التقارير الإعلامية

ماسبيرو.. ديون بالمليارات وحقوق معلّقة

إعداد: منى عبيد

تواجه الهيئة الوطنية للإعلام «ماسبيرو» عاصفةً من الأزمات المالية والإدارية، بعد سنواتٍ طويلة من تراكم الديون والخسائر، التي ألقت بظلالها على حياة العاملين داخله؛ رواتب تتأخر، علاوات تتجمد، ومكافآت نهاية خدمة تتحول إلى حلم مؤجل، وأعمارٌ تفنى على أمل الاستقرار الوظيفي يومًا ما، ووعود للإصلاح دون أن تترك أثرًا ملموسًا على الأرض.

ماسبيرو، الذي وُلد منارةً للصوت والصورة، صار اليوم كشيخٍ يحمل ذاكرة وطنٍ كاملة فوق كتفيه؛ إدارة أرهقها الترهل، وديون تراكمت كالغبار فوق أرشيفٍ عتيق، وزمنٌ رقميٌّ يركض في الخارج بلا التفات، فيما يحاول المبنى العتيق أن يلتقط أنفاسه قبل أن يفوته الإيقاع.

لم تعد الحكاية أرقامًا في تقارير رسمية، بل صارت وجوهًا متعبة وأسرًا تنتظر، وقلقًا يوميًّا يسكن مكاتب كانت يومًا تصنع البهجة. هنا، في هذا المبنى المطل على النيل، لا يدور الصراع فقط حول مستقبل مؤسسة، بل حول كرامة العاملين فيها، وحقهم في ألا يدفعوا وحدهم ثمن زمنٍ تغيّر كل شيء فيه.

ملف الديون.. أزمات متراكبة

 

اتحاد الإذاعة والتلفزيون المصري «ماسبيرو»، الذي تحول لاحقًا إلى الهيئة الوطنية للإعلام منذ عام 2016، واجه خلال السنوات الماضية، أزمات مالية متفاقمة، انعكست على وضعه المالي والإداري، تراكمت الديون والخسائر التشغيلية، مما أثر بشكل مباشر على قدرة المؤسسة على تحديث بنيتها التحتية، ومواكبة التطورات في قطاع الإعلام.

الأزمة المالية الحالية، ليست وليدة اللحظة، بل تعود جذورها إلى ما يقرب من 25 عامًا، ولعدة عوامل بدأت مع الألفية الثالثة، إذ شهدت إيرادات الإعلانات، تراجعًا ملحوظًا، نتيجة ظهور القنوات الفضائية الخاصة، وتنوع خيارات المشاهدة أمام الجمهور، مما أدى إلى انخفاض كبير في إيرادات القنوات الحكومية. كما انخفضت نسب مشاهدة هذه القنوات بشكل لافت، وهو ما انعكس مباشرة على الإيرادات.

من جهة أخرى، بلغ عدد العاملين في اتحاد الإذاعة والتلفزيون، نحو 31 ألف موظف، وفقًا لتصريحات حسين زين، الرئيس السابق للهيئة الوطنية للإعلام، في أكتوبر 2022، ما أدى إلى ارتفاع المصروفات التشغيلية بشكل كبير، فضلًا عن بند الأجور، الذي شكل عبئًا إضافيًا على ميزانية الهيئة، خاصة في ظل عدم وجود خطط  واضحة لتقليل النفقات أو إعادة هيكلة العمالة بشكل فعّال.

بحسب بيان رسمي للهيئة الوطنية للإعلام، صادر في 20 يناير 2021، بلغ إجمالي الديون المتراكمة على ماسبيرو نحو 42.6 مليار جنيه، والذي جاء في أغلبها  فوائد متراكمة على القروض القديمة من بنك الاستثمار القومي، في حين شكل أصل القروض الجزء الأصغر منها.

مخصصات ماسبيرو

جاء  البيان ردًا على ما ورد في بيان أسامة هيكل، وزير الدولة للإعلام آنذاك، أمام البرلمان في 19 يناير 2021، بشأن ديون «ماسبيرو» المتراكبة، والأزمات المالية التي يمر بها، وأوضحت الهيئة، أن المخصص المالي الشهري من وزارة المالية 220 مليون جنيه منذ 2013 لم يزيد، ويُستخدم فقط للأجور والبنود الأساسية، دون تغطية زيادات التأمينات أو المعاشات أو العلاوات، ورغم ذلك، تدعم الهيئة هذه الالتزامات بنحو 40 مليون جنيه شهريًا من مواردها الذاتية.
وأكدت الهيئة حينها، أنها لم تقترض من بنك الاستثمار القومي منذ إنشائها، وأن الديون الحالية ترجع لاتحاد الإذاعة والتليفزيون سابقًا، وتبلغ نحو 42.6 مليار جنيه شاملة الفوائد، وتعمل الهيئة على تسوية هذه الديون عبر جدولة مقابل أصول وأراضٍ غير مستغلة، ولا يزال الاتفاق قيد التنفيذ.

وأرجعت الهيئة الوطنية للإعلام، أسباب الخسائر إلى عدة عوامل منها: ارتفاع حجم العمالة، انخفاض إيرادات الإعلانات، والمنافسة الشديدة من القنوات الخاصة، وصعوبات في تطوير البنية التحتية والتحديث التكنولوجي.

وتشير تقارير الجهاز المركزي للمحاسبات للعام المالي 2022/2023 إلى أن الهيئة الوطنية للإعلام، تكبدت خسائر تشغيلية بلغت 10.6 مليار جنيه، أي ما يمثل نسبة كبيرة من إجمالي خسائر الهيئات الحكومية في نفس الفترة، مما يجعل الهيئة من أكبر الجهات الحكومية الخاسرة ماليًا.

تأثيرات الأزمة متعددة، فإلى جانب الضغط المالي على الموازنة العامة للدولة، هناك تأثير إداري على القدرة على جذب المواهب واستثمار التكنولوجيا، وأيضًا تأثير على المشهد الإعلامي الحكومي من حيث ضعف المنافسة مع الإعلام الخاص أو الرقمي.

في فبراير 2022 وبعد احتجاج العشرات من العاملين في ماسبيرو من مختلف القطاعات، أصدر المحتجون بيانًا طالبوا فيه، بضرورة إعادة جدولة ديون ماسبيرو، لدى بنك الاستثمار القومي، مع تعديل نصوص لائحة الموارد البشرية، التي صدرت في21 أبريل عام 2021 لمخالفة نصوصها للقوانين والحقوق الدستورية وعوارها القانوني في عدم الحصول على موافقة التنظيم والإدارة ووزارة المالية بشأنهما.

وفي حوار صحفي لحسين زين، رئيس الهيئة الوطنية للإعلام السابق، نُشر في أكتوبر 2022، قال :” أي مؤسسة إعلامية تواجه تحديات وصعوبات متعددة، فصناعة الإعلام أصبحت باهظة التكاليف، في ظل تطور تكنولوجي هائل، ولاسيما أن الهيئة الوطنية للإعلام، تقوم  بدور خدمي تنويري غير هادف للربح، وتسعى دائمًا للبحث عن موارد مالية جديدة، والارتقاء بمستوى الرسالة الإعلامية الجادة، بما يحقق التفاعل الحر مـع الجماهير المستهدفة.

وأضاف: “هذا في ظل مخصص مالي ثابت منـذ 2011 بواقع 220 مليون جنيه شهريا، وهذا بدوره أدى لمواجهة صعوبات مالية، مـع وجـود مشاكل مالية وإدارية متراكمة منذ سنوات طويلة، نحن مطالبون بـ300 مليون جنيه شهريا ولدينا عجز مالي 80 مليونًا”.

تغيير في إدارة ماسبيرو

في24 نوفمبر 2024 نشرت الجريدة الرسمية القرار الرئاسي، بتعيين أحمد المسلماني، رئيسًا للهيئة الوطنية للإعلام، استبشر العاملون بماسبيرو خيرًا، لعل التغيير الجديد في إدارة الهيئة، يحرك الماء الراكد في الملفات العالقة.

وأكد «المسلماني» أنه سيعمل جاهدًا للحفاظ على مكتسبات العاملين وتحسينها، والعمل مع الزملاء لتعزيز مكانة ودور  الإعلام الوطني ومواكبة التطورات المتلاحقة في عالم الإعلام والاتصال  مناشدا كافة الزملاء بالوطنية للإعلام التعاون والتكاتف من أجل تحقيق  أهداف العمل  وجني ثمارها، مشيرًا إلى أن الهيئة  تمتلك بنية أساسية كبيرة، سيعملون على تعظيم الاستفادة منها، بالإضافة إلى إجراءات وحلول سيتم اتخاذها ومن شأنها تعظيم  موارد الهيئة.

اهتمام رسمي بأزمات ماسبيرو

في 14 ديسمبر 2025 اجتمع الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس الوزراء، مع رؤساء الهيئة الوطنية الثلاثة، أحمد المسلماني، رئيس الهيئة الوطنية للإعلام، والمهندس خالد عبد العزيز، رئيس المجلس  الأعلى لتنظيم  الإعلام، والمهندس عبد الصادق الشوربجي، رئيس الهيئة الوطنية للصحافة، والدكتور أحمد كجوك، عبر فيديو كونفرنس، ونائب وزير المالية، وممثلي نعن مصلحة الضرائب، بهدف  حل مشكلات «ماسبيرو» والصحف القومية، وعلى رأسها ملف الديون.

الأجور والعلاوات: غضب يتجدد منذ 2011

أزمة الديون انسحبت على ملفات رئيسية داخل ماسبيرو، على رأسها ملف الأجور، والذي يمثل إحدى أكثر القضايا المزمنة في بنية الإعلام العام في مصر، ليس فقط لطول أمدها، وإنما لتداخل أبعادها الاقتصادية والإدارية والسياسية.

ويكشف تتبع مسار الأحداث منذ عام 2011، أن العاملين بـ«ماسبيرو» لم يكونوا طرفًا سلبيًا في هذه الأزمة، بل عبّروا مرارًا عن رفضهم للسياسات المتعاقبة عبر وقفات احتجاجية واعتصامات وبيانات جماعية، شكّلت في مجموعها سجلًا ممتدًا من الصراع الاجتماعي داخل مؤسسة رسمية  واحدة من ركائز الدولة.

مع اندلاع ثورة يناير 2011، كان مبنى ماسبيرو، من أوائل المؤسسات الحكومية التي شهدت حراكًا داخليًا منظمًا، ففي 20 مارس 2011، نظم مئات العاملين وقفة احتجاجية داخل المبنى، مطالبين بإقالة سامي الشريف، رئيس اتحاد الإذاعة والتلفزيون آنذاك، وفتح ملفات الأجور والحوافز، التي اعتبرها العاملون غير عادلة وتعكس تفاوتًا طبقيًا داخل المؤسسة.

تواصلت الاحتجاجات خلال عام 2011، لا سيما في يوليو من العام نفسه، عندما نظم العاملون وقفات متكررة اعتراضًا على إلغاء مشروع هيكل أجور جديد، كان قد أُعد في الأشهر الأخيرة قبل الثورة قبل رحيل أسامة الشيخ، رئيس مجلس أمناء اتحاد الإذاعة والتليفزيون الأسبق، وتركزت مطالب المحتجين، على ضرورة إقرار حد أدنى عادل للأجور، ودمج الحوافز في الأجر الأساسي، بما يضمن استقرارًا معيشيًا للعاملين، ورغم الوعود المتكررة بدراسة المطالب، لم يُنفذ أي إصلاح جذري.

بلغ التصعيد ذروته في عام 2013، في ظل وجود وزارة الإعلام، برئاسة صلاح عبد المقصود، عندما أُقر لائحة مالية جديدة، هدفت إلى خفض الإنفاق، وهو ما نفاه « عبد المقصود» حينها وأكد أنها ضوابط، لتنظيم العمل ولا إقصاء لأحد.

وعلى أثر ذلك، نظم العاملون وتحديدًا في 27 مارس 2013 واحدة من أكبر الوقفات الاحتجاجية، تطورت إلى قطع كورنيش النيل أمام مبنى ماسبيرو، في مشهد عكس حجم الغضب الاجتماعي داخل المؤسسة.

واستمرت الاحتجاجات خلال إبريل 2013، مصاحبة باعتصامات داخل المبنى، رفضًا للائحة التي خفضت الدخول الفعلية للعاملين، خصوصًا في القطاعات الفنية والهندسية، دون معالجة ضعف المرتبات الأساسية. ورغم هذا التصعيد، طُبقت اللائحة، وهو ما مثّل نقطة تحول سلبية في العلاقة بين العاملين والإدارة.

بعد إلغاء وزارة الإعلام في 2014، وإنشاء الهيئة الوطنية للإعلام في عام 2016، مؤسسة مستقلة معنية بماسبيرو، هدأت وتيرة الاحتجاجات العلنية نسبيًا، لكنها لم تختفِ، وعادت بشكل متقطع، خاصة مع تفاقم أزمة تأخر صرف المستحقات.

احتجاجات ماسبيرو

عاد الحراك  داخل «ماسبيرو» إلى الواجهة بصورة أوضح، في يناير 2022، حين نظم العاملون وقفات داخل المبنى، اعتراضًا على استمرار تأخر المستحقات، وتعديل نظام العمل، وتقليص بعض الحوافز.

عكست هذه الوقفات، حالة من التراكم الغاضب، بعد سنوات من وقف الإنتاج، وتآكل الدخول وغياب أفق واضح للإصلاح، ورغم صدور بيانات رسمية  وعدت بحلول جزئية، لم تُغلق الملفات الأساسية، وعلى رأسها الأجور.
اتخذت الهيئة موقفًا صداميًا ضد هذه الاحتجاجات، التي استمرت ما يزيد عن شهر، وعُرفت إعلاميًا بـ«احتجاجات ماسبيرو»، فوفق تصريحات صحفية سابقة لخالد السبكي، رئيس اللجنة النقابية في القطاع الاقتصادي في الهيئة الوطنية للإعلام، أكد أن الهيئة استدعت  عشرات العاملين للتحقيق الإداري على خلفية الاحتجاجات في مبنى ماسبيرو.

وأوضح «السبكي» أن التحقيقات شملت نحو 35 من العاملين بالمبنى، وأنه تبعها فرض عقوبات بخصم جزء من الراتب الشهري لمدد تتراوح بين 5 أيام و15 يومًا، وأن العاملين واجهوا خلال التحقيقات عددًا من التهم المكررة شملت “وقف العمل، وتكدير السلام الاجتماعي، والتظاهر ورفع اللافتات”.

وطالب المحتجون وقتها، بعودة وزارة الإعلام بكامل صلاحيتها للإشراف على كافة المجالس والهيئات الإعلامية الثلاثة وتعيين وزير إعلام ذي خلفية إدارية قانونية، مع إعادة صياغة قانون إنشاء الهيئة الوطنية للإعلام وإعادة نصوص مواد حق البث الفضائي والأرضي فقط للهيئة الوطنية للإعلام دون غيرها، وفقا لبيان صادر عنهم يوم 11 فبراير 2022.

وشملت  المطالب أيضًا، تعديل نصوص لائحة الجزاءات الإدارية التأديبية لإجحافها فيما يتعلق بممارسة العقوبات التعسفية ضد العاملين، مع عودة قطاع الإقليميات إلى قطاع التليفزيون فى ضوء الهيكل الإدارى والتنظيمى له بالكامل.

قانون العمل الجديد وتطبيق الحد الأدنى للأجور

 

في 1 سبتمبر 2025 بدأ تطبيق مواد قانون العمل الجديد رقم 14  لسنة 2025، الذي ألزم المؤسسات العامة والخاصة  بتطبيق الحد الأدنى للأجور الذي يصدره المجلس القومي للأجور، وذلك لضمان حياة كريمة للعمال ومراعاة تكاليف المعيشة المتغيرة.

المجلس القومي للأجور

تنص المادة “102” من قانون العمل على أن: المجلس القومي للأجور، مسؤول عن تحديد الحد الأدنى للأجور، في مختلف القطاعات على المستوى القومي، ويُلزم جميع المنشآت الخاضعة لأحكام القانون بتنفيذ هذا الحد وعدم الانتقاص منه تحت أي ظرف”.

بعد تطبيق القانون، قرر المجلس القومي للأجور، زيادة الحد الأدنى لأجور العاملين ليصل إلى 7 آلاف جنيه شهريًا، كما أصبح تنفيذ هذه القرارات إلزاميًا قانونيًا ومرتبطة بالعقوبات على المنشآت المخالفة.

أزمة صرف العلاوات

إشكالية صرف العلاوات، لا يمكن فصلها عن أزمة الأجور، عشرات الشكاوى والمطالبات بصرفها، بل وصل الأمر إلى رفع دعاوى قضائية لصرف المتأخر منها ، فصُرف جزء  منها خلال عامين 2024 و2025.

وعن مصير العلاوات، قال حسين زين رئيس الهيئة السابق، في تصريحات صحفية عام 2022:” إنه لم يرد للهيئة أي تمويل خاص بصرف العلاوات، ولكن تمكنت الهيئة بجهـود أبنائها، وحسن إدارة مواردهـا، مـن صـرف عدد كبير من العلاوات المتأخرة بتكلفة أكثر من مليار جنيه، وذلك من منتصف 2017 حتى 2022

وأضاف:” شهر سبتمبر 2022 تم صـرف علاوتين من 2019 بتكلفـة 9 ملايين ونصف مليون جنيه، وأن هذه المبالغ من الموارد الذاتية للهيئة، ومازالت الجهود مستمرة لصرف المتبقي من العلاوات، والتي تحتاج إلى تكلفة قدرها أكثر من 941 مليون جنيه، وتم توفير المبالغ اللازمة لتنفيذ تسـويات الحالة الوظيفية للزملاء الحاصلين على مؤهل عال أثناء الخدمة، حفاظًا على اسـتقرارهم الوظيفي، بتكلفه شهريا بلغـت حوالي 743 ألف جنيه”.

أشار إلى أنه في  أعقاب ثورة يناير 2011، واجه اتحاد الإذاعة والتلفزيون مشكلة عجـز نظم تمويل قطاعاته، والتي تحتاج لموارد إضافية فـي ظـل تراجع دخـول الإعلانات والتسـويق، ومديونيـة كبيـرة بالمليارات وسط تطلعات وتوقعات مـن العاملين به بزيادة دخولهم، ترتـب عليه وضع نـظام مالي يذهب الجزء الأكبـر منـه للأجـور.

وأوضح  «زين» أن  كـل هـذه العقبات، أدت  إلى عـدم قـدرة الإعـلام المصـري على المنافسة مـع قنوات خاصـة كثيـرة، وتراجـع الإنتـاج الدرامي والبرامجي الذي يحتاج إلى أموال كبيرة للصرف على الإنتـاج؛ وحتى الآن وفي ظل تنافس شديد، ووجود شركات متعددة لديها إمكانيات مادية كبيرة للقيام بالإنتاج الدرامي، ومن خلال منبركم الإعلامي، ندعو فناني ومخرجي مصر لمساندة إعلام الدولة بصورة خدمية تطوعية، حيث لدينا العديد من السيناريوهات التي يمكن أن نقوم بإنتاجها.

ووفقًا لبعض شهادات العاملين بماسبيرو لـ«المرصد» كشفت “و.أ” مُعدة بالتليفزيون المصري -فضلت عدم ذكر اسمها- عن تدهور الأوضاع المالية والمهنية، داخل أغلب قطاعات «ماسبيرو»، مؤكدة أنها تعمل منذ 25 عامًا، بينما لا يتجاوز راتبها الشهري 5 آلاف جنيه شامل الحافز، الذي تبلغ قيمته 457 جنيهًا فقط.

وأوضحت أن الحد الأدنى للأجور، الذي أقره قانون العمل الجديد، لا يُطبق على أغلب القطاعات داخل المبنى، مشيرة إلى أنه قبل صرف جزء من العلاوات المتأخرة  منذ ما يقرب من عامين، لم يكن راتبها يتجاوز 4 آلاف جنيه، ليرتفع بعدها بنحو ألف جنيه تقريبًا.

وأضافت أن العاملين يواجهون ظروف عمل شديدة الصعوبة، لافتة إلى أنهم يضطرون في أحيان كثيرة إلى الإنفاق من رواتبهم الخاصة لتسيير العمل، سواء في انتقالات الضيوف، أو توفير بعض مستلزمات التصوير، مثل تأجير معدات وكاميرات أو شراء بطاريات جديدة.

وأوضحت أن هناك تفاوتًا كبيرًا في الإمكانيات بين القنوات،  فالقناة  الأولى المتطورة ، مُسخر لها كل الإمكانيات، والعاملين بها يحصلون على امتيازات كبيرة حتى على مستوى استقبال الضيوف- على حد قولها-
وعن الرعاية الصحية، قالت:” إنها تعرضت  لوعكة صحية شديدة، منذ عام، توقف فيها قلبها وانخفضت نسبة هيموجلوبين الدم إلى 4 ، ولم تستفد من منظومة الرعاية الصحية في «ماسبيرو » لصعوبة الإجراءات  واضطرت  للعلاج على نفقتها الخاصة لإنقاذ حياتها”.

أما تدريب وتأهيل الكوادر، وأكدت أن شاركت في دورة تدريبية عن الذكاء الاصطناعي بـ «ماسبيرو»  داخل قاعة لا يوجد بها إنترنت ولا شبكات موبايل، رغم استفادتها النظرية منها، مشددة على أن  هناك اقتراحات هامة وفعالة،  من أبناء المؤسسة للتطوير وبدون تكلفة بل بالعكس ستدر عائدًا كبيرًا وستنقذ ماسبيرو من أزمات كثيرة يعاني منها، منذ سنوات، ولكن لا أحد يعيرها اهتمامًا.

وقالت إحدى المُعدات بالقناة السادسة – فضلت عدم ذكر اسمها- إنها تعمل في «ماسبيرو » منذ 30 عامًا وإجمالي راتبها لا يزيد عن 4 آلاف جنيه، مشيرة  إلى  أن الأزمة بدأت بعد إلغاء وزارة الإعلام التي كانت تُمول من وزارة المالية، وتحولت المؤسسة إلى هيئة غير ربحية،  موضحة أن هناك تمييز واضح بين العاملين في قطاعات بعينها، وأن أغلب  المؤسسة لا يُطبق عليها الحد الأدنى للأجور   – 7 آلاف جنيهًا – ولا يراعى الأقدمية.

وأكدت أنها  خلال أشهر قليلة ستخوض معركة جديدة، من أجل الحصول على مستحقاتها المالية عند وصولها إلى سن التقاعد، لافتة إلى أن الهيئة الوطنية للإعلام،تحسب المعاش على أساسي عام 2017 والذي كان يبلغ 700 جنيهًا، دون احتسابه على أساسي الذي يُحال فيه الموظف على المعاش .

مكافأة  نهاية الخدمة

تشهد أروقة «ماسبيرو» حالة من القلق المتصاعد، على خلفية أزمة صرف مكافأة نهاية الخدمة، وهي أزمة تفرض نفسها وبقوة على المشهد داخل ماسبيرو، بعدما  تحولت في السنوات الخمس  الأخيرة، إلى واحدة من أبرز القضايا العالقة داخل المؤسسة الإعلامية العريقة، مع تزايد شكاوى الموظفين المحالين إلى التقاعد، وكذلك من هم على أعتاب إنهاء خدمتهم، بشأن تأخر صرف مستحقاتهم المالية أو عدم وضوح آليات احتسابها.

وتأتي هذه الأزمة في ظل أوضاع مالية وإدارية معقدة يمر  بها  «ماسبيرو» منذ سنوات، في إطار خطط إعادة الهيكلة، ومحاولات تقليص المديونيات وترشيد الإنفاق، بالتزامن مع اعتراضات المحالين للتقاعد، الذين تمثل لهم مكافأة نهاية الخدمة،  حصيلة سنوات طويلة من العمل داخل المبنى التاريخي، وضمانة أساسية لمواجهة أعباء المعيشة بعد التقاعد.

احتجاجات العاملين في يناير 2022، كان منها المحالين إلى المعاش، للمطالبة بصرف مستحقاتهم المالية المتأخرة لسنوات، ولاسيما أن  تأخير صرف مكافأة نهاية الخدمة، يمس الاستقرار الاجتماعي لشريحة واسعة من أسر ما يزيد عن 6 آلاف موظف وصل لسن التقاعد.

في أكتوبر 2020  قال حسين زين، رئيس الهيئة السابق” :إن هناك حرص شديد من  الهيئة على مصلحة أبنائها وخاصـة أصحاب المعاشـات، ونحن منحازون لهم بشكل كامل، وهذا الأمر قد مر بمرحلتين ما قبل إشهار الصندوق التأميني فى 2019، حيث لم يكن هنـاك صندوق تأميني قـانوني مشـهر، وكـانت تُصرف مكافأة نهاية الخدمـة مـن موازنـة اتحاد الإذاعـة والتليفزيون سابقـًا، فـي ظل وجـود منشور صدر مـن وزارة المالية فـي 2014 ، بعـدم صرف أي مبالغ ماليـة مـن مخصصات الدولـة لصالح الصناديق الخاصـة، التي تكون مواردها المالية من اشتراكات العاملين، وما تم خصمه من العاملين كان 2%  فقط لصالح الرعاية الطبية وليس لأي أغراض أخرى”.

وأضاف:” اتخذت الهيئة الإجراءات القانونية لإنشاء صندوق تأميني مشـهر وقانوني تحت إشراف هيئة الرقابة المالية، وطبقًا لأحكام القانون وإشهاره فـي 2019، وفي ظل ضعف مـوارد الصندوق الواردة مـن اشتراكات العاملين، فهنـاك بطء فـي عمليات الصرف، ومؤخرًا هناك بعـض المقترحات لتحريك عملية سـرعة الصرف، ونؤكد دون تحميل العاملين بالخدمة أي أعباء أخرى أو خصومات”.

وفي أول اجتماع لـ أحمد المسلماني، بعد توليه رئاسة الهيئة، والذي انعقد في 1 ديسمبر 2024، أكد  أن العمل على  تنفيذ أفكار ورؤي جديدة من شأنها  تذليل كافة العقبات وإيجاد الحلول العاجلة والمناسبة، لكافة الملفات الشائكة التى تواجه العمل والعاملين، واجتيازها  فى أسرع وقت وتكثيف الجهود  فى العديد من الملفات ومنها الزملاء أصحاب المعاشات.

وفي 10 أغسطس 2025  وجه الرئيس عبد الفتاح السيسي، بحل أزمة صرف مكافأة نهاية الخدمة،  للعاملين المحالين إلى المعاش في الإذاعة والتلفزيون المصري «ماسبيرو»، وذلك خلال الاجتماع، الذي عقده الرئيس مع الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء،  ورؤساء الهيئة الوطنية  الثلاثة، لمناقشة التحديات التي تواجه الصحافة والإعلام المصري.

عقب التكليف الرئاسي، قال الكاتب أحمد المسلماني، رئيس الهيئة الوطنية للإعلام، في تصريحات صحفية:” إن أسرة ماسبيرو تتوجه بكل الشكر والتقدير إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي، على توجيهه بحل أزمة مكافآت نهاية الخدمة للعاملين في ماسبيرو”، واعدًا ببذل قصارى الجهد للنهوض بماسبيرو، وتعزيز دوره الوطني، والعمل على حل أزماته.

تطلع أصحاب المعاشات، إلى إجراءات جادة ستتخذها الهيئة، لحل أزمة صرف مستحقاتهم، ولكن سرعان ما أصيبوا بالإحباط، بعد مرور 4 أشهر من التكليف الرئاسي، لم تتواصل معهم الهيئة ولم يروا أي بادرة أمل للحل – بحسب تصريحاتهم للمرصد-.

قال إيهاب شعيب، كبير المحررين بإذاعة جنوب الوادي، والمحال إلى المعاش في نوفمبر 2023، إن أزمة مستحقات العاملين المحالين إلى المعاش،  بالإذاعة والتليفزيون لم تعد حالات فردية، بل تحولت إلى أزمة جماعية تمس آلاف الأسر، لافتًا إلى أن أكثر من ستة آلاف عامل ممن أُحيلوا إلى المعاش لم يحصلوا على مكافأة نهاية الخدمة، خلال الفترة الممتدة من مايو 2020 وحتى يناير 2026، ولم يتواصل معهم أحد من الهيئة حتى الآن.

وأشار «شعيب» إلى أنه اضطر لرفع دعوى قضائية، للمطالبة بصرف مقابل رصيد الإجازات المستحق له، إلا أن هذه الخطوة لم تُسفر عن أي نتيجة حتى الآن رغم تأكيد الحكم بأحقيته للحصول عليها، وأن ملف القضية لا يزال حبيس الأدراج داخل ماسبيرو، دون حسم أو تحرك فعلي.

وأوضح أن مقابل رصيد الإجازات العادية والوجوبية ، لم يُصرف للعاملين منذ عام 2019، وأن الإدارة تسعى إلى احتساب هذه المستحقات على أساس الأجر الأساسي لعام 2018، في تجاهل كامل للتغيرات الاقتصادية الحادة التي شهدتها البلاد، وارتفاع معدلات التضخم وتغير سعر الصرف، وهو ما يمثل، بحسب قوله، إجحافًا شديدًا بحقوق العاملين.

وأكد أن جزءًا كبيرًا من معاناة المحالين إلى المعاش، يعود إلى ما وصفه بفساد المنظومة داخل ماسبيرو، لا سيما فيما يتعلق بإدارة الحقوق المالية للعاملين، والتفاوت الكبير في الأجور والعلاوات والحوافز، فضلًا عن غياب العدالة في صرف المستحقات عند بلوغ سن المعاش.

وشدد «شعيب» على أن العاملين كانوا يتحملون أعباء العمل من رواتبهم الخاصة، وينفقون على توفير مستلزمات أساسية للعمل، وصلت في بعض الأحيان إلى شراء الورق وأشرطة التسجيل وأجهزة التسجيل نفسها، حرصًا على استمرار العمل وعدم تعطله، رغم محدودية الإمكانيات.

وتطرق إلى أزمة الرعاية الصحية، مشيرًا إلى أنه يعمل ويقيم في محافظة أسيوط، ولم يستفد من منظومة الرعاية الصحية التابعة لماسبيرو، رغم احتياجاته الصحية. وأوضح أن محاولاته المتكررة لضم مستشفيات جديدة بمحافظة أسيوط للتعاقد مع الهيئة الوطنية للإعلام باءت جميعها بالفشل.

وكانت احتجاجات العاملين بماسبير، في يناير 2022  طالبت وإلغاء خدمات الرعاية الطبية وإبرام تعاقد مع شركة مصر للتأمين للتغطية الطبية والرعاية الصحية لكافة العاملين بالهيئة الوطنية للإعلام والمحالين إلى المعاش من بنود الموازنة المالية للهيئة الوطنية للإعلام ومن اشتراكات العاملين بنفس قيمة اشتراكهم بتكلفة مالية تقدر سنويًا بمبلغ 75 مليون جنيه مما يحقق وفرًا قدره 105 ملايين جنيه سنويًا.

حال منال زكريا، كبيرة المعدّين بالقناة الثالثة بماسبيرو، والمحالة إلى المعاش، لم يختلف كثيرًا عن زميلها إيهاب شعيب، والتي قالت:” إنها بلغت سن التقاعد منذ عام 2023، لكنها لم تحصل حتى الآن على مستحقاتها المالية، سواء مكافأة نهاية الخدمة أو مقابل رصيد الإجازات، رغم سنوات طويلة من العمل. وأوضحت أنها تتقاضى معاشًا شهريًا لا يتجاوز 4500 جنيه، مؤكدة أنها لجأت إلى القضاء للمطالبة بحقوقها المالية وصدر حكم لصالحها في عام 2024، ولكن لم يُنفذ.

وأضافت:” أنها تعاني من أمراض مزمنة، من بينها ضغط الدم وهشاشة العظام، وتتحمل اشتراكًا شهريًا في منظومة الرعاية الصحية أملاً في الحصول على العلاج، إلا أنها كثيرًا ما تفاجأ بعدم توافر أدويتها، ما يضطرها إلى شرائها على نفقتها الخاصة من خارج منظومة الرعاية الصحية بماسبيرو، في ظل ظروف مالية صعبة.

استرجعت سنوات عملها داخل مبنى الإذاعة والتليفزيون، قائلة:” إن حبهم للمهنة كان يدفعهم لتحمل أعباء إضافية، كانوا ينفقون من أموالهم الخاصة، لتوفير مستلزمات العمل داخل الاستديو، ويدفعون تكاليف انتقالات الضيوف في أوقات كثيرة، حتى يخرج العمل بالشكل اللائق”.

وأشارت إلى أن التفاوت الكبير في الأجور بين العاملين، وغياب خطط التدريب والتأهيل، كانا من أبرز التحديات، ما اضطرهم إلى تطوير أنفسهم بعيدًا عن المؤسسة، وعلى نفقتهم الخاصة، إيمانًا منهم برسالة العمل الإعلامي.

أما حسام العزازي، المخرج بالتليفزيون المصري بالقناة الخامسة، والمحَال إلى المعاش عام 2023،فأكد أن العاملين بالقنوات الإقليمية في المحافظات، يعانون من تمييز واضح، مقارنة بزملائهم في التليفزيون المصري، سواء في الأجور أو الحوافز أو مختلف الامتيازات، رغم انتمائهم جميعًا إلى منظومة إعلامية واحدة.

وأوضح «العزازي» أنه أُحيل إلى المعاش منذ عام 2023، ورغم صدور تكليف رئاسي في 10 أغسطس 2025، بحل أزمة مكافأة نهاية الخدمة للعاملين بماسبيرو، إلا أن هذا التكليف لم يترجم إلى خطوات فعلية على أرض الواقع، رغم إنهم استبشروا خيرًا في البداية، لكن لم يتواصل معهم أي مسؤول حتى الآن، ولم يشهد هذا الملف أي تطور، بالرغم من أنها أزمة ممتدة منذ عام 2018.

وأشار إلى أنه سبق أن حدثت انفراجة جزئية في الأزمة، حيث حصل من أُحيلوا إلى المعاش في عام 2018، على مكافآت نهاية خدمتهم في عام 2020، إلا أنه منذ مايو 2020، لم يحصل أي من المحالين إلى المعاش بماسبيرو على مستحقاتهم المالية عند نهاية الخدمة، مضيفًا: أن المفارقة المؤلمة تكمن في أن بعض القيادات حصلوا على مستحقاتهم كاملة، في حين لا يزال باقي العاملين ينتظرون حقوقهم، دون وضوح في الرؤية أو موعد للحل.

ملف المؤقتين في ماسبيرو

ملف العمالة المؤقتة في ماسبيرو،  من ضمن الملفات شديدة التعقيد أيضًا، إذ يرتبط بسياق أوسع، داخل الجهاز الإداري للدولة في مصر، حيث لجأت مؤسسات حكومية عديدة إلى التعاقد بنظام مؤقت أو بنظام المكافآت الشاملة، لسد احتياجات العمل دون تعيينات دائمة.

اتحاد الإذاعة والتلفزيون المصري سابقًا،  طبق هذا النوع  من التعاقدات، على  فئات بعينها أبرزها: الفنيين، عمال الاستوديوهات، المونتيرين، الإداريين، وبعض العاملين في قطاعات الإنتاج البرامجي والهندسة الإذاعية والتلفزيونية. كثير من هؤلاء استمروا في العمل لسنوات طويلة بعقود تُجدد دوريًا، من دون أن تتحول أوضاعهم الوظيفية إلى درجات مالية دائمة على موازنة الدولة.

قبل عام 2011 كان نظام التوظيف في ماسبيرو، يجمع بين التعيينات الدائمة والعقود المؤقتة، لكن مع مرور الوقت زاد الاعتماد على العمالة غير المثبتة، بسبب القيود المالية وتضخم أعداد العاملين.

بعد ثورة يناير 2011 تصاعدت مطالب العاملين المؤقتين، في عدة جهات حكومية، ومنها «ماسبيرو»، بضرورة التثبيت ومنحهم حقوقًا مساوية للموظفين الدائمين، خاصة لمن أمضوا سنوات طويلة في الخدمة الفعلية.

في 9 فبراير 2011 وقبل تنحي الرئيس الراحل محمد حسني مبارك، أصدر اتحاد الإذاعة والتليفزيون سابقًا، قرارًا بتثبيت العاملين المؤقتين، وتحويل عقود العاملين المنتظمين باليومية إلى عقود عمل، لمن انقضت 6 أشهر على بدء تعامله مع الاتحاد، في الوقت الذي بدأت فيه لجنة مؤقتة متخصصة بجمع شكاوى وتظلمات العاملين وإعداد تقارير بها لرفعها إلى المهندس أسامة الشيخ، رئيس مجلس أمناء اتحاد الإذاعة والتليفزيون ليتخذ اللازم بها.

شهدت تلك الفترة وعودًا بدراسة الأوضاع وتشكيل لجان للحصر، وتم بالفعل تثبيت بعض الحالات التي انطبقت عليها شروط معينة، لكن لم تضع حل شامل ينهي الظاهرة.

المؤقتون: جيل يعمل بلا أمان وظيفي

ابتداءً من عام 2014 دخل ملف التعيينات في ماسبيرو مرحلة أكثر تعقيدًا، وتحديدًا في نوفمبر من نفس العام، عندما صدرت توجهات حكومية من الجهاز المركزي  للتنظيم والإدارة، بوقف تعيينات العمالة المؤقتة في اتحاد الإذاعة والتليفزيون سابقًا، الذي كان يترأسه وقتها عصام الأمير.

في 24 نوفمبر 2014، تلقى عصام الأمير، رئيس اتحاد الإذاعة والتلفزيون والقائم بأعمال وزير الإعلام آنذاك، مرسومًا رسميًا من الجهاز القومي للتنظيم والإدارة يقضي بإيقاف أي قرارات خاصة بالتعيينات في ماسبيرو لأجل غير مسمى، على أن يتم تجديد عقود العمالة المؤقتة بشكل سنوي كما هي. وأوضح الجهاز في المرسوم أن القرار جاء لعدم وجود وظائف شاغرة تسمح بفتح باب التعيينات الجديدة، لكنه تضمن أيضًا تحديد 640 درجة وظيفية شاغرة تشمل مديري العموم ووكلاء الوزارة والدرجة الأولى في جميع قطاعات ماسبيرو، على أن يتم الإعلان عنها بين جميع العاملين وفتح باب الاختبارات الرسمية للتعيين فيها.

شكّل عصام الأمير وقتها، لجنة برئاسته تضم كلًا من مجدي لاشين، رئيس التلفزيون، وعبدالرحمن رشاد، رئيس الإذاعة، بالإضافة إلى رؤساء قطاعات الأخبار والإنتاج والإمانة العامة، لتولي إجراء الاختبارات للمتقدمين، على أن تنتهي اللجنة من عملها قبل يناير 2014، وتقدم قائمة كاملة بالترقيات قبل بداية الشهر ذاته.

وأعلن الدكتور أشرف العربي، وزير التخطيط والمتابعة والإصلاح الإداري الأسبق، أن «ماسبيرو» يعاني من عجز مالي بقيمة 6.3 مليار جنيه، مشيرًا إلى أن النفقات الخاصة برواتب الموظفين تصل إلى نحو 1.2 مليار جنيه سنويًا، أي ما يعادل حوالي 220 مليون جنيه شهريًا، وهو ما يوضح الضغوط الاقتصادية التي ساهمت في اتخاذ قرار وقف التعيينات والاكتفاء بتجديد عقود العمالة المؤقتة

جُمدت  التعيينات الجديدة على الدرجات الدائمة، مع الاكتفاء بتجديد عقود القائمين بالفعل، على رأس العمل بنظام مؤقت وفق الحاجة، هذا التوجه جاء في سياق أزمات مالية كان يعانيها الاتحاد، ووجود أعداد كبيرة من العاملين، مقارنة بحجم الإنتاج والإيرادات، إضافة إلى خطط لإعادة الهيكلة وتقليل الأعباء المالية.

ترتب على هذا القرار، أن أصبح النمط السائد، هو استمرا ر العمالة المؤقتة، عبر تجديد سنوي أو دوري للعقود، من دون إعلان فتح باب تعيينات واسعة على درجات دائمة،هذا الوضع خلق حالة من عدم الاستقرار الوظيفي لدى كثير من العاملين، إذ ظل مستقبلهم المهني مرتبطًا بقرار التجديد كل فترة، رغم أنهم يؤدون أعمالًا أساسية لا يمكن الاستغناء عنها بسهولة.

كما أن الفروق بين المؤقتين والمثبتين ظهرت في جوانب متعددة، مثل الأمان الوظيفي، بعض البدلات، مسارات الترقي، وأحيانًا في نظم التأمينات والمزايا الاجتماعية.

كشفت إحدى محررات الأخبار بالتلفزيون المصري عن جانب قاسٍ من واقع العاملين بعقود مؤقتة، قائلة إن بعضهم، بعد مرور نحو عشرة أيام فقط على صرف الراتب، يجدون أنفسهم مضطرين، إلى طرق أبواب زملائهم داخل مكاتب الهيئة، طلبًا لمساعدات مالية بشكل شهري، في مشهد يلخص عمق الأزمة المعيشية داخل المبنى

استمر الحديث خلال السنوات التالية، عن خطط لإصلاح أوضاع ماسبيرو ماليًا وإداريًا، وتضمنت هذه الخطط في بعض الأحيان، برامج للخروج المبكر على المعاش، وإعادة توزيع العمالة، ومحاولات لضبط التعاقدات الجديدة.

هذه المحاولات، لم يبرز مسار واضح وثابت يضمن تسوية شاملة ونهائية لوضع جميع العمالة المؤقتة، بل ظل التعامل مع الملف، يتم حالة بحالة أو عبر إجراءات جزئية، مع استمرار القيود العامة على التعيينات الحكومية.

في عام 2019، ومع إعلان الهيئة الوطنية للإعلام، حصرًا شاملًا للعاملين تمهيدًا لإعادة الهيكلة، تصاعدت حالة القلق الوظيفي، لا سيما بين العاملين المؤقتين، ورفعوا مذكرات جماعية إلى مجلس النواب، وتقدمت مجموعات من العاملين بشكاوى رسمية، محذرين من أن الحصر، قد يتحول إلى أداة للاستغناء عن العمالة، دون ضمانات اجتماعية أو قانونية.

أزمة المؤقتين في ماسبيرو، مستمرة إلى اليوم، وهو ما يعكس  معادلة صعبة بين احتياجات التشغيل الفعلية لمؤسسة إعلامية كبيرة، وبين القيود المالية والإدارية المفروضة على التعيين في الجهاز الإداري للدولة. النتيجة كانت بقاء شريحة من العاملين لسنوات، في وضع وظيفي غير مستقر، مع مطالب مستمرة بالتثبيت أو تحسين الأوضاع، في مقابل سياسات رسمية تميل إلى الحد من التعيينات الدائمة، والاعتماد على صيغ تعاقدية مرنة.

معاناة العاملين بماسبيرو مستمرة منذ سنوات، بين رواتب متأخرة، علاوات مجمدة، ومكافآت نهاية خدمة تحوّلت إلى حلم مؤجل. آلاف الموظفين يضطرون لإنفاق أموالهم الخاصة لتسيير العمل، ويواجهون تمييزًا واضحًا بين القطاعات، ويعيشون في غياب الحد الأدنى للأجور والرعاية الصحية.

ماسبيرو اليوم يقف على حافة اختبارٍ مزدوج: البقاء في قلب المشهد الإعلامي الوطني، أو الاستسلام لضغط الديون وتأخر المستحقات، واستقرارًا وطيفيًا بعيد المنال. المبنى الذي حمل أصوات أمة لعقود، صار رمزًا لمعركة صامتة بين التاريخ والواقع، بين الصوت المسموع والأفق المغلق، بين المهنية والإمكانيات المحدودة، يبقى السؤال قائمًا: كيف سيعيد الإعلام الحكومي بناء نفسه وسط هذه التحديات؟! وكيف سيجد العاملون فيه صدى لحقوقهم المتأخرة، قبل أن يصبح كل مجده مجرد ذكرى؟ ومن المسؤول عن هذا الواقع المؤلم؟ من ترك مؤسسة تحمل تاريخًا وطنياً عريقًا، تواجه الضغوط وحدها؟ لماذ تؤجب التوجيهات الرئاسية؟ وإلى متى ستظل حقوق  العاملين حبيسة الوعود والخطط المعلقة؟

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى