بروفايل

عمرو العراقي.. حين تتحول صحافة البيانات إلى قصة

لم يدخل عمرو العراقي الصحافة من باب الخبر العاجل ولا من شرفة الرأي، بل تسلل إليها من منطقة أكثر هدوءً وعمقًا وهي منطقة الأرقام. في زمن تُستهلك فيه المعلومات سريعًا، اختار أن يبطئ الإيقاع، وأن يعيد طرح الأسئلة القديمة بلغة جديدة، قوامها الأدلة لا الانطباعات. من شبرا الخيمة، حيث تشكّل الوعي بين الريف والمدينة، إلى غرف أخبار عالمية أعادت تعريف السرد الصحفي، تشكّلت رحلته بوصفها بحثًا دائمًا عن طريقة عادلة لقول الحقيقة. صحافة لا تُقنع القارئ، بل تمكّنه من أن يرى بنفسه، ويستنتج وحده، ويعيد التفكير في الواقع كما هو.
وُلد عمرو العراقي عام 1983، في حي شبرا الخيمة، تلك المنطقة الواقعة بين القاهرة والقليوبية، شوارع تعرف أهلها بالاسم، وبيوت تتشارك الفرح كما تتقاسم الحزن، وطقوس يومية من المؤازرة الإنسانية التي تصنع الوعي قبل أن تصنع الذاكرة.
في هذا المناخ تشكّلت ملامح الأسرة المتوسطة التقليدية؛ أبٌ آمن بالعلم طريقًا وحيدًا للكرامة، وأمٌ رأت في التعليم رسالة يومية لا تنتهي عند باب الفصل. كان يراه طفلًا من خلف باب نصف مفتوح، أبٌ يجلس إلى مكتبه، تحيط به كتب القانون، يدرس بعد أن أنهى خدمته العسكرية وأصرّ على استكمال تعليمه متأخرًا، فقط كي لا يكون أقل من أصدقائه وزملائه. مشهد بسيط، لكنه ترك أثرًا عميقًا: أن المعرفة لا ترتبط بالعمر، وأن الاجتهاد قرار شخصي لا يخضع للتوقيت.
الأم، معلمة بطبيعتها قبل مهنتها، كانت الحارس اليومي للواجبات والمذاكرة، الوجه الآخر لنفس الفكرة: التعليم فعل التزام، لا رفاهية. هكذا بدا البيت، روتين أسرة عادية، لكنه كان مشبعًا بإيمان صامت بأن التعلم هو الرسالة الأولى.
في هذا البيت، لم تكن المكتبة قطعة أثاث، بل كائنًا حيًا. مكتبة كبيرة، وزيارة سنوية لمعرض الكتاب، وكتب العقاد ونجيب محفوظ جزء من المشوار الطبيعي للأسرة. من هذه الرحلات تشكّلت علاقة مبكرة مع القراءة، تطورت لاحقًا إلى محاولة للكتابة، حين بدأ، وهو طالب في الثانوية العامة، كتابة قصص بوليسية، بحثًا عن مساحة يوظّف فيها الخيال، قبل أن يفكر يومًا في الصحافة كمهنة.
لم تكن الصحافة هدفًا مبكرًا. التحق بكلية التجارة في جامعة عين شمس، وتخرج عام 2004، محققًا المركز التاسع على شعبة ريادة الأعمال. كان شغوفًا بالتدريس، متأثرًا بتجربة والدته، وبالشرح أكثر من السرد، وبالتبسيط أكثر من الاستعراض. بعد التخرج، عمل مدربًا بالجمعية المصرية للأوراق المالية، وظيفة مؤقتة لشاب في بداية الطريق، لكنها فتحت له بابًا عمليًا لفهم الأسواق من الداخل.
خلال تحضيره للماجستير، بدأت الفكرة تتسلل: ربما تكون الصحافة وسيطًا قادرًا على نقل الأفكار المعقدة إلى الناس. من هنا، كانت جريدة «المال» نقطة التحول. يتذكر وقوفه أمام كشك الجرائد، وانجذابه لشكل الجريدة وألوانها، قبل أن يقرر الاتصال برئيس التحرير، عارضًا التعاون من أجل تقديم كتابات تثقيفية عن الأسواق المالية.
بدافع دراسته للإدارة، وحبه القديم للرياضيات منذ الثانوية العامة، دخل عالم الصحافة من بوابة الأخبار الاقتصادية. قرأ المواد المنشورة في السنوات السابقة، واطلع على تقاليد المهنة، في وقت كانت تحكم فيه البورصة مبادئ الشفافية ونزاهة الأسواق، بما يفرض قيودًا صارمة على الإفصاح. لم يكن دوره نقل الأرقام فقط، بل مقارنة الأداء، وتحليل المسارات، والبحث عما وراء البيانات المتاحة.
كانت تلك هي السنة الأولى في الصحافة؛ حيث رأى ورق الدشْت، وغرفة الديسك، والأفكار التي تُقبل وتُرفض، واختبر واقعيًا معنى العمل داخل غرفة أخبار بإمكانات محدودة: شريحة هاتف واحدة، وجهاز كمبيوتر يتناوب عليه الصحفيون. تجربة قاسية وبسيطة في آن، لكنها كانت كافية لتثبيت قدمه الأولى داخل المهنة.
بدأت تجربة عمرو العراقي مع صحافة البيانات من لحظة خارج السياق المحلي. عام 2013، وخلال رحلة إلى الولايات المتحدة بعد فوزه بالمركز الأول للصحفيين في إحدى المسابقات المتخصصة، تعرّض لأول صدمة مهنية حقيقية: غرف أخبار لا تشبه ما اعتاده في العالم العربي. هناك، لم يكن الصحفي وحده بطل القصة، بل جزءًا من فريق متعدد التخصصات؛ رسامون، ومطورون، ومصممون، يعملون جنبًا إلى جنب مع الصحفي، لا كأدوات مساعدة، بل كعقول شريكة في صناعة المحتوى.
رأى كيف تُعاد صناعة القصة الصحفية بأكثر من شكل، لا بتغيير العنوان أو الاختصار، بل بإعادة التفكير في الوسيط نفسه. نسخة للصحافة المطبوعة، وأخرى للتابلت، وثالثة للموبايل، لكل منها منطقها ولغتها البصرية. والأهم، وجود مدير تحرير لكل وسيط، يدير المحتوى وفق طبيعة المنصة، وهو ما بدا آنذاك فكرة متقدمة على واقع غرف الأخبار العربية.
لم يكن شغفه بالبيانات وليد تلك الرحلة، بل كان موجودًا من قبل، لكنه عاد مشحونًا بسؤال مختلف: كيف نُنقل القصة، لا كيف نجمع الأرقام؟ في تلك الفترة، كان يعمل كصحفي اقتصادي على تقارير الموازنة العامة للدولة، تلك الوثائق الثقيلة المحصورة في مجلدات مطبوعة، تُقرأ كأرقام صماء، لا كقصص تمس حياة الناس. المشكلة لم تكن في ندرة البيانات، بل في العجز عن تحويلها إلى سرد بصري قادر على الوصول للجمهور.
عاد من الولايات المتحدة بفكرة واضحة: إنشاء فريق تقني خدمي يعمل كمكتب خلفي لغرف الأخبار العربية، يقدم حلولًا لمعالجة البيانات وسردها بصريًا. من هنا بدأ تشكيل فريق عمل بسيط تحت اسم Info Times، وقدم خدماته لعدد من المؤسسات الإعلامية العربية، من بينها بوابة «أخبار اليوم» ووكالة الأنباء الأردنية، حيث عمل الفريق على تحويل البيانات إلى قصص قابلة للفهم، تتجاوز الجداول الجامدة إلى سرد بصري أكثر إنسانية.
تدريجيًا، تطورت التجربة من مجرد تقديم خدمات إلى التفكير في إنشاء منصة مستقلة. جرى تطوير أدوات وتقنيات تفاعلية تساعد على سرد القصة الرقمية، وتمكّن المستخدم من تصفح البيانات واستكشافها بنفسه، لا الاكتفاء بتلقيها بشكل سلبي.
في تلك المرحلة، عمل الفريق على تقرير صحفي حول الموازنة العامة للدولة، وشارك به في جائزة شبكة المحررين العالميين عام 2015، ليصل إلى القائمة القصيرة بموضوع حمل عنوان: «أين تذهب أموالنا؟». لم يكن التقرير مقالًا تقليديًا، بل أداة تفاعلية؛ حاسبة تتيح للزائر إدخال قيمة دخله فقط، دون أي تفاصيل شخصية أخرى، لتُظهر له كيف تتوزع الضرائب المستقطعة منه على بنود الإنفاق المختلفة، من سداد الدين، إلى التعليم، إلى الصحة. للمرة الأولى، تتحول الموازنة من أرقام مجردة إلى تجربة شخصية، يرى فيها القارئ أثر المال العام على حياته المباشرة.
استمرت التجربة في إنتاج هذا النمط من المحتوى، حيث لم تعد البيانات مجرد وسيلة شرح، بل أصبحت أداة مساءلة، إلى أن جاء تقرير بدا بسيطًا في فكرته، لكنه عميق في دلالته: تقرير مدفوع بالبيانات عن الكشري. السؤال كان مباشرًا وصادمًا في آن واحد: هل ما زالت الكشري وجبة الفقراء، أم أنها خرجت من هذا التصنيف تحت ضغط الغلاء؟
لم يكن التقرير قائمًا على انطباعات أو حنين اجتماعي، بل على عمل ميداني وتحليل رقمي. جُمعت مصادر متعددة، وأُجريت مقابلات حول معدل تناول الكشري، وأماكن شرائها، وتم اختيار عينة من محلات الكشري للمقارنة بين أسعارها. وُضعت هذه البيانات جنبًا إلى جنب مع أرقام الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، لتتحول الوجبة الشعبية إلى مرآة تعكس تحولات أوسع في أنماط الاستهلاك والقدرة الشرائية.
ولأن الفكرة الأساسية كانت دومًا نقل القصة لا تلقينها، جرى تطوير أداة تفاعلية تشبه الآلة الحاسبة، تتيح للناس استكشاف القصة بأنفسهم. بضغطة زر، يمكن للزائر أن يرى كم كان يكلف طبق الكشري عبر الزمن، ومقدار الزيادة التي طرأت على سعره، وكيف تتقاطع هذه الزيادة مع معدلات التضخم. لعبة بسيطة في شكلها، لكنها محمّلة بأسئلة اقتصادية واجتماعية أعمق، تجعل القارئ شريكًا في الفهم، لا متلقيًا للنتائج.
عام 2018، حصل الفريق على جائزة أفضل غرفة أخبار، لتكون لحظة فرح صافي، لا بوصفها تتويجًا مهنيًا فقط، بل باعتبارها تأكيدًا على أن الصحافة العربية قادرة على الحضور والمنافسة في مساحات عالمية شديدة التخصص. كانت الغرفة العربية الوحيدة التي تحصد هذه الجائزة المرموقة، وهو ما منح التجربة معنى يتجاوز حدود الفريق نفسه.
لكن الجائزة لم تكن نهاية الطريق، بل بدايته بشكل مختلف. تحولت السعادة سريعًا إلى إحساس بالمسؤولية؛ مسؤولية نقل المعرفة، وتوسيع الدائرة، وعدم احتكار الأدوات. من هنا بدأ العمل على إعداد مناهج تدريبية مخصصة للصحفيين داخل المؤسسات الإعلامية، بهدف تمكينهم من استخدام صحافة البيانات كأداة سرد ومساءلة، لا كترف تقني.
توسعت دوائر التعاون، ليشمل العمل مع BBC في تقديم دورات تدريبية بمنطقة المغرب العربي، إلى جانب شراكات متعددة مع مؤسسات إعلامية ومنظمات متخصصة، أُثمرت عن إعداد أدلة تدريبية لاستخدام صحافة البيانات في تغطية قضايا حقوق الإنسان. لم تكن هذه الأدلة مجرد كتيبات تقنية، بل محاولات لصياغة منهج مهني يربط بين الأرقام والكرامة الإنسانية، وبين التحليل الرقمي والسياق الحقوقي.
كانت تلك المرحلة بمثابة انتقال من ممارسة صحافة البيانات، إلى الإسهام في بناء بيئتها المهنية، عبر تعاونات وأعمال قُدمت لصالح مؤسسات مرموقة، رسّخت الفكرة الأساسية للتجربة: أن المعرفة حين تُشارك، تتحول من إنجاز فردي إلى أثر مستدام.
في جوهرها، كانت تجربة Info Times تجربة فرد واحد، بتمويل ذاتي كامل، قبل أن تتحول إلى كيان مهني له أثره. ورغم محدودية الإمكانات، حصدت التجربة عام 2014 جائزة أفضل مؤسس مجتمعي ضمن قائمة الخمسين الأكثر تأثيرًا في مصر، وهي جائزة لم تحمل فقط قيمة رمزية، بل وفّرت دعمًا ماديًا ساعد على تثبيت أقدام المشروع في مراحله الأولى.
بدأ المقر في وسط البلد، قلب القاهرة النابض بالأفكار، قبل أن ينتقل لاحقًا إلى القصر العيني، في خطوة لم تكن جغرافية فقط، بل مهنية بالأساس، إذ أتاح القرب من المؤسسات الصحفية المصرية تفاعلًا مباشرًا مع غرف الأخبار، وفهمًا أعمق لاحتياجاتها اليومية.
كان التحدي الأكبر يتمثل في اختيار فريق العمل؛ ليس من حيث المهارات فقط، بل من حيث الإيمان بالمبادئ. الإيمان بأن صحافة العمق ليست رفاهية، وأن الصحافة منتج يجب تطويره باستمرار ليتماشى مع احتياجات المؤسسات والجمهور معًا. لم يكن الهدف في البداية أن تصبح Info Times ناشرًا، فالمنافسة كانت صعبة، وصحافة البيانات بطبيعتها تستهلك وقتًا طويلًا في الإنتاج، ولا تُقاس بقواعد الزيارات اليومية أو العوائد السريعة، كونها ليست قصصًا خبرية عاجلة، حسب ما وصف.
لهذا، كان الخيار واضحًا: تقديم الخدمة، والنشر من أجل المعرفة. بناء أدوات، ومناهج، وخبرات، دون الارتهان لنموذج ربحي يفرض اختزالات مهنية. وعلى هذا الأساس، جرى تنظيم مؤتمرين في القاهرة حول صحافة البيانات، حضرهما أكثر من ألف صحفي، في محاولة لتفكيك الانطباع السائد آنذاك بأن صحافة البيانات لا تتجاوز كونها رسومًا بصرية أو «إنفوجراف». كانت الفكرة أبسط وأعمق في الوقت نفسه: البيانات ليست شكلًا، بل طريقة تفكير.
يرى عمرو العراقي أن صحافة البيانات ليست صحافة رأي، ولا خبرًا بالمعنى التقليدي، ولا حتى مجرد نقل للحقائق. هي صحافة قائمة على الأدلة؛ تقدم محتوى يعتمد على البرهان، لا الانحياز، ولا التأثر بالمزاج العام. بعض قصص صحافة البيانات، في نظره، تكتفي بعرض البيانات وترك الانطباع للمتلقي، لأنها في جوهرها نمط من أنماط إتاحة المعلومة، لا فرض الاستنتاج.
لكن هذا المسار الدقيق يحمل خطرًا كبيرًا: إساءة استخدام البيانات. حين تُستخدم الأرقام بشكل غير مهني، تتحول من أداة كشف إلى وسيلة تضليل، وتُسهم في إنتاج محتوى غير دقيق، بل وفي نشر فكر فوضوي يُقوّض الثقة في الصحافة نفسها. بالنسبة له، هذه ليست مجرد أخطاء، بل ممارسات غير مهنية تفرغ صحافة البيانات من معناها.
التعامل مع البيانات، كما يصفه، مرهق بطبيعته. ولهذا، فإن «صنّاع الرداءة» غير قادرين على التعامل معها بجدية؛ لا في جمعها، ولا في تحليلها. نصيحته الدائمة لزملائه هي العودة إلى البيانات الخام، وتحليلها بأنفسهم، بدل إعادة تدوير تحليلات جاهزة. فالتحليل الحقيقي يبدأ من الجداول الأولى، لا من النتائج النهائية.
اختيار القصة، في تجربته، مسألة شخصية قبل أن تكون مهنية. يرتبط الموضوع باهتمامات الصحفي نفسه: هل يميل إلى الرياضة، أم الرأي، أم القضايا الاجتماعية؟ لديه عادة مرهقة لكنها كاشفة: أي بيانات يعثر عليها على الإنترنت يقوم بتحميلها والاحتفاظ بها، حتى دون مشروع فوري. تراكم البيانات، بالنسبة له، هو مخزون أسئلة مؤجلة.
صحفي البيانات، كما يراه، هو شخص يرى العالم من داخل جداول «إكسيل». لا يكتفي بالنظر إلى الأرقام، بل يطرح أسئلة عليها. إذا كان يعمل على معدلات نمو التعليم، يسأل عن الفروق بين الجنسين. وإذا تناول ارتفاع معدلات الجريمة، لا يكتفي بالرقم الإجمالي، بل يحلل أنواع الجرائم، ويحسب المعدلات، ويضع مقارنات زمنية تكشف التحولات، لا اللحظة فقط.
من بين كل ما أنجزه، تظل قصة الغش في الثانوية العامة الأكثر تأثيرًا في مسيرته. في هذه التجربة، انتقل من صحفي يتعامل مع البيانات فقط، إلى صحفي يتعامل مع البيانات والخوارزميات التي تنتجها، ويفكك المنهجية الكامنة خلفها. لم تكن القصة مجرد كشف رقمي، بل إعادة تعريف لمشكلة اجتماعية. انتشرت على نطاق واسع، وتناقلها مفكرون وسياسيون، وأسهمت في تحويل الغش من سلوك مقبول اجتماعيًا إلى فعل مرفوض.
يقول إنه كان مستمتعًا أثناء العمل على هذه القصة؛ ربما لأنها لخصت ما يؤمن به: أن صحافة البيانات، حين تُمارَس بصدق، لا تشرح الواقع فقط، بل تغيّره.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى