّمت تحقيقات فارقة، من بينها تحقيق بعنوان “من ينفذ القانون على وزارة تنفيذ القانون؟”، تناول أحكام نهائية حصل عليها مواطنين من المحكمة الإدارية العليا بمجلس الدولة ضد وزارة الداخلية دون تنفيذ، لم يكن التحقيق صرخة فقط بل تحركًا فعليًا إذ تواصلت الجهات المختصة مع الحالات ونُفذت الأحكام.
واجهت مواقف صعبة، منها مرافقة مسجل خطر تعرض لظلم من خاله، حين سألها مأمور القسم: “مامتك عارفة إنك جاية مع ده؟”، كان ردها حاسمًا: “هو مسجل خطر لكنه مواطن، وفي الواقعة دي صاحب حق”.
في فبراير 2008 انتقلت إلى قسم الحوادث، وتولت تغطية وزارة الداخلية وأخبار النيابات والمحاكم، ثم في مارس 2017 انتقلت إلى قسم الأخبار لتغطية وزارة الإسكان، قبل أن تتولى عام 2020 رئاسة قسم الإسكان والمشروعات القومية.
لم تأتِ تجربة العمل العام في حياة نسرين صادق كخطة مسبقة، بل كنداء تأخر قليلًا حتى اكتملت أدواته، البداية كانت في عام 2010 عندما عملت مع الكاتب الصحفي محمد نور، رئيس تحرير مجلة “حريتي” آنذاك، وقدمت بابين ثابتين: “العِبرة لمن يعتبر” و”قول يا قلم”.
عرض عليها “نور” خوض انتخابات جمعية عمومية ترددت وقالت بصراحة إن هذا المسار ليس من اتجاهاتها، لتمر السنوات، وفي عام 2014، شعرت بأن هناك أشياء لا ترضاها وأيقنت أن الاكتفاء بالمشاهدة لم يعد كافيًا فقررت الترشح لانتخابات مجلس إدارة الجمهورية لتكون أصغر مرشحة في السباق.
لم يكن الطريق سهلًا فتعرضت للتنمر بسبب سنها، وشكك البعض في قدرتها لكن ما كان بداخلها من ثقة تجاوز الضجيج لتأتي المفاجأة بالنجاح، لم تنجح فقط، بل أصبحت أول امرأة منتخبة في تاريخ جريدة الجمهورية بحصولها على 148 صوتًا.
الإدارة كانت اختبارًا من نوع مختلف في البداية، واجهت تفاصيل لم تكن تفهمها بالكامل، لكنها اختارت طريق التعلم، أحضرت لائحة الجمهورية ثم درست اللائحة النموذجية للمؤسسات الصحفية، وتعلمت من زملائها في المجلس دون حرج ما كان يبدو معقدًا، كالموازنات والميزانيات، الأمر الذي أصبح مع الوقت مفهومًا وسهلًا بعد أن كان من أكثر الملفات صعوبة بالنسبة لها.
في عام 2017، خاضت انتخابات أمين عام مجلس إدارة المؤسسة وأصبحت أول امرأة تشغل هذا المنصب في تجربة عززت إيمانها بأن العمل العام ليس وجاهة أو مقاعد بل مسؤولية وصبر وقدرة على الفهم واتخاذ القرار.
في مسيرة العمل الصحفي، تبقى بعض الوقائع محفورة في الذاكرة، لا لأنها كانت سبقًا صحفيًا بل لأنها اختبرت الإنسان، من بين هذه اللحظات يوم 29 يناير 2011، حين قُتل الرائد محمد خفاجي معاون مباحث قسم روض الفرج، بعد أن حمل كافة الأسلحة بالقسم داخل سيارته خوفًا من سرقته ثم عاد به بعد أن هدأت الأوضاع، لم يعرفه أفراد اللجان الشعبية، رأوا السلاح فأطلقوا عليه النار، تقول: لن أنسى مهما حييت قصته.
واقعة أخرى لا تنساها نسرين كانت حادث اغتيال النائب العام المستشار هشام بركات، يوم 29 يونيو 2015، فتلقت مكالمة تفيد بمحاولة الاغتيال وتوجهت فورًا إلى موقع الحادث، ما بقي في ذاكرتها ليس فقط حجم الانفجار بل شهادات الناس، أحد العمال قال لها: “كنا في المحل، ولما شفنا اللي حصل قلنا القيامة قامت، وإحنا دخلنا النار”، جملة بسيطة لكنها لخّصت هول المشهد وأعادت تعريف معاني الخوف، حسبما وصفت.
أما الواقعة الثالثة، فكانت الأقسى على الإطلاق، ففي 20 سبتمبر 2014، وقع تفجير بالقرب من وزارة الخارجية أودى بحياة المقدم محمد أبو سريع، صديق زوجها، فكان الشاهد الوحيد في قضية وادي النطرون، وبعد أن صار مرصودًا من قبل العناصر الإجرامية نُقل من قطاع السجون ليستشهد فيما بعد في التفجير، في موقع الحادث عند كوبري 15 مايو واجهت مشهدًا لن تنساه: أشلاء بشرية ودماء متناثرة لصديق زوجها.
رغم حبها الشديد لقسم الحوادث، وعلاقتها الجيدة بمصادرها إلا أن التراكم النفسي لحوادث الاغتيال كان أكبر من الاحتمال، في عام 2017 قررت ترك القسم حفاظًا على إنسانيتها قبل مهنيتها، وفي ختام التجربة، تقدم نصيحة بسيطة للأجيال الجديدة في الصحافة: اقرأوا كثيرًا، وسلّحوا أنفسكم بالمعرفة، وقبل أي حوار صحفي، خذوا خلفية حقيقية عن المصدر فالصحافة ليست سرعة فقط بل فهم ومسؤولية ووعي بما نكتب عنه ولمن نكتب.



