التقارير الإعلاميةسلايدر رئيسي
فخ التمييز الديني: إرشادات لكتابة محتوى صحفي يعزز المواطنة وصحافة السلام

إعداد: مارسيل نظمي
تُعد الدقة اللغوية والحساسية الاجتماعية حجر الزاوية في العمل الصحفي المهني، لا سيما عند معالجة قضايا المجتمعات المتعددة. ومع ذلك، كثيرًا ما يقع المحتوى الصحفي -حتى ذاك المدفوع بنوايا طيبة- في فخ التمييز؛ إذ تُستخدم مصطلحات تكرس الانقسام بدلًا من الوحدة، وتُبرز الاختلاف الديني في سياقات لا تتطلب ذلك، مما يحول المواطن من شريك أصيل إلى طرفٍ آخر غريب تجب استضافته أو الاحتفاء بوجوده بوصفه حالة استثنائية.
يتكرر إبراز الهوية الدينية في عناوين الأخبار الإنسانية، أو بيانات المعايدات، أو حتى في حوادث السير والقضايا الجنائية. ورغم أن البعض يعتقد أن ذلك يعكس التسامح، فإن النتيجة قد تكون عكسية؛ إذ يرسخ ذلك صورة ذهنية بأن المجتمع منقسم بطبعه، وأن أي تقارب هو استثناء يستحق الدهشة.
هذه الإرشادات ليست مجرد تصحيح لغوي، بل دعوة للتحول من الصحافة الفلكلورية التي تكتفي بالشعارات وتعيد إنتاجها وتشير إلى الاختلاف بوصفه جوهرًا، إلى صحافة السلام والمواطنة التي تتعامل مع الفرد بصفته مواطنًا فاعلًا، بعيدًا عن تصنيفه العقائدي أو الديني.
لا يعني تجنب إبراز الهوية الدينية تجاهلها في كل الأحوال؛ إذ يكون ذكرها مبررًا عندما تكون عنصرًا جوهريًا لفهم الحدث أو تفسيره في بعض الحالات، مثل:
في هذه الحالات، يكون ذكر الانتماء جزءًا من الدقة المهنية، وليست تمييزًا.
أما في السطور التالية، نستعرض نماذج عملية لإعادة صياغة الأخبار بما يضمن كرامة الإنسان ويعزز السلم الأهلي، ويجنبها الوقوع في التمييز على أساس الدين:
1. تجنب “الفخ الديني” في العناوين الإنسانية
عندما تبرز قصة إنسانية في شهر رمضان المبارك أو في الأعياد الدينية، يميل بعض المحتوى الإعلامي إلى ذكر ديانة بطل/ة القصة بوصفها دليلًا على التسامح. غير أن ذلك قد يرسّخ فكرة أن الأصل هو الفرقة، وأن هذا النموذج استثناء.
عناوين تمييزية:
لماذا هي عناوين إشكالية؟
لأنها تفترض ضمنيًا أن هذا الحدث غير معتاد أو يستدعي الدهشة، مما يكرّس الانقسام بدلًا من الوحدة، ويعزز تصورًا مسبقًا بأن المجتمع منقسم.
البديل المهني:
(الدين هنا ليس عنصرًا خبريًا مؤثرًا في فهم الحدث).
2. التصنيفات الفكرية: إظهار التخصص وليس الهوية
قد يُقدم المفكر أو الباحث بصفته الدينية بدلًا من تخصصه، مما يحصر إنتاجه في إطار طائفي ويقلص قيمته المعرفية.
مصطلحات إشكالية:
لماذا هي غير مهنية؟
لأن الفكر بطبيعته إنساني وعابر للهويات الدينية، وربط الإنتاج العلمي بالانتماء العقائدي قد يخل بموضوعية التناول.
البديل المهني:
(هنا يُعرَّف الشخص بتخصصه لا بديانته).
3. الحوادث والقضايا الجنائية
ذكر الديانة في حوادث اعتيادية قد يحول قضية جنائية أو اجتماعية إلى قضية طائفية في وعي الجمهور.
عناوين تمييزية:
تمثل هذه العناوين نموذجًا لما يمكن تسميته بالتنميط الديني للجريمة أو الفرز الطائفي للمواطنة؛ فلا تكتفي بنقل الخبر، بل قد توحي بوجود صراع هوياتي حتى في الجرائم العادية.
تحليل وتصحيح هذه النماذج:
أ) «مصرع قبطي في شجار عائلي»
ذكر الدين في واقعة عائلية قد يوحي بوجود بعد طائفي غير موجود، كما أنه لا يحمل قيمة خبرية.
التصحيح:
مصرع شخص في مشاجرة بمنطقة (اسم المنطقة)
مقتل شخص إثر مشاجرة عائلية بـ (اسم المدينة)
ب) «استشهاد جندي ومقتل آخر مسيحي»
يفصل بين صفة الجندي والهوية الدينية، بما يوحي بتجزئة المواطنة أو اختلاف القيمة الرمزية للضحايا.
التصحيح:
استشهاد جنديين في (مكان الواقعة) أثناء تأدية الواجب
(الهوية المهنية هنا هي الأهم لفهم الخبر).
ج) «3 أقباط يقتلون جارهم بدافع السرقة»
الإشكالية:
يربط الجريمة بدين الجناة، مما قد يخلق تعميمًا سلبيًا ويؤجج التوتر.
التصحيح:
ضبط 3 أشخاص قتلوا جارهم بدافع السرقة في إمبابة
(الجريمة تُنسب إلى الفعل لا إلى العقيدة).
■ عدم تحويل الاختلاف إلى سبب
وجود اختلاف ديني بين أطراف الواقعة لا يعني بالضرورة أن الدين هو سبب الحدث. الربط بين الأمرين دون دليل قد يحوّل حادثًا فرديًا إلى توتر مجتمعي واسع.
قواعد مهنية أساسية للصحفي/ة
■ قاعدة الضرورة
لا يُذكر الدين أو اللون أو العِرق إلا إذا كان عنصرًا جوهريًا في الحدث نفسه (مثل قضايا الاضطهاد الديني الموثّق).
■ وحدة الصفة
في أخبار الجيش أو الشرطة أو المنتخبات، الصفة المهنية أو الوطنية هي المرجع الأساسي:
(جندي — ضابط — لاعب — مواطن).
■ تجنّب خطاب “الأقليات”
يُفضَّل التعامل مع الأفراد بصفتهم مواطنين كاملي الحقوق، لا بوصفهم فئات تحتاج إلى تعريف دائم بهويتها الدينية.
■ عدم افتراض الدوافع الدينية
لا يجوز إسناد دافع ديني أو طائفي لأي واقعة دون أدلة موثّقة أو نتائج تحقيق رسمية أو تصريحات واضحة من الجهات المختصة، حتى لو وُجد اختلاف ديني بين أطراف الحدث.
■ تعددية الهوية الإنسانية
الإنسان لا يُختزل في انتمائه الديني وحده؛ فهو مواطن ومهني وفاعل اجتماعي في آن واحد. اختزاله في بُعد واحد قد يؤدي إلى تنميط غير مقصود ويقلّل من دقة التغطية.
نصائح إضافية لصحافة تدعم الحوار والسلام
■ تجنب لغة “المنّة” أو الاستضافة في الأخبار
يفضل تجنب العبارات الخطابية غير المحايدة في التغطية الخبرية، مثل:
«إخوتنا المسيحيون»
«شركاء الوطن»
لماذا قد تكون إشكالية؟
لأنها قد توحي – دون قصد – بثنائية طرف أصيل وآخر مستضاف.
البديل المهني:
المواطنون
المصريون
أهالي المنطقة
السكان
(لغة المواطنة المحايدة أكثر شمولًا ومهنية).
■ الابتعاد عن الفلكلورية في التغطية الدينية
تجنّب:
حصر ظهور فئات دينية معينة في المناسبات فقط، وكأنها خارج الحياة العامة في باقي الوقت.
افعل:
إشراك جميع أطياف المجتمع في تغطية القضايا اليومية مثل التعليم والصحة والاقتصاد بوصفهم مواطنين معنيين بالشأن العام.
■ الحذر في العناوين الرقمية ومنصات التواصل
في بيئة الإعلام الرقمي، قد يُستخدم إبراز الهوية الدينية لجذب التفاعل أو زيادة معدلات النقر، إلا أن هذا الأسلوب قد يضاعف الاستقطاب ويحوّل الخبر إلى مادة تعبئة بدلًا من كونه معلومة دقيقة.
■ معيار الضرورة الخبرية
قبل ذكر الانتماء الديني، اسأل:
هل سيتغيّر فهم الخبر إذا حُذفت هذه المعلومة؟
إذا كانت الإجابة «لا»، فغالبًا لا توجد ضرورة مهنية لذكرها.
■ التعامل مع اللغة التمييزية في تصريحات المصادر
إذا احتوى تصريح رسمي أو شعبي على توصيف ديني غير ضروري، يُفضَّل نقله بحذر أو وضعه في سياقه دون تضخيمه في العنوان، مع الحفاظ على الدقة وعدم تشويه المعنى.
■ التوازن بين الدقة والحساسية
الهدف ليس حذف الهوية الدينية من المجال العام، بل استخدامها فقط عندما تكون معلومة أساسية لفهم الحدث أو تفسيره.
■ جودة الصور والرموز
في قصص الوحدة الوطنية:
تجنّب:
الصور النمطية المستهلكة (مثل عناق رجال الدين بوصفه الصورة الوحيدة للتعايش).
البديل:
صور من الحياة اليومية تظهر التفاعل الطبيعي بين المواطنين دون افتعال أو شعارات.
■ التنوع البصري الطبيعي
إظهار التنوع المجتمعي في سياق الحياة اليومية — العمل، الدراسة، الخدمات العامة — يعزّز صورة المواطنة المشتركة أكثر من الصور الرمزية أو الاحتفالية وحدها.
إذا لم تُضِف المعلومة الدينية فهمًا أدق للخبر أو سياقه، فغالبًا لا توجد ضرورة مهنية لذكرها.
تسعى هذه الإرشادات إلى دعم ممارسة صحفية مسؤولة تعزّز قيم المواطنة والسلم المجتمعي، وتقدّم الإنسان بوصفه فاعلًا في المجال العام لا ممثلًا لهوية ضيقة. وتمثل إطارًا عمليًا يمكن لغرف الأخبار تطويره وفق سياقها التحريري، بما يضمن تغطية دقيقة ومسؤولة تحترم التنوع دون تضخيمه أو إقصائه.
هل لديكم أفكار إضافية تدعم صحافة السلام والمواطنة؟
يمكن مشاركتها لإثراء النقاش المهني حول أفضل الممارسات التحريرية.



