بروفايل

عمر مصطفى.. من «المراسل الصحفي الناشئ» إلى هندسة التحول الرقمي في غرف الأخبار

على مدار أكثر من 20 عامًا، ظلّ الصحفي والمدرب عمر مصطفى حاضرًا في قلب التحولات الكبرى التي شهدتها الصحافة المصرية والعربية، من زمن الصحافة الورقية إلى عصر المنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي. لم يكن مجرد شاهد على التطوير، بل أحد صُنّاعه، عبر مساهماته في بناء وتحديث مؤسسات صحفية راسخة، وإطلاق منتجات رقمية، وتدريب أجيال جديدة من الصحفيين. في مسيرة جمعت بين الشغف المبكر، والرؤية الإدارية، والخبرة التقنية.
وُلد عمر مصطفى في حي المعادي عام 1981، في بيتٍ كانت الثقافة فيه جزءً من التفاصيل اليومية، لا ترفًا عابرًا. والده موسيقي، ووالدته موظفة، لكن تأثيرهما تجاوز أدوارهما المهنية إلى تشكيل وجدان طفلٍ انفتح مبكرًا على عالم الكلمة والصوت والصورة. في ذلك البيت، لم تكن المجلات مجرد أوراق تُقلب، بل نوافذ على العالم. كان والده يحرص على أن يجلب له إصدارات الأطفال، مثل مجلة سمير، فارتبطت القراءة لديه بالمتعة، لا بالواجب المدرسي. هكذا بدأ التعلق الأول بالصحافة، لا باعتبارها مهنة، بل كعالمٍ سحري يصوغ الحكايات ويمنحها شكلًا ومعنى.
في سن الحادية عشرة، جاءت اللحظة الفارقة. أتيحت له فرصة الانضمام إلى مشروع «المراسل الصحفي الناشئ» في مجلة سمير الصادرة عن دار الهلال، تحت رئاسة تحرير الكاتبة الصحفية نتيلة إبراهيم راشد المعروفة بـ «ماما لبنى». لم يكن المشروع نشاطًا عابرًا، بل تجربة صحفية حقيقية تسمح للأطفال بإنتاج محتوى يُنشر بأسمائهم، مع استخراج كارنيهات تعريفية وعقد اجتماعات أسبوعية وشهرية للتدريب والنقاش.
استمرت التجربة قرابة سبع سنوات، وكانت – كما يصفها – فرصة مبكرة لتشكيل الوعي المهني. تعلّم كيف تُبنى الفكرة، وكيف يُصاغ السؤال، وكيف تُراجع المادة قبل النشر. الأهم أنه أدرك أن الصحافة مسؤولية قبل أن تكون شهرة. المشروع كان له طابع عالمي، وخرجت منه أسماء كبيرة في مجالات التحرير والأدب والصحافة. هنا، في تلك الغرف الصغيرة، تشكلت ملامح الصحفي الذي سيصبح لاحقًا أستاذًا في التحول الرقمي في أكثر من مؤسسة.
كان لعمل والده كموسيقي أثر بالغ في اتساع أفقه -حسب ما وصف – البيت كان يستقبل مفكرين وأدباء ومبدعين، فصار الحوار الثقافي جزءً من المشهد الطبيعي. لم يكن الكتاب ضيفًا عابرًا، بل مقيمًا دائمًا. حين لاحظ الأب شغف ابنه بالقراءة، حرص على تزويده بإصدارات المجلات المختلفة، وكان معرض القاهرة الدولي للكتاب طقسًا سنويًا للأسرة، يُنتظر بشغف. هذا التراكم الثقافي المبكر أسس لوعيٍ يرى الصحافة امتدادًا للثقافة، لا مجرد صناعة خبر.
التحق عمر مصطفى بكلية الآداب، قسم الإعلام جامعة حلوان، رغبةً في صقل الموهبة بالدراسة الأكاديمية. كانت المرحلة مهمة، لكنها لم تكن خالية من التساؤلات. شعر أن المناهج بحاجة إلى تطوير لتواكب تحولات المهنة، وأن طموحه يتجاوز ما يُقدَّم داخل القاعات الدراسية. هذا التوتر بين الشغف الشخصي وحدود المقرر الأكاديمي كان دافعًا للبحث الذاتي، ولتعلمٍ موازٍ خارج الإطار التقليدي.
يؤمن بأن المهنة تُبنى بالعلاقات الإنسانية بقدر ما تُبنى بالمهارات. يتذكر بامتنان الكاتب الصحفي محسن الزيات، الذي أشرف على المحتوى في مجلة «سمير»، وتتلمذ على يده مهنيًا وإنسانيًا. كما يتحدث عن المخرج الكبير محمود رحمي، صاحب شخصيات «بوجي وطمطم»، الذي كان يستضيفه في منزله ويحكي له عن تجاربه المهنية والإنسانية، واستمرت العلاقة حتى وفاة رحمي. كذلك كان للكاتب والروائي والصحفي محمود قاسم دور مهم؛ فقد شاركه كتبه قبل نشرها، واصطحبه إلى مناسبات أدبية وفنية، وكان بوابته الأولى إلى «مجلة سمير».
كانت أولى محطاته المهنية في موقع «كنانة»، وهو موقع إلكتروني معني بالفنون والثقافة والتراث في مصر. عمل محررًا في مجالات الأدب والفن التشكيلي، وهناك اصطدم بتحدٍ جديد: العلاقة بين التحرير والتقنية. أدرك أن إدارة المحتوى الرقمي لا تتوقف عند جودة النص، بل تشمل معايير النشر، وعدد الكلمات، ومتطلبات المنصة. اكتشف أن المنظومة تحتاج أدوارًا وسيطة تربط بين الصحفيين والتقنيين، وأن الصحافة الحديثة ليست قلمًا فقط، بل شبكة معقدة من المهارات.
هذا الإدراك دفعه للالتحاق بدورة تدريبية في تصميم وتطوير المواقع الإلكترونية. لم يرد أن يبقى أسير النص، بل أراد فهم البنية التي يُنشر عبرها النص. هكذا بدأ يرى الموقع كمنتج صحفي متكامل، لا مجرد وعاء للنشر.
عام 2009، كانت التجربة الأبرز مع جريدة الشروق، حيث شارك في إطلاق النسخة الرقمية للجريدة. كان المشروع طموحًا: إنشاء موقع مختلف تمامًا عن النسخة الورقية، بمنتج صحفي رقمي له منطقه وأدواته. تولى إدارة تطوير المحتوى والمنتجات الرقمية، واستمر في هذا الدور عشر سنوات.
خلال تلك الفترة، لعب موقع جريدة الشروق دورًا مهمًا، خاصة في تغطية أحداث يناير 2011، حين اتجه الجمهور إلى المنصات الرقمية لمتابعة التطورات. عمل على نقل تجارب دولية إلى غرفة الأخبار المصرية، ونشر ثقافة «الديجيتال» داخل المؤسسة، مع متابعة الأداء والإحصاءات وتحليل سلوك الجمهور.
لم تتوقف مساهماته عند «الشروق»؛ فقد شارك في تطوير مواقع جريدة التحرير وجريدة الدستور، وأسهم في مشروع «أصوات مصرية» بالتعاون مع رويترز، الذي تناول التحولات السياسية والاجتماعية في مصر بعد 25 يناير 2011. كما خاض تجارب خارج مصر، منها العمل مع محطة إذاعية محلية في العراق بالتعاون مع بي بي سي، وتقديم استشارات لتطوير المحتوى في موقع «ناس مصر» التابع لدويتشه فيله.
في عام 2016، حصل على درجة الماجستير في إدارة المؤسسات الصحفية من الجامعة الألمانية بالقاهرة. كانت الدراسة محطة فارقة لأنها جمعت بين تخصصه الصحفي ومفاهيم ريادة الأعمال والمحاسبة وإدارة المؤسسات. لم يعد ينظر إلى الصحافة كمحتوى فقط، بل كمؤسسة تحتاج إدارة واستدامة ونموذجًا اقتصاديًا واضحًا.
بدأت رحلته التدريبية عام 2009 بدورة تدريبية في وكالة الأنباء الكويتية حول كتابة الأخبار القصيرة، في ظل اعتمادهم على خدمة الرسائل النصية SMS. جاء الترشيح بعد حصوله على تدريب في كتابة الأخبار القصيرة مع «رويترز». لاحقًا، تلقى تدريبات في ألمانيا وبريطانيا، واكتشف أن التدريب صناعة قائمة بذاتها، لها أدواتها وفنياتها.
قرر أن يكون مدربًا يحمل رسالة: نقل المعرفة ومشاركة الخبرات. تأهل ليصبح مدربًا في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وتعاون تدريبيًا مع «رويترز» و«بي بي سي» و«دويتشه فيله» ووكالة الأنباء الكويتية، و«وان إفرا». ومؤخرًا، شارك في تنظيم أول دورة تدريبية لتدريب المدربين في المجال الصحفي بنقابة الصحفيين، بالاشتراك مع د. منى عبد المقصود، بهدف إعداد مدربين محترفين يمتلكون أدوات نقل المهارة بفاعلية. هذه التجربة جمعته بزملاء من مختلف أنحاء الوطن العربي، وعززت إيمانه بأن بناء الإنسان الصحفي لا يقل أهمية عن بناء المنصة.
يرى عمر مصطفى أن السنوات العشر المقبلة ستحمل تحولات تفوق قدرتنا الحالية على التوقع، خاصة مع تسارع تطورات الذكاء الاصطناعي. في غرف الأخبار، ستتغير الأدوار، وستظهر وظائف جديدة. لكنه يعتقد أن مسار الصحافة الرقمية في العالم العربي قد يختلف عن أوروبا، تبعًا للسياقات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.
يأمل أن تتطور الصحافة القومية لتصبح أكثر فائدة للمجتمع، وأن تنضج الصحافة الخاصة لتقدم محتوى يعكس اهتمامات متنوعة بدقة وموضوعية. تقنيًا، يتوقع طفرة في أدوات الإنتاج والتوزيع، لكن التحدي سيظل في حسن التوظيف.
أما الذكاء الاصطناعي، فيراه سلاحًا ذا حدين: نعمة إذا استُخدم لتطوير المحتوى الجاد، ونقمة إذا أتاح إنتاج محتوى بلا معايير مهنية. المشكلة — في نظره — ليست في التقنية، بل في طريقة استخدامها.
يوجه نصيحته للشباب بألا يربطوا أنفسهم بتخصص لا يعرفونه جيدًا، وأن يطوروا مهاراتهم باستمرار، وألا يدخلوا المهنة لمجرد بريق الاسم. الصحافة تتطلب شغفًا حقيقيًا وقدرة على التحمل ومتابعة دائمة لما يحدث في العالم. المعرفة اليوم متاحة أكثر من أي وقت مضى، لكن التحدي في كيفية استثمارها.
ويؤكد على أهمية التسلح باللغة للاطلاع على مصادر متنوعة، وعلى إتقان المهارات الرقمية وأدوات البحث والتحقق. فالمستقبل – كما يراه – لن يكون لمن يكتب فقط، بل لمن يفهم المنظومة كاملة، من الفكرة حتى وصولها إلى الجمهور.
بهذه الرحلة التي بدأت بطفل يحمل كارنيه «مراسل ناشئ»، ووصلت إلى خبير في تطوير المنتجات الرقمية وتدريب الصحفيين، يختصر عمر مصطفى مسار جيلٍ انتقل من الورق إلى الشاشة، ومن غرفة التحرير التقليدية إلى غرفة أخبار متعددة المنصات، دون أن يفقد إيمانه بأن جوهر الصحافة سيظل دائمًا: البحث عن الحقيقة، وخدمة المجتمع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى