يسري البدري.. صحفي رسم مسيرته من سوهاج إلى صدارة المشهد الإعلامي

من قلب الجنوب المصري، بالتحديد محافظة سوهاج، خرج الكاتب الصحفي يسري البدري ليصبح واحدًا من أبرز الأصوات في صحافة الحوادث في مصر. في رحلة بدأت من شغف مبكر بالقراءة، ومرت بغرف أخبار الصحف الكبرى، بين الميدان والكاميرا، صنع لنفسه مدرسة صحفية خاصة قائمة على الدقة، والإنصاف، والانحياز للإنسان. يؤمن أن الحوادث ليست جريمة تُروى، بل مجتمع يُقرأ، وأن الصحفي الحقيقي لا يُدين بل يكشف الحقيقة ويترك العدالة تأخذ مجراها.
في مدينة جهينة التابعة لمحافظة سوهاج، وعلى امتداد الجبل الغربي الذي يمنح المكان صلابته وهدوءه في آنٍ واحد، بدأت الحكاية. لم تكن جهينة مجرد نقطة على الخريطة بالنسبة ليسري البدري، بل كانت معملًا أول لتشكّل الوعي، ومسرحًا مبكرًا لاكتشاف الذات. تبعد المدينة قرابة ثلاثين كيلومترًا عن عاصمة المحافظة، لكنها كانت – وما زالت – الأقرب إلى قلبه، لأنها ببساطة تمثل الجذور الأولى لكل ما جاء بعدها.
نشأ يسري البدري في أسرة مكوّنة من تسعة أفراد؛ أب وأم وأبناء في بيت يقدّر المعرفة، ويضع التعليم في موقع القيمة العليا. كان هو الابن الأصغر، “آخر العنقود” كما يصف، وهو موقع يمنح صاحبه مساحة خاصة من الرعاية والاهتمام، لكنه في حالته لم يكن مجرد تدليل عابر، بل كان دعمًا حقيقيًا لشغف مبكر بالقراءة. منذ سنواته الأولى في المدرسة الابتدائية، لم يكن ينتظر انتهاء اليوم الدراسي للعب فقط، بل كان يقصد مكتبة المدرسة، يفتش في رفوفها عن عناوين جديدة، ويغرق في عوالم كبرى.
لم تتوقف الرحلة عند مكتبة المدرسة. قصور الثقافة في سوهاج كانت محطة أساسية، ثم جاءت مكتبة الجامعة لاحقًا لتفتح أمامه أبوابًا أوسع. كانت القراءة بالنسبة له فعل اكتشاف مستمر؛ يقرأ في الأدب، في التاريخ، في السياسة، وفي الحكايات الشعبية، كأنما يحاول أن يبني داخله أرشيفًا مبكرًا للعالم. البيئة التي نشأ فيها، رغم بساطتها الجغرافية، كانت غنية ثقافيًا بمعنى الانتماء والهوية، وهو ما انعكس لاحقًا في اهتمامه بالقضايا المحلية وهموم الناس.
أنهى مراحله التعليمية الثلاث – الابتدائية والإعدادية والثانوية – في جهينة، ثم التحق بقسم الصحافة بكلية الآداب في جامعة جنوب الوادي، التي أصبحت لاحقًا جامعة سوهاج. التحق بالقسم في زمن لم تكن فيه كليات الإعلام منتشرة بالقدر الحالي، وكان القسم حديث العهد نسبيًا، لكنه استطاع أن يثبت حضوره في الوسط الصحفي، وأخرج أسماء لامعة في المهنة.
تخرج يسري البدري عام 2000 ضمن الدفعة العشرين للقسم، وهو رقم ظل يذكره باعتزاز، لأنه يمثل مرحلة تأسيسية في تاريخ القسم.
لكن التكوين الصحفي الحقيقي لم ينتظر لحظة التخرج. منذ أن كان طالبًا، بدأ يحتك بالممارسة العملية. كانت هناك صحيفة محلية تصدر في ذلك الوقت باسم “صوت سوهاج”، عن الحزب الوطني الديمقراطي قبل حله عقب ثورة 25 يناير 2011. في هذه الصحيفة، خاض تجربته الأولى في النشر المنتظم. كان المقابل المادي محدودًا، لكنه لم يكن يبحث عن العائد بقدر ما كان يبحث عن فرصة ليقرأ اسمه مطبوعًا، ليختبر شعور المسؤولية تجاه كلمة منشورة.
لم يكتفِ بالتجربة المحلية. كان يسافر إلى القاهرة، يجمع أعداد الصحف والمجلات، يبحث عن عناوين وهيئات تحرير، ثم يراسلها بموضوعات وتقارير. خلال سنوات دراسته الأربع، أصبح معروفًا داخل القسم بأنه يراسل ما يقرب من 22 صحيفة ومجلة في الوقت نفسه. كانت تجربة قاسية من حيث الجهد، لكنها علمته الانضباط، وتعدد الزوايا، والقدرة على تكييف الموضوع الواحد ليتناسب مع سياسات تحريرية مختلفة.
كتب عن قضايا تمس محافظة سوهاج بشكل مباشر. تناول ملف متحف سوهاج الذي تعطل إنشاؤه لأكثر من عشر سنوات، ورصد مخالفات محلية، وفتح موضوعات خدمية وتنموية. اللافت أن المحافظين والمسؤولين في ذلك الوقت كانوا يردون على ما يُنشر، ويوضحون الحقائق، ما عزز لديه الإيمان بأن الصحافة يمكن أن تكون حلقة وصل حقيقية بين المواطن وصانع القرار.
في خلفية هذا التكوين، كان هناك تأثير أدبي واضح. فهو ابن مدينة ينتمي إليها الأديب الكبير جمال الغيطاني. لم يكن التأثر مجرد إعجاب عابر، بل كان انبهارًا بتجليات السرد، وبالقدرة على تحويل التفاصيل اليومية إلى نصوص نابضة بالحياة. هذا التأثير جعل يسري البدري يرى في الصحافة أكثر من مجرد نقل خبر؛ رآها كتابة لها روح، وتحقيقًا يمكن أن يُقرأ كحكاية، دون أن يفقد دقته أو مهنيته.
مع التخرج عام 2000، بدأ الفصل الأهم في مسيرته المهنية بالالتحاق بصحيفة المصري اليوم منذ تأسيسها تقريبًا. دخل الجريدة محررًا في قسم الحوادث، وهو واحد من أكثر الأقسام صعوبةً وحساسيةً في العمل الصحفي. الحوادث ليست أخبارًا عابرة؛ هي تماس مباشر مع الألم الإنساني، مع الجريمة، مع لحظات الانهيار والصدمة حسب ما وصف. في هذا القسم، تشكلت لديه قدرة خاصة على التعامل مع التفاصيل الدقيقة، والتحقق من الروايات، وبناء شبكة مصادر واسعة.
بدأت علاقة يسري البدري بالصحافة من سنوات الجامعة، عبر الكتابة في الصحف المحلية. لكن بعد التخرج عام 2000، وإنهاء فترة التجنيد، حزم حقائبه متجهًا إلى القاهرة؛ المدينة التي تختبر الحالمين، وتمنحهم – إن صبروا – مساحتهم الخاصة.
في القاهرة، لم تكن البداية مستقرة أو مستقيمة الخط. عمل مراسلًا لعدد من المجلات، وكتب في صحف مختلفة، متنقلًا بين أكثر من مؤسسة، يبحث عن مكانه، ويختبر أدواته في مجالات متعددة. كانت تلك السنوات أشبه بورشة تدريب مفتوحة؛ كتابة في الشأن العام هنا، ومتابعة ملف اجتماعي هناك، وتقرير ميداني في صحيفة أخرى.
لكن التجربة الفارقة الأولى جاءت مع مجلة أخبار الأدب الصادرة عن مؤسسة أخبار اليوم، حين انضم إلى فريق يرأسه الأديب الراحل جمال الغيطاني. بالنسبة لشاب قادم من سوهاج، يحمل إعجابًا قديمًا بكتابات الغيطاني، كان العمل تحت رئاسته لحظة خاصة. كتب تقارير ثقافية عن أنشطة الأندية الرياضية، ورصد فعاليات وندوات، وكانت موضوعاته تُنشر بانتظام في المجلة.
لم تكن الكتابة في “أخبار الأدب” مجرد عمل، بل احتكاكًا مباشرًا بعالم المثقفين، ومعايير تحريرية صارمة، وفكرة أن النص يمكن أن يكون أدبيًا حتى وهو تقرير. بعدها تنقل بين صحف أخرى مثل “الأنباء الدولية” و”الميدان” وغيرها، في محطات متعددة، حتى جاء عام 2003.
في ذلك العام، ظهرت فكرة إصدار صحيفة جديدة تحمل اسم المصري اليوم. شارك يسري البدري في تجربة “العدد صفر” أو “عدد واحد التجريبي” مع الراحل مجدي مهنا. صدرت النسخة التجريبية ثم توقفت التجربة مؤقتًا، قبل أن تعود بشكل رسمي في 2004 مع انطلاق المؤسسة بصورة مستقرة.
منذ تلك اللحظة، بدأت العلاقة الأطول في مسيرته. المقر القديم في شارع جمال الدين أبو المحاسن، ثم المقر الحالي في المبتديان، أماكن لم تكن مجرد مبانٍ، بل فضاءات تشكّلت فيها ملامح جيل كامل. يرى البدري أن الجيل الذي عمل في “المصري اليوم” كان محظوظًا؛ لأن المؤسسة سمحت بمساحات من الاجتهاد، وتحملت أخطاء البدايات، ومنحت الصحفيين فرصة ليصنعوا نقلات مهنية حقيقية.
حين سُئل: تحب تشتغل في إيه؟، كان يمكنه أن يختار الثقافة، أو الشأن العام، أو أي ملف آخر يتناسب مع بدايته في “أخبار الأدب”، لكنه اختار قسم الحوادث. اختيار لم يكن عقبة، كما كان يُنظر أحيانًا لهذا القسم في بعض المؤسسات، بل كان قرارًا واعيًا. كان يرى أن الحوادث هي المساحة الوحيدة التي تستطيع أن تصنع منها عملًا إنسانيًا حقيقيًا. قسم يمنحك القدرة على الكتابة عن الألم والفرح والخسارة والأمل، لا عن أرقام مجردة.
كان المسؤول عن القسم آنذاك الكاتب الصحفي محمد رضوان، مدير تحرير الجريدة، وتكوّن الفريق من أكثر من عشرة صحفيين. بيئة مليئة بالتنافس، لكنها أيضًا مليئة بالتعلّم. يرى البدري أن من يتقن الحوادث يمكنه أن يعمل في أي قسم آخر؛ لأن الحوادث تجمع بين الميدان، والقانون، والتحقيق، والتحقق، والسرد الإنساني. أما العكس فليس سهلًا.
يستعيد واقعة إنسانية تعود إلى عام 2005. سيدة ذهبت إلى مكتب الشؤون الاجتماعية في مجمع التحرير تطلب مساعدة بعد انفصالها عن زوجها، وطفلها الصغير صاحب الثلاث سنوات بين ذراعيها. قيل لها إن أوراقها غير مكتملة. خرجت منفعلة، وألقت طفلها من الطابق الثالث إلى بهو المجمع.
يمكن للخبر أن يُكتب في سطور: سيدة تلقي طفلها بسبب الفقر، لكن البدري لم يكتفِ بالصياغة الخبرية.
بعد نشر الخبر، ذهب إلى المستشفى، اطمأن على حالة الطفل، تحدث مع الأطباء، ثم تابع التحقيقات في النيابة، ونشر تفاصيل أقوال الأم. في اليوم التالي، تحولت القصة إلى تفاعل مجتمعي. جمعية أهلية في منطقة قلعة الكبش بالسيدة زينب تكفلت بالطفل مؤقتًا، وتلقّت الأم دعمًا من متبرعين بعد إخلاء سبيلها.
لم يكتفِ بالنشر، بل ذهب بمصور إلى الجمعية، ونشر قصة الاستجابة. تحولت الواقعة من حادثة مأساوية إلى قصة إنقاذ حقيقية.
بالنسبة له، هذا هو جوهر صحافة الحوادث: أن ترى الإنسان خلف الواقعة، لا الواقعة وحدها.
مع مرور الوقت، أدرك أن العمل في هذا القسم لا يكفيه الحس الصحفي فقط، بل يحتاج إلى معرفة قانونية راسخة. بدأ يقرأ قانون الإجراءات الجنائية، وقانون العقوبات، ويسأل: ما الفرق بين محكمة الجنايات ومحكمة الجنح؟ ما هي محكمة الاستئناف؟ ما معنى الكسب غير المشروع؟ ما هي اختصاصات النيابة؟ ما هو قانون الطفل؟ ما الفرق بين الحدث والبالغ؟ ما معنى الإيداع في إصلاحية؟
كان يشتري كتب القانون، ويقرأ أحكامًا، ويتابع مرافعات المحامين ليعرف على أي مادة يستندون. لم يكن ذلك تكليفًا من الجريدة، بل استثمارًا شخصيًا في نفسه. لأنه يرى أن الصحفي في الحوادث إذا لم يفهم اللغة القانونية سيبقى ناقلًا سطحيًا، أما إذا فهمها فسيصبح قادرًا على التحليل والتفسير.
عند وقوع حادث قطار، قد تنشغل الصحف بأرقام الضحايا، أو بإقالات الوزراء. لكن في الحوادث، كان يبحث عن العروس التي كانت في طريقها إلى خطيبها بعد سنوات انتظار، أو الطفل الذي خرج للعمل في جني العنب أو البرتقال مقابل 30 أو 50 جنيهًا، تاركًا لعبته خلفه. كان يرى أن وراء كل حادث عشرات القصص الإنسانية المخفية. وأن دور الصحفي ليس فقط أن يعلن وقوع الكارثة، بل أن يكشف أثرها في حياة الناس.
وفي عام 2009، سعى إلى تعميق معرفته الأكاديمية، فالتحق بدبلومة في تشريعات الإعلام وأخلاقياته بكلية الإعلام في جامعة القاهرة، وحصل على المركز الثاني على الدفعة. هذا التفوق أهّله للحصول على منحة إلى الولايات المتحدة عام 2010، للاطلاع على نظم العمل داخل المؤسسات الصحفية الأمريكية. هناك، اطلع على آليات التحرير، وقواعد التحقق، ونظم إدارة غرف الأخبار، وكيفية الفصل بين الرأي والخبر، وهي تجربة أضافت بعدًا مقارنًا إلى خبرته، وجعلته أكثر تمسكًا بفكرة المعايير المهنية الصارمة.
بهذا المسار، لم تكن رحلة يسري البدري انتقالًا جغرافيًا من جهينة إلى القاهرة فقط، بل كانت انتقالًا معرفيًا ومهنيًا من شغف طفل بالقراءة إلى مسؤولية قيادة تحريرية داخل واحدة من أبرز الصحف المصرية.
يقول يسري البدري إنه كان “محظوظًا” بالعمل في صحافة الحوادث، وهي كلمة قد تبدو صادمة لمن لا يعرف طبيعة هذا القسم. لكن الحظ هنا لم يكن رفاهية، بل كان اقترانًا بزمن استثنائي. زمنٍ كانت فيه مصر تتحول يوميًا، وكانت غرفة أخبار قسم الحوادث أشبه بغرفة عمليات مفتوحة على مدار الساعة.
في عامي 2006 و2007، كان حدثٌ جنائي استثنائي – كجريمة أب يقتل أبناءه – يُعد قصة الموسم، ويستحوذ على الاهتمام الإعلامي لأيام. لكن ابتداءً من 2009، تغيّر كل شيء. بدأت موجة التفجيرات؛ تفجير منطقة السيدة عائشة، ثم التفجير أمام المتحف المصري في ميدان التحرير. كانت البلاد تدخل مرحلة جديدة من التوتر الأمني، وكان على محرري الحوادث أن يتعاملوا مع مشهد متسارع لا يمنحهم رفاهية التوقف.
ثم جاءت واقعة كنيسة القديسين في الإسكندرية مطلع 2011، الحادث الذي سبق مباشرة انفجار المشهد الأكبر: ثورة 25 يناير. خلال الثمانية عشر يومًا للثورة، لم يكن العمل مجرد تغطية. أقام فريق قسم الحوادث في مقر صحيفة المصري اليوم إقامة كاملة، 24 ساعة يوميًا. كانوا ينامون قليلًا، يتابعون الأخبار لحظة بلحظة، يتلقون البلاغات، يتحققون من أسماء المقبوض عليهم، يتابعون أرقام الضحايا، ويرصدون ما يجري في الشارع، حسب ما وصف.
بعد جمعة الغضب وما تلاها، دخلت مصر مرحلة المحاكمات الكبرى. كان يسري البدري ضمن الفريق المكلف بتغطية محاكمات رموز نظام الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك. تابع 48 جلسة كاملة أمام المستشار أحمد رفعت، ثم جلسات أخرى مساوية تقريبًا أمام المستشار محمود الرشيدي. لم تكن مجرد جلسات قضائية، بل لحظة تاريخية تُعاد فيها صياغة علاقة السلطة بالمجتمع أمام عدسات الإعلام.
كما تابع الحكم النهائي الصادر بحق مبارك ووزير داخليته حبيب العادلي وآخرين. كانت كل جلسة اختبارًا للقدرة على الدقة، في زمنٍ تتشابك فيه السياسة بالقضاء، والعاطفة الشعبية بالنصوص القانونية.
ثم جاءت مرحلة المجلس العسكري، فالانتخابات، ثم وصول جماعة الإخوان المسلمين إلى الحكم. يصف يسري تلك السنة بأنها سنة كبيسة على الدولة المصرية. ومع عزل محمد مرسي، دخلت البلاد موجة جديدة من الاغتيالات والتفجيرات والمحاكمات.
كان البدري أيضًا ضمن من غطوا محاكمة مرسي أمام المستشار شعبان الشامي، إضافة إلى محاكمات قيادات الجماعة، من بينهم محمد بديع، وسعد الكتاتني، ومحمد البلتاجي، وعصام العريان، وصفوت حجازي.
كانت الأخبار تتلاحق: القبض على مسؤول سابق اليوم، وقيادي إخواني غدًا، ووزير سابق يمثل أمام جهات التحقيق بعد يومين. أسماء مثل فتحي سرور ومحمد إبراهيم سليمان أصبحت جزءً من يوميات التغطية.
تدرج في المناصب بشكل واضح ومنظم: من محرر، إلى مساعد رئيس قسم، ثم نائب رئيس قسم، فرئيس قسم الحوادث. لم يكن التدرج شكليًا، بل كان نتيجة تراكم خبرة ميدانية طويلة، وإدارة فرق عمل، والإشراف على تحقيقات كبرى. لاحقًا أصبح مساعد رئيس تحرير والمشرف على ملف الحوادث والقضايا، إلى أن وصل إلى منصب مدير تحرير الجريدة، وهو الموقع الذي يجمع بين الخبرة التحريرية والرؤية الإدارية.
يروي يسري البدري واحدة من أبرز الحكايات التي شكّلت علامة فارقة في مسيرته المهنية، وكانت بطلها الراحل ياسر رزق، حين كان يتولى رئاسة تحرير المصري اليوم.
يؤكد البدري أن الواقعة تعود إلى فترة كان فيها رزق يمر بظروف صحية صعبة، ومتواجدًا خارج البلاد برفقة مؤسس الجريدة المهندس صلاح دياب. في ذلك التوقيت، وصل إلى البدري ملف بالغ الحساسية يتضمن تفريغات مكالمات بين عناصر من جماعة الإخوان وحركة حماس، تعود إلى فترة أحداث ثورة 25 يناير. ويقول إنه أدرك منذ اللحظة الأولى أن المادة الصحفية التي بين يديه خطيرة، وأن نشرها قرار لا يحتمل الاجتهاد الفردي أو التأجيل.
ويضيف أنه بادر بالاتصال برئيس التحرير، عارضًا عليه التفاصيل كاملة، موضحًا طبيعة المستندات المتاحة، ومؤكدًا أن التفريغات موثقة ولها مصدر محدد. ويوضح أن رزق تعامل مع الأمر بهدوء مهني لافت؛ سأل عن المصدر، وعن الموقف القانوني، وعن مدى الجاهزية لتحمل تبعات النشر. وبعد التحقق، جاء قراره واضحًا: المضي في النشر وفق الإجراءات التحريرية، مع عرض الملف على رئيس التحرير التنفيذي في ذلك الوقت.
ويشدد البدري على أن ما حدث بعد النشر كان اختبارًا حقيقيًا لمعنى القيادة المهنية. فقد أثارت التسجيلات — وعددها خمس — جدلًا واسعًا سياسيًا وقانونيًا. وعندما وُجّهت تساؤلات إلى رزق حول الضمانات القانونية، أعلن تحمله المسؤولية الكاملة، مؤكدًا ثقته في سلامة الإجراءات والمستندات. بل إن المستشار نجاد البرعي تقدم بطلب لاتخاذ إجراءات قانونية رسمية بضم ما نُشر إلى القضية التي كان يحقق فيها المستشار خالد محجوب بشأن واقعة هروب محمد مرسي من سجن برج العرب، وهو ما منح الموضوع بعدًا قضائيًا بالغ الأهمية، حسب ما أكد البدري.
ويتابع البدري أن الموقف لم يكن استثناءً في علاقة رزق بفريقه، مستشهدًا بواقعة أخرى خلال تغطية محاكمة مرسي، حين طلب منه الحصول على أول صورة رسمية للفيش الجنائي داخل سجن برج العرب. ويؤكد أنه اعتبر الطلب تحديًا مهنيًا، وبعد أيام تمكنت الجريدة من تحقيق الانفراد ونشره في صفحتها الأولى، ما أثار صدى واسعًا في وسائل الإعلام المختلفة، واستدعى استضافته في عدد من القنوات الفضائية، من بينها برنامج تقدمه الإعلامية لميس الحديدي.
ويختتم البدري روايته بالتأكيد على أن قيمة تلك المواقف لم تكن في المكافأة التي حصل عليها تقديرًا للانفراد، بل في شعوره بأن رئيس تحريره يقف خلفه، داعمًا، ومتحملًا المسؤولية، وموفرًا الحماية القانونية والمهنية الكاملة. ويرى أن هذا النموذج من القيادة الصحفية — القائم على الثقة وتحمل القرار — هو ما يصنع الفارق الحقيقي في تاريخ المؤسسات والأفراد على السواء.
بالتوازي مع العمل الصحفي، كان يسري البدري من المحظوظين الذين عاصروا ولادة تجربة إعلامية مهمة، إذ شارك منذ تأسيس قناة الحياة، وعمل ضمن فريق برنامج الحياة اليوم، البرنامج الرئيسي للقناة.
بدأ عام 2005 معدًا للبرنامج، واستمر في هذه الرحلة حتى عام 2018، وهي فترة طويلة نسبيًا في عمر البرامج التلفزيونية، تعكس الاستقرار والثقة والاستمرارية. خلال هذه السنوات، لم يكن دوره تقنيًا أو شكليًا، بل كان شريكًا في صناعة المحتوى، في اختيار الموضوعات، وإدارة الملفات، ومتابعة التفاصيل الدقيقة التي تصنع حلقة ناجحة.
تدرّج داخل البرنامج حتى تولى منصب رئيس تحرير “الحياة اليوم”، وهو موقع يضع صاحبه في قلب المعادلة: بين المعلومة ومسؤولية بثّها، بين السبق الصحفي ومتطلبات الدقة، وبين جذب المشاهد والحفاظ على المهنية.
كما امتدت تجربته إلى قنوات أخرى، سواء في الإعداد أو المشاركة في إنتاج موضوعات وثائقية وتحقيقات تلفزيونية. من بين أبرز هذه التجارب العمل على ملفات شائكة مثل قضايا “المسجلين خطر” في برنامج لازم نفهم على قناة CBC، بالتعاون مع الإعلامي مجدي الجلاد. كانت هذه النوعية من الموضوعات تحتاج إلى جهد بحثي وميداني كبير، وإلى توازن شديد في الطرح، نظرًا لحساسيتها القانونية والاجتماعية.
تراكمت هذه التجارب عبر سنوات طويلة، وأصبحت جزءً من تاريخه المهني؛ كل حلقة، كل تحقيق، كل ملف مفتوح، كان محطة جديدة في بناء مسيرته.
يرى يسري البدري أن صحافة الحوادث ليست مجرد نقل لجرائم أو وقائع مثيرة، بل هي “نبض الشارع”، وتشريح حقيقي لحالة المجتمع. فالحادثة الجنائية في نظره ليست خبرًا معزولًا، بل مؤشرًا اجتماعيًا واقتصاديًا وثقافيًا.
ينطلق في عمله من قاعدة ذهبية يؤمن بها إيمانًا كاملًا: المتهم بريء حتى تثبت إدانته. فهو ليس جهة اتهام، ولا قاضيًا، ولا جلادًا. مهمته الأساسية هي نقل الوقائع كما هي، مدعومة بالمعلومات الموثقة، مع شرح الخلفية القانونية للقارئ أو المشاهد، والوقوف على مسافة واحدة من جميع الأطراف.
هذه المسافة المهنية لا تعني البرود، بل تعني العدل. فهو يحرص على أن يوضح التفاصيل القانونية، وأن يفرق بين الاتهام والحكم، وبين الرواية الرسمية والدفاع، بحيث يقدم صورة متكاملة تتيح للجمهور أن يفهم لا أن ينفعل فقط.
رغم انغماسه في ملفات الحوادث، ظل البعد الإنساني حاضرًا بقوة في عمله. كان يرى أن أعظم إنجاز للصحفي ليس في عدد الأخبار المنشورة، بل في الأثر الذي تتركه القصة.
حين ينشر موضوعًا عن أسرة مستحقة، فتتحرك جهة رسمية مثل وزارة التضامن الاجتماعي لصرف معاش أو تقديم دعم، فذلك بالنسبة له قمة الرضا المهني. وحين يتفاعل رجل أعمال أو مؤسسة من مؤسسات المجتمع المدني مع قصة إنسانية، ويكون هناك رد فعل سريع يعيد حقًا لصاحبه أو يرفع ظلمًا عن مظلوم، يشعر أن الصحافة أدت دورها الحقيقي.
بالنسبة له، صحافة الحوادث ليست إثارة، بل إنصاف. ليست بحثًا عن العناوين الصادمة، بل عن العدالة. أن تقف بجانب المظلوم، أن تضيء منطقة معتمة، أن تعيد حقًا ضائعًا… هذه هي القيمة الإيجابية التي يؤمن بها داخل هذا التخصص الصعب.
ومن أبرز الملفات التي يعتز يسري البدري بإدارتها، ملف بعنوان الشرطة.. شهداء وخطايا.. سقوط في البدلة الميري، وهو تحقيق موسع من سبع صفحات نُشر مع بداية تولي وزير الداخلية مجدي عبد الغفار مهام منصبه. تناول الملف ما يحدث داخل وزارة الداخلية: من تجاوزات في بعض الأقسام، وقضايا تعذيب، وأداء الأمن المركزي، ودور جهاز التفتيش، إلى جانب حوارات مع أسر شهداء الشرطة وقيادات أمنية تحدثت عن السلوكيات المرفوضة، وفق حديثه.
كما أدار ملفًا آخر من أربع صفحات بعنوان “دولة أمناء الشرطة”، تناول تجاوزات في تلك الفترة. كانت تلك الملفات اختبارًا حقيقيًا لمفهوم التوازن: كشف الأخطاء دون تعميم، وإدانة السلوك دون استهداف المؤسسة.
لكن التحديات لم تكن تحريرية فقط. في إحدى القضايا، نشرت الجريدة موضوعًا حول منفذ تفجير مديرية أمن الدقهلية، نقلًا عن مصادر خاصة، وأشارت فيه إلى معلومات حساسة تتعلق بعلاقته بالأمن الوطني. بعد 48 ساعة، تلقى يسري البدري استدعاءً للتحقيق أمام نيابة أمن الدولة.
وفي واقعة أخرى، نُشر خبر عن توجه الرئيس محمد مرسي إلى مستشفى القوات المسلحة بالمعادي، فاتهمت رئاسة الجمهورية الجريدة بنشر أخبار كاذبة وتكدير السلم العام، وتم التحقيق مع البدري ورئيس التحرير ومسؤولي المؤسسة.
ذهب إلى نيابة أمن الدولة مرتين أو ثلاث مرات. لم تكن لحظات سهلة، لكنها كانت جزءً من ضريبة العمل في ” صاحبة الجلالة”، كلفة أن تكتب في لحظة مشتعلة، وأن تتحمل مسؤولية كل كلمة.
يرى يسري البدري أن العقد الممتد من 2011 إلى 2021 كان من أخصب الفترات مهنيًا لمن يعملون في الحوادث والقضايا؛ ليس لأنه زمن مريح، بل لأنه زمن اختبار حقيقي لقدرة الصحفي على التوازن بين السرعة والدقة، بين السبق والانضباط، بين الجرأة والمسؤولية.
في رسالة إلى الأجيال الجديدة، يقول الكاتب الصحفي يسري البدري: كثيرون ينصحون الشباب بالابتعاد عن الصحافة والإعلام، معتبرين أن المجال أصبح صعبًا أو مزدحمًا. لكنه يرى العكس تمامًا. يؤكد أن من يحب المهنة ويعشقها سيصل، بشرط أن يأتي إليها مسلحًا بالأدوات، سابقًا كانت الساحة محدودة ومحصورة في الصحف القومية وعدد من الصحف الحزبية والخاصة. أما اليوم، فالمجال مفتوح على مصراعيه: صحافة رقمية، مواقع إلكترونية، منصات تواصل اجتماعي، قنوات يوتيوب، بودكاست، وإعلام تلفزيوني متنوع.
يرى أن التحدي الحقيقي ليس في قلة الفرص، بل في جاهزية الصحفي نفسه. من يريد أن ينجح عليه أن يثقل نفسه بالعلم، وأن يتدرب باستمرار، وأن يطور لغته العربية، وأن يتقن أدوات التكنولوجيا الحديثة. العالم تغير، والأدوات تغيرت، لكن جوهر المهنة لم يتغير: البحث عن الحقيقة.
نصيحته واضحة للأجيال الجديدة في مهنة الصحافة: تمسك بحلمك، طوّر نفسك، لا تستمع لمن يقول إن المهنة انتهت. طالما أنك تحب ما تفعل، وتمتلك أدواتك، وتعمل بصبر ودأب، فإن الطريق – مهما طال – سيقودك في النهاية إلى هدفك.



