التقارير الإعلامية
تغطية برامج المقالب في رمضان.. كيف نحقق الانتشار دون إيذاء؟

إعداد: أشرف عباس
مع تصاعد الجدل السنوي حول برامج المقالب في شهر رمضان، تجد القنوات التلفزيونية والمؤسسات الإعلامية والمنصات الرقمية نفسها أمام معادلة معقدة: تحقيق الانتشار والتفاعل دون التحول إلى وسيط يعيد إنتاج الخوف أو الإحراج أو الإذلال بوصفها مادة للترفيه. وفي بيئة يحكمها سباق المشاهدات واقتصاد الانتباه، لا يعود نشر المقاطع أو التغطية المصاحبة مجرد نقلٍ للظاهرة، بل قد يسهم مباشرة في تضخيمها وتطبيع آثارها.
يقدّم هذا النص الإرشادي إطارًا عمليًا للتعامل المهني مع هذا النوع من المحتوى بما يحقق الجاذبية دون الإضرار بالأفراد أو المساس بكرامتهم الإنسانية.
ولا يقتصر هذا الإطار على الصحفيين وحدهم، بل يستهدف كذلك فرق إدارة المحتوى الرقمي والسوشيال ميديا والمونتاج والنشر في القنوات والمنصات وشركات الإنتاج، وهم الجهات الأكثر تأثيرًا في اختيار اللقطات الترويجية وصياغة العناوين والصور المصاحبة. فقرارات النشر السريعة المتعلقة بالمقاطع المقتطعة قد تكون العامل الأبرز في تضخيم الأثر أو الحد منه، حتى في غياب تغطية صحفية تقليدية.
يتزايد حضور المحتوى الترفيهي القائم على الصدمة في البيئة الإعلامية الرقمية، مدفوعًا بمنافسة حادة على الانتباه. وفي هذا السياق، لا تعود المعالجة الإعلامية مجرد عرضٍ للحدث، بل قد تتحول إلى إعادة إنتاج لأثره النفسي والاجتماعي. ويهدف هذا الإطار إلى دعم معالجة مسؤولة تحقق التفاعل دون ترسيخ ممارسات مسيئة بوصفها أمرًا طبيعيًا.
لم تعد برامج المقالب في رمضان، وعلى رأسها البرامج التي تعتمد على التخويف أو الإحراج الشديد، مجرد مادة ترفيهية تنتهي بانتهاء الحلقة، بل تحولت إلى ظاهرة إعلامية تتضاعف آثارها عبر إعادة النشر والتداول الرقمي. ولا تكمن الإشكالية في وجود هذه البرامج، بل في طريقة تقديمها وترويجها حين تتحول اللحظة الأكثر إحراجًا إلى عنصر جذب رئيسي.
المشكلة الأساسية ليست في البرنامج ذاته، بل في تحويل اللحظة الأكثر إحراجًا إلى «خبر» أو مادة ترويجية. ومع تكرار هذا النمط، يصبح الإيذاء قابلًا للتطبيع ويُقدَّم كوسيلة مشروعة للضحك.
ولا يغيّر من ذلك القول إن هذه البرامج تمثيلية أو أن الضيوف على علم بطبيعتها؛ فالمتلقي لا يشاهد ترتيبات الإنتاج، بل يستقبل مشهدًا يبدو واقعيًا، وهو ما يكفي لإنتاج أثر اجتماعي مستقل عن طبيعة الإعداد.
وتنطبق المبادئ الواردة هنا على مختلف أشكال المحتوى الترفيهي القائم على المفاجأة أو الإحراج أو التخويف، سواء في البرامج التلفزيونية أو المنصات الرقمية أو المقاطع القصيرة المتداولة.
– التحدي المهني: المنافسة دون السقوط في فخ الصدمة
تعمل المؤسسات الإعلامية والمنصات تحت ضغط دائم لتحقيق الانتشار، ما يدفع إلى إبراز أكثر اللقطات إثارة. غير أن المعالجة التحليلية الجذابة يمكن أن تحقق مشاهدات مرتفعة دون إعادة عرض الإذلال.
الانتشار لا يرتبط فقط بحدة المشهد، بل بزاوية المعالجة وجودة التفسير وقدرة المادة على إثارة الفضول المعرفي لا الفضول الصدمي. كما أن خوارزميات المنصات الرقمية تميل إلى تفضيل المحتوى الذي يثير انفعالات قوية، ما يزيد من إغراء الاعتماد على اللقطات الصادمة بوصفها طريقًا سريعًا للتفاعل.
متى تكون التغطية أو إعادة النشر مبررة مهنيًا؟
تصبح المعالجة أكثر وجاهة عندما تتجاوز مجرد عرض المشهد إلى تناول أبعاده الأوسع، وتستند إلى قيمة تفسيرية أو خبرية واضحة، مثل:
وجود جدل مجتمعي واسع حول البرنامج أو مضمونه
ارتباط الموضوع بقضايا ثقافية أو أخلاقية أو إعلامية أعم
صدور ردود فعل مؤسسية أو قانونية
تقديم قراءة تحليلية لأساليب صناعة الترفيه
مناقشة التأثيرات النفسية أو الاجتماعية للمحتوى
الكشف عن معلومات جديدة أو سياقات غير معروفة
وجود تبعات عامة تمس الجمهور أو المجال الإعلامي
أما إعادة نشر اللقطات بوصفها مادة ترفيهية قائمة بذاتها فلا تضيف قيمة حقيقية.
بدائل تحقق الانتشار دون الإيذاء
عناوين تفسيرية مثيرة للاهتمام لا للإهانة
مثل: «لماذا تثير برامج المقالب جدلًا متكررًا كل رمضان؟»
تحويل زاوية المعالجة من «ماذا حدث للضيف؟» إلى «لماذا يثير هذا النوع من الترفيه انقسامًا؟»
تحليل ردود الفعل المجتمعية بدل عرض رد الفعل الانفعالي
تقديم قراءة لصناعة البرنامج وآليات إنتاجه
استضافة خبراء أو مختصين في الإعلام أو علم النفس أو الثقافة
استخدام صور محايدة أو لقطات عامة بدل المشهد الصادم
هذه البدائل تحافظ على الجاذبية دون تحويل الشخص إلى مادة للسخرية أو التشهير.
– لغة العناوين: تجنب تحويل الشخص إلى موضوع للصدمة
العنوان هو أكثر عناصر المادة انتشارًا وتأثيرًا، وقد يعيد إنتاج الإيذاء حتى دون قراءة المحتوى.
يُستحسن تجنب عناوين مثل:
يذل فلان
انهيار فلانة
صراخ هستيري على الهواء
واستبدالها بلغة تصف الفعل البرامجي لا الشخص، مثل:
انتقادات لفقرة في برنامج بعد عرض حلقة جديدة
جدل حول أسلوب المقالب في الحلقة الأخيرة
ردود فعل متباينة على مشهد في برنامج ما
الإشكاليات المهنية في التغطية والترويج
تزييف القيمة عبر التركيز على الصدمة بدل الظاهرة
تضخيم اللحظة الانفعالية وإخراجها من سياقها
إعادة إنتاج الإيذاء عبر التداول المتكرر
تطبيع الإهانة والعنف النفسي بوصفهما مادة للضحك
نشر مواد تمس الخصوصية أو السمعة
تعريض الضيوف لموجات تنمر لاحقة
ضوابط نشر المقاطع المصورة
الأصل هو تفسير المحتوى لا إعادة عرضه.
يُستحسن تجنب نشر المشاهد التي تتضمن إذلالًا واضحًا أو خوفًا شديدًا أو مساسًا بالخصوصية. وفي حال الضرورة:
عرض الحد الأدنى فقط
تقديم سياق واضح للمشاهد
تجنب الاقتطاع المضلل
عدم إعادة التدوير المتكرر للمشهد
تجنب استخدام اللقطة الأكثر صدمة كصورة رئيسية
الأداء التمثيلي لا يلغي الأثر الواقعي
حتى إذا كان المشهد مُعدًّا سلفًا، فإن الجمهور يستقبله بوصفه فعلًا حقيقيًا.
ويحدث التطبيع مع الإيذاء عند مستوى التلقي لا الإنتاج، كما أن إعادة نشر المقطع خارج سياقه قد تحوّله إلى مادة للتشهير أو التنمر.
– البعد الجندري والعُمري
قد تتعرض الضيفات لتعليقات أشد ارتباطًا بالجسد أو المظهر، وقد يتحول المشهد إلى وصم طويل الأمد. كما أن مشاهدة الأطفال والمراهقين لهذه المواد قد ترسخ تصورًا بأن التخويف أو الإذلال جزء طبيعي من المزاح.
البيئة الرقمية وتضخيم الأثر
الصورة المصاحبة والعنوان المختصر قد يعيدان إنتاج الإحراج حتى دون مشاهدة المادة كاملة. كما أن بقاء المحتوى في الفضاء الرقمي يمدد أثره النفسي والاجتماعي لسنوات، وقد يُستخدم لاحقًا في حملات تنمر أو تشهير خارج سياقه الأصلي.
– إدارة التعليقات: مسؤولية لا خيار
إذا كانت المادة المنشورة تفتح بابًا للتنمر الشخصي أو الجندري، فلا يكفي الاكتفاء بدور الناشر المحايد.
تشمل المسؤولية المهنية:
حذف أو إخفاء التعليقات المسيئة
الحد من خطاب الكراهية أو التشهير
مراقبة النقاش إذا تحول إلى هجوم شخصي
إغلاق التعليقات عند الضرورة
إهمال التعليقات قد يحول المادة إلى منصة لإعادة الإيذاء بشكل جماعي.
اختبار سريع قبل النشر
يمكن طرح الأسئلة التالية:
هل يشرح العنوان أم يستفز؟
هل تضيف المادة فهمًا أم تعيد عرض اللقطة؟
هل قد يسبب النشر ضررًا إضافيًا؟
هل تحترم المادة الكرامة الإنسانية؟
هل يمكن تقديم المعالجة بشكل أقل إيذاءً؟
إذا مالت الإجابات نحو الإثارة، فالمعالجة تحتاج مراجعة.
آلية اتخاذ القرار قبل النشر
تحديد القيمة التفسيرية للمادة
تقييم الحاجة إلى عرض المشهد من عدمه
اختيار صورة محايدة إن أمكن
تقدير احتمال الضرر اللاحق
مراجعة اللغة والعنوان قبل النشر
إذا تعذّر تحقيق هذه الشروط، يُفضّل إعادة المعالجة أو تأجيل النشر.
كيف يمكن استخدام هذا الإطار داخل المؤسسات؟
يمكن اعتماده في:
– صياغة سياسات داخلية للتعامل مع المحتوى عالي الحساسية
– تدريب فرق السوشيال والمحررين الرقميين
– مراجعة المواد قبل النشر أو بعده
– تطوير معايير موحدة للعناوين والصور
– اتخاذ قرارات سريعة في التغطيات المثيرة للجدل
-تحويل الإرشادات إلى ممارسة فعلية
-وضع ميثاق داخلي للتعامل مع المحتوى الصادم
– تعيين مسؤول مراجعة للمحتوى عالي الحساسية
– تدريب الفرق على تقليل الضرر الإعلامي
مراجعة ما بعد النشر وتعديل العناصر الضارة عند الحاجة
بين النقل وصناعة التأثير
الإعلام لا يعكس الواقع فقط، بل يسهم في تشكيله. وعندما تتحول المعالجة إلى إعادة عرض للحظة الأكثر إثارة، يصبح الإعلام شريكًا في صناعة التأثير لا مجرد ناقل له.
إن التغطية المسؤولة لا تعني تجاهل برامج المقالب، بل تناولها بوعي يحافظ على مسافة واضحة بين الإعلام والترفيه.
فالمعيار الحقيقي ليس حجم المشاهدات، بل القدرة على جذب الجمهور دون الإضرار بالأفراد أو ترسيخ ممارسات مسيئة بوصفها أمرًا عاديًا.
ولا تقتصر هذه المبادئ على موسم رمضان، بل تصلح إطارًا عامًا للتعامل مع أي محتوى صادم أو قائم على الإحراج طوال العام.
إن حماية الكرامة الإنسانية والحفاظ على بيئة إعلامية لا تكافئ الإذلال ليست رفاهية أخلاقية، بل شرط أساسي لبقاء الإعلام مصدرًا موثوقًا للمعرفة لا مجرد ناقل للصدمة.



