بروفايل

مروة عمارة.. صحفية سارت على حافة الخوف لتكشف الحقيقة

 

ليست كل الحكايات تُولد في هدوء، بعض الرحلات تبدأ بخطوة جريئة نحو المجهول، وهذا تمامًا ما فعلته الصحفية مروة عمارة، نائب مدير تحرير مجلة روزاليوسف، حين اختارت أن تكون صحفية تنتمي للناس. لم ترَ المهنة كلمات تُصفّ على الورق، بل حكايات تروى، وقرى تُزار، وأبوابًا تُطرق بثقة رغم الخوف. حملت دفترها ومخاوفها معًا، واجهت الشك والمضايقات والخطر، وعادت في كل مرة أكثر صلابة. كان طريقها صعبًا، لكنه كان حقيقيًا، طريقًا صنعته بخطوات ثابتة، وبثقة زرعها فيها أب قال لها يومًا: “أنتِ زيك زي الراجل.. اطلعي لوحدك”.
وُلدت مروة عمارة في قلب شبرا مصر. هناك تشكّلت ملامحها الأولى، في شوارع تحفظها عن ظهر قلب، وفي مدرسة شبرا الثانوية التي التحقت بها ضمن صفوف المتفوقين. لكن طفولتها لم تكن قاهرية خالصة؛ فقد كانت تقضي جانبًا كبيرًا من وقتها بين أحضان جدّها في الريف، حيث البساطة والصفاء، فكبر داخلها حب مزدوج: حب المدينة الصاخبة التي منحتها الجرأة، وحب الريف الذي منحها الطمأنينة.
رغم انتقالها لاحقًا إلى الشيخ زايد، ظلّت شبرا بالنسبة لها المعنى الأصدق للانتماء. لا تشعر بفرح كامل إلا هناك، حيث الوجوه المألوفة وروح “الجدعنة” التي التصقت باسم الحي حسب ما وصفت. في شبرا تعلّمت مبكرًا أن الإنسان يُعرَّف بإنسانيته، وكانت شبرا تربي أبناءها على العِشرة قبل الشعارات.
على المستوى الدراسي، سلكت مروة طريق التفوق منذ الصغر. كانت علمية التوجه، متقدمة في دراستها، ووضعت نصب عينيها كليات القمة؛ الطب أو الصيدلة. غير أن شغفًا آخر كان ينمو بصمت إلى جوار طموحها الأكاديمي: شغف القراءة والكتابة. في بيتٍ يقدّس الصحف والكتب، اعتادت أن ترى والدها يحمل كل ثلاثاء أعداد الأهرام والأخبار والجمهورية، فتلتهم صفحاتها بشغف، فنشأت على “بريد الجمعة”، وقرأت للكتاب الراحلين أنيس منصور، وطه حسين، ويوسف السباعي وغيرهم. كانت الكلمات عالمها السري، والسينما والدراما والموسيقى امتدادًا لحسّها المبكر.
حين حصلت في الثانوية العامة على مجموع يقارب 95–96%، بدا أن طريق كلية الطب قد تعثّر بفارق درجات قليلة. لم ترغب في بدائل لا تشبهها، ككليات العلوم أو الآثار، فمال قلبها إلى ما أحبته طويلًا: الإعلام. وبمحض المصادفة، عرفت بوجود قسم إعلام بكلية الآداب جامعة عين شمس، فوجدت فيه مسارًا يجمع بين تفوقها اللغوي وميولها الأدبية. كان قرارًا بدا غريبًا لمن حولها، أن تلتحق فتاة بمثل هذا المجموع بقسم أدبي، لكنه كان بالنسبة لها اختيار الشغف لا حسابات المظهر.
لعب والدها دورًا محوريًا في تثبيت هذا القرار. بحكم عمله في شركة مصر للإسكان والتعمير، كان على صلة دائمة بإعلانات الصحف القومية، فاصطحبها إلى الأهرام والأخبار والجمهورية، وفتح أمامها أبوابًا للمعرفة والاحتكاك بالمهنة. في وقتٍ كان كثيرون يحذّرون من صعوبة الوسط الصحفي، ظلّ هو مؤمنًا بموهبتها، مشجعًا لها، واثقًا أن الشغف حين يقترن بالاجتهاد يصنع طريقه.
هكذا اختارت مروة الإعلام قبل ثورة 25 يناير بسنوات قليلة، مدفوعة بحب قديم للكلمة، ومسنودة بدعم أبٍ آمن بها. كانت البداية التي لم تأتِ صدفة، بل كانت نتيجة تربية على القراءة، وبيئة تشجّع على الحلم، وفتاة قررت أن تنحاز لما يشبه روحها.
دخلت مروة قسم الإعلام بإرادتها الكاملة، لا باعتباره خيارًا اضطراريًا، بل باعتباره القرار الذي يشبهها. منذ اللحظة الأولى كانت واضحة: هي لا تريد إذاعة وتلفزيون، ولا تبحث عن بريق الشاشة، بل تريد الصحافة تحديدًا. الكلمة المكتوبة، التحقيق، البحث خلف التفاصيل. كانت تقولها بثقة: “أنا هتخصص صحافة”، وكأنها تعلن انحيازًا مبكرًا لطريق تعرفه جيدًا في داخلها.
في الجامعة، لم تنتظر الفرص، بل صنعتها. درّبت نفسها في مجلة الكلية، واستثمرت الإجازات في التدريب الميداني، وكانت تختار – عن قصد – قسم التحقيقات كلما أُتيح لها الاختيار. لم يكن الأمر مصادفة؛ فقد تربّت على قراءة تحقيقات الأهرام والجمهورية، تقرأها لا بوصفها مادة صحفية عابرة، بل بوصفها درسًا في طرح القضايا وصياغة الأسئلة وإدارة الحوار مع الواقع. كانت تراقب كيف تُبنى الفكرة، وكيف تُناقش القضية، وكيف تتحول التفاصيل الصغيرة إلى ملف عام يمس الناس.
ومع الوقت، أدركت أن ما ظنه البعض تراجعًا في مجموعها كان في حقيقته انعطافة قدر. عشر درجات فقدتهن في الفيزياء غيّرن مسارها بالكامل؛ أغلقت باب الكليات العلمية، وفتحت بابًا آخر أكثر انسجامًا مع روحها. لم تنظر إلى الأمر باعتباره خسارة، بل باعتباره إعادة توجيه. وكأن الحياة دفعتها برفق إلى ما تحب، لتختار بإرادتها ما كان يمكن أن تضيّعه تحت ضغط “كليات القمة”.
كانت تردّد لاحقًا أنها لو التحقت بأي كلية علمية، لما عاشت الشغف ذاته، ولا شعرت بالرضا الذي لازمها في الصحافة. فهي لم “تعمل” في مهنة فحسب، بل عاشت داخل فكرة. وجدت نفسها في البحث، وفي النزول إلى الناس، وفي تفكيك الأسئلة الكبرى إلى تفاصيل قابلة للفهم.
ظلّ دعم والدها حاضرًا في كل خطوة. حين تردّد البعض محذرين من صعوبة الوسط الصحفي، كان هو يطمئنها: “الخير فيما اختاره الله… وأنتِ تحبين ما تفعلين”. وعدها بالمساندة، ووفّى. آمن بأن الشغف الصادق يستحق المغامرة، وبأن ابنته قادرة على أن تصنع اسمًا في مهنة ليست سهلة على أحد، فكيف بفتاة في بداياتها.
على امتداد مسيرتها، تنقلت بين الصحافة الورقية والإلكترونية، وعملت في مؤسسات عدة، من بينها مصراوي وصدى البلد ومبتدأ، إضافة إلى مجلة 7 أيام. هذا التنوع منحها خبرة مزدوجة بين إيقاع الورق الهادئ ووتيرة النشر الإلكتروني السريعة، فصقلت أدواتها، وتعرّفت إلى مدارس تحريرية متعددة.
لم تندم يومًا على اختيارها. تؤمن أن الصحافة لم تكن مجرد مهنة، بل مكانها الطبيعي. تقول بصدق إنها لو أصبحت طبيبة لما شعرت بالسعادة نفسها. لم تقبل تكليفًا لا تقتنع به، ولم تكتب موضوعًا تخالف فيه ضميرها المهني. ومن أكثر التجارب التي اختبرت شجاعتها تحقيق أجرته في مناطق مثل مسجد العزيز بالله، ضمن حملة صحفية. يومها تلقت تهديدات بالقتل، وعاشت حالة خوف حقيقي؛ كانت صغيرة السن على احتمال هذا الرعب، وترددت في الخروج من المنزل، بينما كان والدها قلقًا عليها. غير أن التجربة، على قسوتها، رسّخت داخلها معنى المسؤولية، وأكدت لها أن الصحافة ليست رفاهية، بل مواجهة.
لم تُخفِ مروة عمارة يومًا أن كونها امرأة في مهنة الصحافة لم يكن تفصيلًا عابرًا، بل كان عاملًا مضاعفًا للتحدي. تؤمن أن مجهود الصحفية غالبًا ما يكون أكبر من مجهود زميلها الرجل، لا من باب المقارنة، بل لأن مساحة الأمان ليست واحدة. الصحفي قد يتحرك بحرية كاملة، أما الصحفية فتتحرك وهي تحسب خطواتها، وتوازن بين الجرأة والحذر.
تتذكر رحلاتها المتكررة إلى المحافظات، عودتها في ساعات متأخرة من الليل، استقلالها قطارات ومواصلات إلى أماكن لا تعرفها، دخولها بيوت غرباء في مناطق شعبية أو نائية.
تحكي عن موقف في العاشر من رمضان كادت تتعرض فيه للخطف وآخر في عزبة أبو حشيش حين تعرضت هي وزميلتها للتهديد بالسلاح، وتجربة في الصعيد داخل قرى كانت الأجواء فيها مقلقة ومشحونة. لم تكن هذه حكايات تُروى للتشويق، بل وقائع عاشت تفاصيلها، وخرجت منها أكثر صلابة.
واجهت كذلك محاولات إغراء بالمال مقابل “تجميل” صورة جهة ما في تحقيق صحفي، ورفضت بغضب فطري؛ لأنها لم ترَ يومًا أن مهنتها قابلة للمساومة. كما تعرضت لمضايقات مرتبطة بالشكل أو بمحاولات تجاوز الحدود الشخصية، وهي مواقف كانت تدفعها أحيانًا للبكاء أو التفكير في التوقف. تعترف أن ثلاثة أرباع أزماتها المهنية كانت بسبب كونها امرأة، لا بسبب ضعف في أدائها. العائق لم يكن الزواج أو الأمومة كما يظن البعض، بل كان غياب الأمان أحيانًا، وضرورة العمل ضمن فريق يوفّر قدرًا من الحماية في تحقيقات ميدانية لا تحتمل المخاطرة الفردية.
ومع ذلك، لم تكن وحدها. كان والدها درعها الأول. رافقها في بداياتها إلى تدريباتها، أوصلها إلى المؤسسات الصحفية، ثم قال لها في لحظة فارقة: “اطلعي لوحدك.. أنتِ زيك زي الولد”. زرع فيها الثقة، ودرّبها على المواجهة. كان مصدر أفكارها الأول؛ يقترح عليها أماكن، ويدلّها على مناطق، ويصطحبها أحيانًا إلى مواقع تحقيقاتها من معايشات تحت الكباري، إلى مراكب الصيادين، إلى مناطق العمالة غير المنتظمة، إلى ملفات الهجرة غير الشرعية. حين أرادت الاقتراب من سماسرة تهريب الشباب في القليوبية، كان هو من سهّل لها الوصول إلى القصص الإنسانية المؤلمة. لم يكن مجرد أب، بل شريكًا في الحلم، يؤمن أن ابنته قادرة على اقتحام المساحات ذاتها التي يقتحمها الرجال.
لاحقًا، حلّ الأخ ثم الزوج محلّ هذا السند، لكنها تؤكد أن الثقة الأولى التي منحها إياها والدها كانت حجر الأساس. كان يردد أمامها: “أنا واثق في بنتي”، وهي جملة صنعت فارقًا هائلًا في مسيرتها.
تقول إن العمل الميداني هو الذي صنعها. سنوات طويلة قضتها في الشارع، تؤمن بما كانت تردده دائمًا الدكتورة فاطمة سيد أحمد: “صحفي التحقيقات لا يجلس خلف مكتب، بل ينزل إلى الشارع”. هناك كانت تولد أفكارها؛ من حديث عابر مع عامل، أو ملاحظة في سوق، أو شكوى من أم بسيطة. هكذا أطلقت حملات عن عمالة الأطفال، عن مناطق مكامير الفحم، عن العمالة في الورش والمصانع، وعن الهجرة غير الشرعية قبل أن تتحول إلى قضية رأي عام.
عملت على تحقيقات عديدة منها تحقيقات اقتحمت فيها عالم التعليم المواز غير الرسمي “أكاديميات الهوم سكولينج”، كما دخلت عوالم السيارات المستعملة لتخرج بتحقيق عن الكوارث والحوادث التي تتسبب بها، كما كشفت الستار عن العصابات الدولية التي تجمع أموال المصريين تحت ستار “صك الأضحية” بدول إفريقيا، وتصف تحقيقها “الأهم” الذي واجهت فيه الحضانات التابعة لجماعات متطرفة تنتهك حقوق الطفل بالمحافظات، أما تحقيقها الذي فازت عنه بجائزة “فاطمة اليوسف” كان: كارثة طبية وقانونية.. صالونات تشوه وجوه الجميلات.
ورغم كل المخاطر والمضايقات والدموع، لم تنكسر. كانت تغضب، تأخذ وقتها، تفكر في التوقف، ثم تعود. لأن الشارع الذي أخافها أحيانًا، هو نفسه الذي منحها هويتها. ولأن الثقة التي زرعها والدها بداخلها لم تسمح لها أن ترى نفسها أقل قدرة من أي رجل في المهنة.
في نهاية المطاف، ترى أن كل ما تحقق في حياتها – مهنيًا وإنسانيًا – يحمل بصمة والديها. تعتبر أي نجاح هو امتداد لتربيتهما ودعمهما ودعائهما.
تتوقف طويلًا أمام تجربة العمل مع الكاتب الصحفي عبد الله كمال، التي تصفها بأنها واحدة من أهم محطات التكوين المهني. لم تكن اجتماعات التحرير التي كان يعقدها مجرد اجتماعات، بل كانت درسًا عمليًا في الصحافة من الألف إلى الياء. كان يُفكك العمل سطرًا سطرًا، يراجع العناوين، يدقق في الصياغات، يلتقط الأخطاء النحوية واللغوية، ويواجه الصحفيين بها بلا مجاملة، لكن بتوجيه حقيقي. تعلّمت منه أن الصحفي لا يمثل نفسه فقط، بل يحمل اسم مؤسسته أينما ذهب، داخل القاهرة أو خارجها، في مكتب رسمي أو شارع شعبي. حتى المظهر وطريقة الحديث وإدارة الحوار مع المصادر، كانت جزءًا من الدرس. هناك فهمت معنى الامتنان لكونها صحفية، ومعنى الانضباط المهني الذي لا ينفصل عن السلوك الشخصي.
أما على مستوى الإعداد والعمل التلفزيوني، فتصف تجربتها مع الإعلامية أميرة بهي الدين بأنها تجربة مهنية وإنسانية استثنائية. أدهشها في البداية اتساع معرفتها؛ محامية، روائية، كاتبة، وإعلامية، تلاحق التفاصيل الصغيرة كما لو كانت قضية شخصية. كانت تطلب معلومات تعود إلى خمسين عامًا مضت، ولا تسمح بمرور معلومة غير دقيقة. تقول مروة إنها، رغم كونها صحفية تحقيقات، تعلّمت منها زوايا نظر جديدة، وانبهرت بقدرتها على الإحاطة بكل ما يحدث داخل مصر وخارجها، حتى وصلت إلى منصب مدير تحرير برنامج “الستات ميعرفوش يكدبوا” في خطوة وصفتها بأنها “مميزة” بوصف البرنامج من أهم برامج التوك شو النسائي على مستوى العالم العربي.
لكن الأثر الأعمق لم يكن مهنيًا فقط. كانت تجربة إنسانية كاملة؛ امرأة قوية واجهت ابتلاءات عديدة دون أن تنكسر، وبنت كيانًا مهنيًا كبيرًا، وفي الوقت نفسه احتفظت بشغفها وحبها للعمل. علمتها أن الشغف لا يُخفى؛ ما يُنجز خلف الكاميرا ينعكس أمامها. علمتها معنى الفريق، حتى بعد توقف البرنامج ظلّ الفريق متماسكًا، يجمعه الود والدعم المتبادل. في أصعب لحظات حياتها، بعد فقدان والديها، حين كانت تحاول الهروب إلى العمل لتتجاوز الألم، وجدت فيها سندًا حقيقيًا. تقول إن تلك التجربة “صالحتها على الدنيا”، وأعادت إليها توازنها، وقوّتها لتقف من جديد.
كان أصعب قرار فكّرت فيه مروة عمارة هو أن تترك الصحافة بعد إنجاب توأمها. لحظة إنسانية خالصة، امتزج فيها الإرهاق الجسدي بالقلق المهني. شعرت حينها بأنها لن تستطيع الاستمرار؛ السهر، المسؤولية المضاعفة، والخوف من التقصير في حق أطفالها أو في حق المهنة التي أحبتها. جلست تبكي، لا ضعفًا، بل حيرةً بين قلب الأم وطموح الصحفية.
غير أن العائلة كانت سندها الحقيقي في تلك المرحلة. والدتها تولّت رعاية التوأم في عاميهما الأولين تقريبًا، تاركة لها مساحة لتعود إلى عملها بعد تعيينها في مجلة روز اليوسف. كانت تغيب لساعات طويلة، أحيانًا ثماني أو عشر ساعات يوميًا، وتسافر لإنجاز مهامها الصحفية، بينما تتكفّل الأم بالرعاية، ويقف الزوج شريكًا داعمًا. عندها أدركت أن قرار الانسحاب لم يكن حلًا، وأن السنوات التي صنعت فيها أرشيفها المهني لا يجوز أن تُطوى بهذه السهولة. كانت تنظر إلى ملفاتها وتحقيقاتها فتشعر بأن وراءها عمرًا لا يُفرّط فيه.
لكن التحديات لم تكن أسرية فقط. في بيئة العمل، واجهت نوعًا آخر من الضغوط. زواجها من صحفي في الوسط نفسه جعل البعض يحاول التقليل من جهدها، كان ذلك أكثر ما يؤلمها؛ لا الاتهام المباشر، بل محاولات الانتقاص من تعبها وساعات عملها وسفرها وتحقيقاتها، وكأن نجاح المرأة لا يُفسَّر إلا بظل رجل. وصلت الأمور أحيانًا إلى مواقف معقدة أثناء تعيينها، بدوافع صراعات لا علاقة لها بكفاءتها. ومع ذلك، كانت تعرف في قرارة نفسها أن ما أنجزته لم يكن يومًا عملًا بالنيابة عن أحد، بل ثمرة جهد شخصي واضح.
لا تميل إلى الصداقات الكثيرة، لكنها تعتز بصداقة ممتدة مع مي الوزير، رفيقة دربها منذ سنوات طويلة داخل مؤسسة روز اليوسف، صداقة تصفها بأنها نعمة نادرة في الوسط الصحفي، قائمة على الثبات والصدق.
مهنيًا، حصدت جوائز عدة، من بينها جائزة التميز الإعلامي في الشأن العمالي والمقدمة من وزارة العمل، قبل نحو عقد، ثم عادت بعد فترة انشغال بتربية أبنائها لتفوز بجائزة نقابة الصحفيين في صحافة المرأة عام 2025، جائزة فاطمة اليوسف، وهو تكريم أعاد تأكيد إيمانها بأنها خُلقت لهذه المهنة، وأن التوقف لم يكن إلا استراحة محارب.
اليوم، تواصل عملها داخل روز اليوسف، في بيئة تمنحها مساحة حقيقية للأفكار والمعالجة المهنية، وتشعر فيها بالراحة والانتماء. تقول إن أجمل ما في الأمر أنها ما زالت تعمل في المكان الذي تحبه، وتفعل ما تؤمن به، بلا ندم، وبالشغف ذاته الذي دخلت به الكلية يوم قررت – بإرادتها الكاملة – أن تكون صحفية.
لم تكن الصحافة في حياة مروة عمارة مجرد مهنة تؤديها، بل كانت جزءًا عضويًا من تكوينها الإنساني. تقول بوضوح إن الصحافة لم تنتقص من دورها كأم وزوجة، بل أكملته. تؤمن أن أسوأ فتراتها كانت تلك التي ابتعدت فيها عن العمل؛ يومها انعكس انطفاؤها الداخلي على بيتها وأبنائها وزوجها. حتى زوجها كان من أكثر الداعمين لعودتها، لأنه كان يرى الفارق بوضوح: مروة التي تعمل هي مروة السعيدة، المتوازنة، القادرة على العطاء.
تصف الصحافة بأنها “سرّ” لا يفهمه إلا من عاشه؛ من يخرج منها يختنق، كسمكة أُخرجت من الماء. من خلالها تعرّفت إلى زوجها، وإلى أصدقاء العمر، ومن خلالها دخلت عوالم الإعداد التلفزيوني، وعملت في برامج مؤثرة، واحتكت بشخصيات وتجارب صنعت وعيها. ترى أن أجمل لحظات حياتها كانت حين فرح أبناؤها بجوائزها، وشعروا بالفخر لأن “أمهم صحفية ناجحة”. هذا الشعور، في نظرها، يساوي الكثير.
بعد وفاة والديها، مرت بلحظة شكّ عميقة: كانت تعمل لتراهما فخورين، فماذا بعد رحيلهما؟ توقفت قليلًا، ثم سألت نفسها سؤالًا أكبر: ماذا سأترك لأبنائي؟ المال وحده لا يكفي. الاسم، الأثر، السيرة المهنية النظيفة، هذه هي الميراث الحقيقي. لذلك عادت أقوى، وهي تحمل قناعة أن الشغل ليس مجرد دخل، بل بصمة ومسؤولية.
داخل بيتها، تؤدي كل أدوارها اليومية كاملة؛ تطبخ، تنظف، تتابع مذاكرة أبنائها، ترعى تفاصيلهم الصغيرة. لكنها في الوقت نفسه تحافظ على مساحتها المهنية: متابعة الأخبار، التفكير في الأفكار، العمل على تحقيق قد يستغرق وقتًا أطول. تعترف بأن الإعداد التلفزيوني أحيانًا يأخذها من الصحافة، لكنها تحاول دائمًا تحقيق التوازن حتى لا يتأثر بيتها ولا ينطفئ شغفها.
تؤكد أن مهنتها انعكست مباشرة على أسلوب تربيتها. كونها صحفية تحقيقات جعلها ترى نماذج إنسانية متعددة؛ قصص مرض، فقر، انحراف، تطرف، نجاح، سقوط، هذه الخبرات منحتها وعيًا مبكرًا بما يمكن أن يواجه أبناءها، فصارت أكثر قدرة على حمايتهم وتوجيههم. اتخذت قرارات تربوية مدروسة، مثل فصل توأمها في فصول دراسية مختلفة، ليصنع كل منهما شخصيته المستقلة، بعيدًا عن ذوبان الهوية في فكرة “التوأم”. ترى أن هذا القرار أثّر إيجابيًا في تكوينهما.
حتى في علاقتها بزوجها وأهلها، منحتها الصحافة وعيًا أعمق بالحياة. علمتها أن الخير الذي يمكن أن تقدمه عبر مهنتها نعمة كبرى؛ كم من حالة ساعدتها، وكم من مشكلة تدخلت لحلها، لا لمصلحة شخصية، بل إيمانًا بأن للمهنة دورًا إنسانيًا. وتعتز بأنها لم تستخدم يومًا عملها وسيلة لمكسب خاص، بل اعتبرته طريقًا لخدمة الآخرين. هذه القيمة تحديدًا تحرص على غرسها في أبنائها: أن يعطوا بقدر ما يأخذون، بل أكثر.
تقول إن الصحافة أتعبتها جسديًا وأرهقتها نفسيًا أحيانًا، لكنها لم تُتعب روحها أبدًا. في سنوات البناء الأولى، قبل الزواج، سافرت المحافظات، وأنجزت تحقيقات ميدانية، وخاضت تجارب صقلت شخصيتها. لاحقًا، ومع تراكم الخبرة، صار بإمكانها إدارة العمل بذكاء أكبر، وتوزيع الجهد، والعمل بروح الفريق حين تقتضي الظروف.
كانت جائحة كورونا من أصعب الفترات عليها؛ التوقف الإجباري، والجلوس في البيت بعد الولادة، خلقا لديها شعورًا بالاختناق، كأنها مُنعت من نافذتها الوحيدة على العالم. لكنها تجاوزت المرحلة، كما تجاوزت غيرها، بإيمانها بأن هذه المهنة ليست عبئًا على حياتها، بل هي التي صنعتها.
في خلاصة تجربتها، ترى أن الصحافة لم تمنحها شهرة أو جوائز فقط، بل منحتها ذاتها. جعلتها أمًا أكثر وعيًا، وزوجة أكثر توازنًا، وإنسانة ترى العالم بعيون متعددة. إنها المهنة التي علمتها كيف تعيش أكثر من حياة في حياة واحدة، وكيف تخرج من كل قصة بدرس، ومن كل أزمة بقوة.
وعندما تسأل نفسها: من تكون بعيدًا عن كل الألقاب؟ تجيب ببساطة: هي ابنة كمال عبد القادر عمارة ومديحة. تعتبر أن أجمل ما في حياتها أنها ابنة لهذين الوالدين، وأن كل ما تحقق كان ثمرة حبّهما ودعمهما. كانت الطفلة المدللة، والقريبة من والدها إلى حد الصداقة، وهو من بارك زواجها، ورأى في شريك حياتها الاختيار الأنسب لها. ترى أن هويتها الأعمق لا تنفصل عن كونها ابنة وأمًا وزوجة وأختًا وصديقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى