بروفايل

ميرال صبري العشري.. أكاديمية تعمل على صحافة المعرفة في زمن القيود والتكنولوجيا

تمثل أ.د ميرال صبري العشري نموذجًا نادرًا يجمع بين البحث الأكاديمي الرصين والممارسة الصحفية المنخرطة في قضايا الصراع والتحول الرقمي، مسيرة ممتدة بين الجامعات وغرف الأخبار، وانشغال دائم بحرية الإعلام، وتحديات التكنولوجيا، ودور الصحفي في زمن تتغير فيه أدوات المهنة وحدودها.

وُلدت الدكتورة ميرال صبري العشري في مدينة طنطا، وفي سن مبكرة بدأت رحلتها مع التنقل والاغتراب، حيث سافرت مع أسرتها إلى العراق بعد عامين فقط من ميلادها، وقضت هناك سنوات التعليم الابتدائي، ما أسهم في تشكيل وعي مبكر بثقافات متعددة وبيئات مختلفة، لاحقًا، انتقلت الأسرة إلى زيمبابوي، في إطار عمل والدها، لتتسع خبراتها الحياتية والإنسانية خارج الحدود المصرية.

عادت ميرال إلى مصر لتستقر أكاديميًا، فالتحقت بكلية البنات جامعة عين شمس ودرست الإعلام، حيث بدأت مسارًا علميًا واضح المعالم. تدرجت داخل الجامعة حتى تعيينها بها، ثم حصلت على درجتي الماجستير والدكتوراه من جامعة عين شمس، لتؤسس مسيرة أكاديمية تجمع بين التكوين العلمي الرصين والخبرة الحياتية المتنوعة، وهو ما انعكس لاحقًا على اهتماماتها البحثية ورؤيتها المهنية.

كانت الشرارة الأولى لاقتحام الدكتورة ميرال صبري العشري عالم الصحافة نابعة من شغف مبكر بالمهنة، بدأ منذ سنوات الطفولة، حيث انجذبت إلى دور الصحفي في كشف الحقائق وصناعة الوعي، واتخذ هذا الشغف شكلًا أكثر وضوحًا مع تأثرها بتجربة الصحفية الفلسطينية جيفارا البديري، مراسلة قناة الجزيرة، المعروفة بتغطياتها الميدانية الجريئة للقضية الفلسطينية، خاصة أحداث حي الشيخ جراح، وما تعرضت له من انتهاكات أثناء أداء عملها، لتصبح نموذجًا للصحفية المنخرطة في قلب الحدث.

الفرصة المهنية الأولى جاءت خلال وجودها في إنجلترا عام 2011، أثناء حصولها على منحة، حيث أتاح لها أحد زملائها العمل في صحيفة Passion Islamiq، وهي جريدة ذات توزيع واسع، متخصصة في تغطية شؤون الحركات الإسلامية في مختلف دول العالم.

هناك بدأت أولى تجاربها الصحفية العملية، بالتوازي مع خلفيتها الأكاديمية، في تلك المرحلة، تركز اهتمامها على الأحداث المتسارعة في ليبيا، فانخرطت في تغطية النزاع الليبي، معتمدة على شبكة من المصادر الليبية خلال فترات الصراع والحروب، وكرست جهدًا خاصًا لفهم تعقيدات المشهد الليبي سياسيًا واجتماعيًا وقبليًا.

مثّلت هذه التجربة تحديًا مركبًا؛ فكونها في الأصل أكاديمية تطلب الأمر وقتًا وتدريبًا مكثفًا للانتقال إلى الصحافة الميدانية والتغطية الفعلية. كما واجهت تحدي العمل في دولة ذات طبيعة قبلية وصراع داخلي وانقسام سياسي حاد. ومع ذلك، تمكنت من بناء حضور مهني، وشاركت في مؤتمر ببنغازي، ليس فقط كضيفة، بل كإحدى المنظمات، وأجرت مقابلات متعددة مع مصادر ليبية، ما عمّق فهمها للمشهد وأسهم في انتقالها إلى مرحلة التحليل السياسي.

ومنذ عام 2011 وحتى اليوم، تواصل الدكتورة ميرال العمل على الملف الليبي، ويمتد إنتاجها البحثي إلى إصدار كتاب يتناول ليبيا منذ حقبة القذافي، مرورًا بالتحولات السياسية، وبدايات ما سُمي بالتحول الديمقراطي، وصولًا إلى التلاعب المعاصر بملفي البترول والغاز، في قراءة توثيقية وتحليلية لمسار دولة ما زالت في قلب الصراع.

شكّلت الخبرة المهنية والأكاديمية المتراكمة للدكتورة ميرال صبري العشري مسارًا متكاملًا يجمع بين التدريب، البحث، والإدارة الأكاديمية، مع حضور فعّال في قضايا الإعلام وحرية التعبير إقليميًا ودوليًا. فقد عملت مع أكاديمية دويتشه فيله (DW)، وأسهمت خلال فترة جائحة كورونا في تنفيذ عدد كبير من التدريبات للصحفيين، ركزت على مهارات التغطية في الأزمات، والسلامة المهنية، والأمن الرقمي، وحققت هذه البرامج نجاحًا لافتًا في ظل ظروف استثنائية فرضت أنماطًا جديدة للتعلم والعمل الصحفي عن بُعد.

امتد نشاط الدكتورة ميرال صبري العشري التدريبي إلى قاعات الجامعات الدولية، حيث شاركت في التدريس والتأهيل الأكاديمي في بيئات تعليمية متعددة الثقافات، ما عزز من رؤيتها لأهمية الربط بين التعليم النظري والممارسة المهنية. وتُعد فترة عملها كوكيلة لكلية الإعلام بجامعة المستقبل من المحطات الفارقة في مسيرتها، إذ حصلت خلالها على جائزة الدولة في العلوم الاجتماعية للمرأة عام 2023، وحسبما وصفت بأن حصولها على جائزة الدولة التشجيعية عن أبحاثها لعام 2023 تجربة لا تُنسى، كونها الصحفية والأكاديمية الوحيدة بكلية الإعلام التي نالت هذه الجائزة استنادًا إلى أبحاث علمية مُحكّمة.

وتوالت الجوائز والتكريمات، حيث حازت العشري على جائزة أفضل باحثة في مؤتمر الأمن السيبراني والتشفير لعام 2024، عن بحثها الجريء حول تأثير القوانين المصرية على حرية الوصول إلى المعلومات، ودرّست في جامعات مرموقة، من بينها الجامعة الأمريكية بالقاهرة وجامعة المستقبل، حيث تولت مناصب أكاديمية وإدارية رفيعة.

أشرفت الدكتورة ميرال على عشرات الرسائل العلمية، وأسهمت في تنظيم مؤتمرات نوعية، من بينها: «مصر في عالم متغير»، «الصحافة العلمية العربية في عصر الإعلام الرقمي»، و«الجمهورية الجديدة: نحو مستقبل أفضل». ومنذ عام 2019، غطّت عشرات الملفات الساخنة في ليبيا وسوريا واليمن، وكتبت تحليلات معمقة حول الجغرافيا السياسية للمنطقة، مع اهتمام خاص بتقاطعات التكنولوجيا والإعلام والسياسة، لا سيما في عصر الذكاء الاصطناعي.

نشرت العشري أكثر من 28 بحثًا علميًا محكّمًا في مجلات دولية مصنفة (Q1 وQ2)، وأصدرت 6 كتب أكاديمية تناولت قضايا حرية التعبير، أخلاقيات الإعلام، الأمن الرقمي، والتحول الرقمي في الإعلام العربي. كما نالت جائزة أفضل ورقة علمية عام 2022 من Emerald Literati Awards عن بحثها عن قبول القيود وإدراك المخاطر لدى الأجيال الشابة في سياق جائحة كورونا.

قادت شبكة خريجي DW في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا منذ عام 2020 حتى عام 2023، فأشرفت على تدريبات متخصصة للصحفيين، انطلاقًا من قناعتها بأن تطوير التعليم الإعلامي يبدأ بتحويل المناهج إلى مناهج عملية، مع ترك الجوانب النظرية للدراسات العليا، في ظل حاجة ملحّة لمواكبة التطورات التكنولوجية المتسارعة.

وتشغل الدكتورة ميرال صبري العشري حاليًا منصب أستاذة ورئيسة برامج البكالوريوس للإعلام بجامعة شرق لندن – فرع القاهرة، كما تعمل مشاركة في قيادة ملف الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بمركز حرية الإعلام – جامعة شيفيلد، وخبيرة أكاديمية في سلامة الصحفيين بجامعة ليفربول، وعضوة بمجلس العلوم الاجتماعية والإنسانية وأبحاث السكان بأكاديمية البحث العلمي، إلى جانب عملها كمراسلة تغطي الصراع في ليبيا لصالح Eurasia Review، لتجسد نموذجًا متكاملًا للأكاديمية والصحفية المنخرطة في قضايا عصرها.

ترى الدكتورة ميرال صبري العشري أن تقييم واقع حرية الإعلام في المنطقة العربية لا يمكن فصله عن الإطار القانوني والتشريعي والسياسات العامة الحاكمة لكل دولة، فضلًا عن التحديات الخارجية المحيطة بها. فحرية الإعلام – من وجهة نظرها – مرآة مباشرة لطبيعة النظام السياسي نفسه، وهل هو نظام ديمقراطي يسمح بتعدد الأصوات، أم نظام سلطوي يفرض قيودًا على تدفق المعلومات ويضيق المجال العام.

وتؤكد العشري أن الدول العربية عقب ثورات الربيع العربي لم تتجه إلى توسيع هامش الحرية كما كان مأمولًا، بل على العكس، فرضت قيودًا أشد على المحتوى الإعلامي، مدفوعة بمخاوف تتعلق بالأمن والاستقرار، وهو ما انعكس في تشريعات أكثر صرامة، ورقابة مشددة على الإعلام التقليدي والرقمي على حد سواء.

وتشير إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد تصاعدًا غير مسبوق لدور التكنولوجيا، ومعها سيرتفع صوت المجتمعات، خاصة في ظل الحروب والنزاعات العالمية المتلاحقة. ورغم القيود والتشريعات، فإن الإعلام لم يعد خاضعًا للرقابة الداخلية فقط، بل أصبح مراقَبًا خارجيًا أيضًا، في إطار منظومة عالمية معقدة، ما يجعل هذا التحدي عابرًا للحدود وليس محليًا فقط.
وتحذر العشري من أن الصحافة التقليدية في الشرق الأوسط مهددة بالتراجع وربما الاندثار، بسبب عدم مواكبة المؤسسات الصحفية للتطور التكنولوجي، مقارنة بالمؤسسات الدولية التي تمتلك أنظمة متكاملة لإدارة المحتوى، والتحقق، وتحليل البيانات، والنشر متعدد المنصات. وترى أن التحدي الحقيقي خلال السنوات القادمة هو أن الأخبار المكتوبة بصيغتها التقليدية ستنتهي، لتحل محلها منصات رقمية متطورة تضخ استثمارات ضخمة لمواكبة التحول الرقمي.

وتستشهد بتجربة صحفي في الغارديان يعمل على المصادر المفتوحة، استطاع من خلال أدوات تحليل البيانات والصور أن يجمع معلومات دقيقة عن سجن صيدنايا، في مثال كاشف لقوة الصحافة المدفوعة بالتكنولوجيا، مقارنة بالإعلام التقليدي العاجز عن المنافسة.

وفي سياق الصحافة المصرية، ترى العشري أن الصحافة تقف أمام حالة تهديد أكثر من كونها فرصة، لأن التطوير الحقيقي للصحفيين وتأهيلهم مهنيًا وتقنيًا يحتاج إلى استثمارات مالية ضخمة لا تتوافر حاليًا بالشكل الكافي.

أما فيما يخص الذكاء الاصطناعي، فترى أن خطورته لا تكمن في الأداة ذاتها، بل في الأيديولوجيا التي تُغذّيها. فالكثير من النصوص والمنتجات الرقمية تكون منحازة أيديولوجيًا، لا سيما في القضايا الكبرى مثل القضية الفلسطينية، ما يفرض على المؤسسات الصحفية العربية العمل بجهد أكبر من خلال تقارير ميدانية حقيقية من أرض الواقع لمواجهة السرديات الخارجية.

وتوضح أن غرف الأخبار في عام 2022 لم تكن تستخدم الذكاء الاصطناعي، بينما يقتصر استخدامه حاليًا على عمليات التحرير الفني، دون الاشتباك مع البعد الأيديولوجي للمحتوى، وهو فارق جوهري في التأثير.

وترى العشري أن الصحفي العربي بات يعمل بشكل فردي، في ظل تراجع دعم المؤسسات، ما يفرض عليه تطوير نفسه ذاتيًا للحفاظ على موقعه المهني. وتؤكد أن تجربة DW لعبت دورًا مهمًا في تطوير الصحفيين العرب بين 2015 و2023، لكن توقف التمويلات بعد حرب أوكرانيا انعكس سلبًا على الصحفيين العرب.

وتحدد العشري مهارات الصحفي في عام 2026، بكونه صحفيًا متعدد المهام: يصور، يحرر، يعمل على السوشيال ميديا، يحلل البيانات، ويفهم أدوات التحقق والمصادر المفتوحة. وهو ما يستدعي ضرورة تحديث مناهج الإعلام لتصبح عملية لا نظرية، على غرار التجربة البريطانية.

وتختتم برسالة واضحة للصحفيين والإعلاميين: لا تنتظروا المؤسسات.. طوّروا أدواتكم بشكل فردي وطوروا من أنفسكم، فأنتم وحدكم القادرون على صناعة النقلة الحقيقية في مسيرتكم المهنية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى