التقارير الإعلامية
المسؤولية الإعلامية في القضايا الجنائية

إعداد: مارسيل نظمي
في واقعة أعادت طرح سؤال جوهري حول حدود المسؤولية المهنية للإعلام في القضايا قيد التحقيق، استضافت قناة «الحدث اليوم» الشاب المتهم في واقعة التحرش داخل أتوبيس النقل العام، ومنحته مساحة مطولة للحديث وإعادة تمثيل المشهد المتداول للواقعة على الهواء. وخلال الحلقة، طلبت مقدمة البرنامج منه إعادة الوقفة التي ظهر بها في الفيديو، وعلّقت على أدائه وثقته، في مشهد أقرب إلى إعادة إنتاج الواقعة بصيغة استعراضية، رغم أن القضية لا تزال منظورة أمام جهات التحقيق ولم تُحسم قضائيًا بعد.
وتأتي هذه الواقعة في سياق بالغ الحساسية، يتطلب موازنة دقيقة بين ثلاثة حقوق أساسية: حق الجمهور في المعرفة، وحق الضحية في الحماية من الإيذاء المتكرر، وحق المتهم في محاكمة عادلة وفق قرينة البراءة حتى تثبت إدانته. وأي اختلال في هذا التوازن قد يحول التغطية الإعلامية من أداة للوعي إلى عامل ضغط أو تشويش على العدالة.
تزامن ذلك مع تعرض الفتاة المتضررة لضغوط نفسية واجتماعية حادة، شملت وصمًا مجتمعيًا وتهديدات متكررة دفعتها إلى إغلاق إحدى حساباتها عبر منصات التواصل الاجتماعي، وهو ما يثير مخاوف جدية من تعرضها لما يُعرف مهنيًا بـ«إعادة الإيذاء» نتيجة تناول إعلامي غير حساس للقضية.
ولا يمكن النظر إلى هذه الاستضافة باعتبارها مجرد اختيار تحريري عابر، إذ إنها تطرح إشكاليات أعمق تتعلق بوظيفة الإعلام ذاته: هل يكتفي بنقل الحدث، أم يصبح طرفًا فاعلًا يعيد تشكيله؟ فحين يُقدَّم متهم في قضية تحرش بوصفه صاحب «ثبات» أو «كاريزما»، قد تتحول الجريمة المحتملة إلى مادة جدلية أو ترفيهية، بما يهدد بتطبيع العنف وتقليل إدراك خطورته لدى الجمهور، خصوصًا بين الفئات الأصغر سنًا.
وقد تدخل المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، برئاسة المهندس خالد عبدالعزيز، بموافقته على توصية لجنة الشكاوى برئاسة الإعلامي عصام الأمير، وكيل المجلس، بوقف عرض برنامج «السر في الحدوتة» تقديم سارة هادي، المذاع على قناة «الحدث اليوم»، بسبب ما تضمنته الحلقة التي أذيعت يوم 14 فبراير الجاري من مخالفات، مع استدعاء الممثل القانوني للقناة.
كما قرر المجلس إلزام جميع الوسائل الإعلامية الخاضعة لأحكام القانون رقم 180 لسنة 2018 بمنع ظهور مقدمة البرنامج وضيف الحلقة — المتهم في قضية تحرش — لحين انتهاء لجنة الشكاوى من فحص الواقعة وإجراء التحقيقات اللازمة، في خطوة تستهدف الحد من أي تأثير محتمل على مجريات التحقيق أو على الرأي العام.
وحتى لا تتكرر مثل هذه الوقائع، يمكن تفنيد أبرز الإشكاليات المهنية المرتبطة بهذه الاستضافة على النحو التالي:
تمجيد المتهم:
إبراز الثبات الانفعالي أو الثقة بالنفس لشخص متهم في واقعة تحرش قد يساهم في تلميع صورته اجتماعيًا، ويحوّل الجريمة المحتملة إلى موضوع قابل للإعجاب أو الجدل بدلًا من التعامل معها بوصفها انتهاكًا يستوجب المساءلة، بما قد يرسخ تصورًا خاطئًا بأن السلوك العنيف لا يمنع صاحبه من الحضور العام أو الشهرة.
التأثير على سير العدالة:
منح المتهم منصة إعلامية للدفاع عن نفسه قبل صدور حكم نهائي قد يخلق «محاكمة إعلامية» موازية، ويؤثر بصورة غير مباشرة على الشهود أو الرأي العام، وربما يفرض ضغوطًا على جهات التحقيق، بما يهدد حياد العملية القضائية.
إعادة إيذاء الضحية:
إعادة تمثيل الواقعة أو الاحتفاء بثبات المتهم قد يُعد شكلًا من أشكال الإيذاء غير المباشر للمجني عليها، ويضاعف من العبء النفسي والاجتماعي الواقع عليها، خاصة في قضايا العنف القائم على النوع الاجتماعي التي تتسم بحساسية عالية.
تزييف الوعي القيمي:
التركيز على شخصية المتهم أو حضوره بدلًا من مناقشة الظاهرة نفسها قد يرسل رسائل ضمنية مضللة، مفادها أن السلوكيات المنحرفة قد تتحول إلى وسيلة للانتشار الإعلامي، بما يهدد المنظومة القيمية ويُطبع العنف داخل المجال العام.
قواعد الاستضافة في القضايا الجنائية (معايير مهنية متعارف عليها)
تشير مدونات السلوك الإعلامي والمعايير المهنية الدولية إلى ضرورة إخضاع استضافة المتهمين لضوابط صارمة تحمي العدالة وحقوق الضحايا في آن واحد، من أبرزها:
الهدف من الاستضافة:
ينبغي أن يكون الغرض تقديم معلومات موثقة أو تحليل نقدي للظاهرة، لا إتاحة منصة للمفاخرة بالفعل أو كسب التعاطف.
حماية الضحية والسكينة العامة:
يُفضَّل تجنب ظهور المتهم إذا كان من شأن ذلك انتهاك خصوصية المجني عليهم أو إثارة الرأي العام بصورة تضر بالسلم المجتمعي.
عدم التربح من الجريمة:
توصي الأكواد المهنية بعدم منح مزايا مادية أو معنوية قد تُفهم كمكافأة على واقعة ضارة أو إجرامية.
المسؤولية التحريرية:
تقع على الوسيلة الإعلامية مسؤولية تقدير مدى تأثير المحتوى على التحقيقات أو على وعي الجمهور، ومنع خلق محاكمات موازية خارج إطار القضاء.
ضوابط المحتوى والحوار
قرينة البراءة:
يجب التعامل مع الضيف بصفته متهمًا لا مدانًا ولا بطلاً، مع استخدام لغة محايدة مثل: «المتهم»، «المنسوب إليه»، «الواقعة قيد التحقيق».
الحياد المهني:
دور المذيع/ة هو طرح الأسئلة النقدية ومواجهة الروايات المختلفة، لا الترويج أو التعاطف أو إعادة تمثيل الواقعة.
احترام كرامة الإنسان:
يحظر تقديم التحرش أو العنف ضد النساء باعتباره سلوكًا قابلًا للتبرير أو النقاش الشخصي، أو ربطه بملابس الضحية أو سلوكها.
يثمّن المرصد المصري للصحافة والإعلام تدخل المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام واتخاذه إجراءات رقابية عاجلة، باعتبار ذلك خطوة ضرورية لحماية المعايير المهنية ومنع تحول القضايا الجنائية إلى محتوى ترفيهي يضر بالضحايا ويقوض الثقة في الإعلام.
ويدعو المرصد المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام ونقابة الصحفيين إلى توسيع نطاق التدريب ونشر الوعي بالأكواد المهنية بين جميع العاملين/ات في المجال الإعلامي، بما يضمن التعامل المسؤول مع القضايا الحساسة، خصوصًا المرتبطة بالعنف والانتهاكات.
كما يهيب بكافة المؤسسات الإعلامية تغليب المسؤولية المجتمعية على منطق الترند والمشاهدات اللحظية، إدراكًا لأن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى تطبيع العنف وتقويض دور الإعلام بوصفه رقيبًا على السلطة وحارسًا للقيم العامة.
إن حماية الضحايا وصون نزاهة العدالة والحفاظ على ثقة الجمهور ليست خيارات تحريرية، بل شروط أساسية لبقاء الإعلام فاعلًا مهنيًا يخدم الصالح العام، لا طرفًا يضاعف الضرر أو يعيد إنتاجه.



