صحافة لوم الضحية.. كيف تُعيد التغطية غير المهنية الناجية إلى نقطة البداية؟

إعداد: مارسيل نظمي
لا تقوم الصحافة فقط بنقل الوقائع ثم تتلاشى؛ بل تعيد صياغة معناها داخل الوعي العام، وتؤثر في كيفية فهم المجتمع للعدالة والمسؤولية. وفي القضايا الأكثر حساسية، مثل التحرش والاعتداءات الجنسية والعنف القائم على النوع الاجتماعي، تصبح اللغة الصحفية عنصرًا حاسمًا: إما أداة إنصاف تكشف الجريمة وتحمّل مرتكبها المسؤولية، أو وسيلة غير مباشرة لإعادة إنتاج العنف عبر لوم الضحية.
تنطلق عملية لوم الضحية في التغطية الصحفية من خلطٍ خطير بين التفسير والمسؤولية؛ أي تحويل المادة الخبرية من محاولة فهم كيفية وقوع الجريمة، حتى وإن كان في إطار اتهام لم يُفصل فيه قضائيًا بعد، إلى تفتيشٍ في أهلية الضحية لاستحقاقها. وبذلك تعيد بعض التغطيات إنتاج الأذى عبر تغييب دور المعتدي لصالح التشكيك في سلوك الضحية، وهي سقطة مهنية جسيمة تجعل من الخطاب الإعلامي أداة تبرير ضمني للعنف بدلًا من مساءلته.
ويُعدّ لوم الضحية في الإعلام ممارسة متكررة وملحوظة، خاصة ضد النساء والفتيات، عندما يتصور الجمهور، وفق مفاهيم اجتماعية شائعة عن الأخلاق، أن سلوك الضحية ينطوي على ما قد يُفسَّر باعتباره «ذنبًا أخلاقيًا». وهنا يتحول الخبر من توثيق جريمة إلى محاكمة اجتماعية للناجية.
وقد يظهر هذا اللوم في التركيز على سلوكيات الضحية مثل مظهرها العام، أو ملابسها، أو خروجها ليلًا، أو مهنتها، أو طبيعة شخصيتها، في محاولة لإيجاد عناصر تُستخدم لتفسير الاعتداء بدلًا من إدانته، وهو ما يُعرف في الأدبيات المهنية بـ «خطاب تبرير العنف».
كيف نتجنب فخ «لوم الضحية» في التغطية الصحفية؟
غالبًا ما يقع الصحفيون في هذا الفخ بصورة غير واعية عبر استخدام لغة توحي بأن الضحية شاركت، بشكل ما، في وقوع الجريمة، سواء من خلال اختيار المفردات أو ترتيب المعلومات أو زاوية التناول. لذا، تبرز الحاجة إلى الالتزام بقواعد تحريرية واضحة تهدف إلى إنتاج صحافة حساسة للنوع الاجتماعي وصحافة قائمة على حقوق الإنسان، يمكن تلخيصها في النقاط التالية:
قاعدة الفاعل وليس المفعول به
يجب أن ينصبّ التركيز على أفعال الجاني لا على ردود فعل الضحية.
مثال غير مهني: «تعرضت فتاة للاغتصاب أثناء سيرها ليلًا».
يركّز هذا الأسلوب على فعل الضحية، بما يوحي ضمنيًا بأن هذا السلوك مرتبط بالجريمة أو ساهم في وقوعها.
السؤال التحريري هنا: ما القيمة الخبرية لذكر توقيت سيرها؟
إذا لم يكن ذلك عنصرًا جوهريًا في التحقيق، فقد يتحول إلى رسالة ضمنية تلقي جزءً من المسؤولية على الضحية وتُرسّخ ثقافة لومها.
الصياغة المهنية: «اعتداء رجل على فتاة في منطقة كذا».
عنوان آخر غير منصف: «فتاة ليل تتعرض للاعتداء في منطقة معزولة فجرًا».
لماذا هو سيئ؟
لأنه يستخدم وصمًا أخلاقيًا «فتاة ليل» ويربط الجريمة بالزمان والمكان بطريقة توحي بالتبرير.
البديل الاحترافي: «القبض على شخص بتهمة الاعتداء الجنسي في منطقة (اسم المنطقة)».
هنا يتركز العنوان على الجريمة وإجراءات المحاسبة، دون تحميل الضحية مسؤولية ضمنية أو استخدام لغة وصم.
تجنب «لغة الإغواء»
ينبغي الابتعاد تمامًا عن وصف ملابس الضحية أو حالتها الاجتماعية أو مكان وجودها، إلا إذا كان ذلك ضروريًا للسياق القانوني أو الوقائعي، وحتى في هذه الحالة يجب تقديمه بوصفه معلومة مجردة لا تحمل دلالة تفسيرية أو تبريرية، مع تجنب وضعه في العنوان أو الفقرات الافتتاحية.
مثال غير مهني:«بملابس مثيرة.. مقتل فتاة عقب محاولة فاشلة لاغتصابها».
المشكلة هنا أن «الملابس» تصبح محور الخبر وكأنها سبب الجريمة، وهو نمط شائع في التغطيات الصفراء التي تعتمد الإثارة بدل الدقة.
الصياغة المهنية: «مقتل شابة إثر مقاومتها لمحاولة اعتداء جنسي.. والنيابة تبدأ التحقيقات».
مثال آخر غير منصف: «علاقة غير شرعية تنتهي باغتصاب فتاة بموافقتها في البداية».
لماذا هو سيئ؟
لأنه يشكك في وقوع الجريمة ويمنح الجاني تبريرًا ضمنيًا، كما أن مصطلح «علاقة» قد يخفف من جسامة الاعتداء.
البديل الاحترافي:«التحقيق في واقعة اعتداء جنسي بعد سحب الناجية موافقتها».
فالموافقة يمكن سحبها قانونيًا في أي وقت، ويظل الفعل القسري اعتداءً مكتمل الأركان وفق القوانين الدولية والمعايير الحقوقية.
المصطلحات القانونية الدقيقة
يفضَّل استخدام مصطلح «ناجية» في السياقات الإنسانية والاجتماعية، مع جواز استخدام «ضحية» عند الضرورة.
كما ينبغي استخدام «متهم» ما لم يصدر حكم قضائي نهائي، و«جاني» في حال صدور حكم بالإدانة.
كذلك يُفضَّل استخدام الفعل «اتهمت» بدلًا من كلمات مثل «ادعت» أو «زعمت»، لما تحمله الأخيرة من إيحاءات تشكيكية قد تؤثر في مصداقية الرواية قبل التحقيق.
أما «اتهمت» فهي صياغة قانونية محايدة تحفظ حق الأطراف كافة وتؤكد وجود اتهام قيد النظر أمام العدالة.
تجنب المبني للمجهول
قولنا «تم اغتصابها» يمحو الفاعل من الجملة ويُبقي الضحية وحدها في الواجهة، وهو أسلوب لغوي يعكس انحيازًا ضمنيًا حتى لو كان غير مقصود.
الصياغة المهنية تقتضي تسمية الفاعل متى أمكن: «اغتصب المتهم..» أو «ارتكب المتهم واقعة اعتداء..».
مثال غير مهني:«سيدة تُغتصب داخل وسيلة مواصلات عامة».
المشكلة: حذف الجاني بالكامل وتحويل الضحية إلى مجرد مفعول به، ما يرسّخ ثقافة العار المرتبطة بالضحية بدلًا من إدانة المعتدي.
البديل: «سائق حافلة يعتدي جنسيًا على راكبة؛ ومطالبات بتشديد الرقابة».
هنا يتحقق أمران: تحديد المسؤول بوضوح، وفتح نقاش عام حول إجراءات السلامة والوقاية.
أخيرًا.. خمس قواعد لصحافة منصفة خالية من «لوم الضحية»
لضمان تغطية مهنية تحترم الناجيات وتلتزم بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان، يمكن تبني القواعد التالية بوصفها خلاصة عملية لما سبق:
1) قاعدة الجاني هو الفاعل
تحميل المسؤولية الأخلاقية والقانونية للجاني في صياغة الخبر.
«اعتدى فلان» بدلًا من «تعرضت فلانة».
2) حظر السياقات التبريرية
عدم تقديم ملابس الناجية أو حالتها الاجتماعية أو توقيت الحادثة أو مكانها بوصفها عوامل مفسِّرة للجريمة.
يمكن ذكر بعض التفاصيل كحقائق مجردة عند الضرورة دون دلالات إيحائية.
3) تبني لغة التمكين
تجنب الأوصاف التي توحي بالعار أو الضعف الدائم.
يفضَّل استخدام «ناجية» في السياقات الإنسانية و«ضحية» في السياقات القانونية.
4) تفكيك ثقافة التشكيك
الامتناع عن استخدام أدوات لغوية تضعف رواية الناجية قبل صدور حكم قضائي، مع احترام الخصوصية وسرية البيانات وحماية الهوية.
5) المسؤولية عن التعليقات والمنصات الرقمية
تمتد مسؤولية المؤسسة الإعلامية إلى فضائها الرقمي، بما في ذلك الإشراف على التعليقات وحذف أي محتوى يحرض على لوم الضحية أو التنمر ضدها، لضمان بيئة نقاش آمنة لا تعيد إيذاء الناجيات.
وقد ظهر هذا النمط مؤخرًا في بعض التغطيات التي شككت في السلامة العقلية للناجية مريم شوقي في واقعة تحرش داخل حافلة نقل عام، وهو أسلوب مهني مرفوض لما ينطوي عليه من وصم وتشويه وإعادة إيذاء نفسي واجتماعي.
التغطية الصحفية ليست مجرد نقل لواقعة، بل تدخل مباشر في تشكيل سردية العدالة. وعندما تنحاز اللغة، ولو دون قصد، إلى مساءلة الضحية بدل الجاني، فإن الصحافة تتحول من سلطة رقابية إلى أداة لإعادة إنتاج العنف الرمزي.
إن الصحافة المنصفة لا تحمي الضحايا فحسب، بل تحمي المجتمع نفسه من تطبيع العنف وتبريره.



