في اليوم العالمي لحرية الصحافة.. مطالب متجددة بتداول المعلومات وتعديل التشريعات وتحسين أوضاع الصحفيين/ات

في الثالث من مايو من كل عام، يتجدّد حضور قضية حرية الصحافة على الأجندة الدولية، ليس بوصفها شعارًا احتفاليًا، بل كملف مفتوح يخضع للتقييم والمساءلة، ويعود اعتماد هذا اليوم إلى قرار الأمم المتحدة عام 1993، استنادًا إلى توصية منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، إحياءً لذكرى «إعلان ويندهوك» الصادر في 3 مايو 1991 بمدينة ويندهوك، والذي وضع أساسًا دوليًا للدفاع عن استقلالية وتعددية وسائل الإعلام.
ومنذ ذلك الحين، تحوّل اليوم العالمي لحرية الصحافة إلى محطة سنوية تتجاوز الرمزية، ليرصد واقع المهنة عالميًا، ويُعيد طرح الأسئلة المرتبطة بحرية الوصول إلى المعلومات، وسلامة الصحفيين/ات، وحدود العمل الإعلامي، في ظل ضغوط سياسية واقتصادية متزايدة، بما يجعله مناسبة لقياس الفجوة بين المبادئ المُعلنة، والتطبيق الفعلي على الأرض.
تواجه الصحافة عالميًا مجموعة متشابكة من التحديات التي تعيد تشكيل المهنة وحدودها، في مقدمتها تصاعد القيود على حرية التعبير والوصول إلى المعلومات، وتزايد الضغوط السياسية والاقتصادية على المؤسسات الإعلامية، إلى جانب التهديدات الأمنية التي تطال الصحفيين/ات في العديد من الدول، كما تفرض التحولات الرقمية واقعًا جديدًا يتسم بسرعة تداول الأخبار وانتشار المعلومات المضللة، ما يضع الصحافة التقليدية أمام اختبار صعب للحفاظ على مصداقيتها وجمهورها في بيئة تنافسية مفتوحة.
وفي قلب هذه التحديات، تبرز الحالة المصرية كنموذج يعكس تعقيد المشهد؛ إذ تتقاطع المطالب بتحديث التشريعات، وتوسيع هامش الحريات، مع أزمات مهنية واقتصادية متراكمة، فضلًا عن الحاجة إلى تطوير المحتوى الصحفي، بما يتواكب مع المتغيّرات الرقمية، بما يجعل مستقبل المهنة مرهونًا بقُدرتها على التكيّف مع هذه التحولات، دون التفريط في دورها الأساسي كسُلطة رقابية، وصوت معبر عن المجتمع.
حرية الصحافة في مصر
وفي لحظةٍ تتجدد فيها الأسئلة أكثر مما تُطرح الإجابات، يأتي اليوم العالمي لحرية الصحافة ليكشف عامًا بعد آخر، حجم الفجوة بين النصوص الدستورية والواقع العملي، وبين طموحات الجماعة الصحفية، والتحدّيات التي تُكبّل حركتها؛ ففي الثالث من مايو، لا يقتصر المشهد على الاحتفاء بقيمة الحرية، بقدر ما يتحوّّل إلى مناسبة سنوية لمراجعة الأوضاع المهنية، والتشريعية، والاقتصادية، التي تعيشها الصحافة المصرية، وسط بيئة متغيّرة، تضغط فيها التحوّلات الرقمية، وتتداخل مع قيود تقليدية لم تُحسم بعد.
وبينما تتصاعد المطالب بإصدار تشريعات طال انتظارها، وفي مقدّمتها قانون حرية تداول المعلومات، تتقاطع هذه الدعوات مع أزمات أكثر عمقًا تتعلّق ببيئة العمل، ومستوى الحريات، وأوضاع الصحفيين/ات المعيشية، فضلًا عن تحدّيات المحتوى ومصداقيته في عصر السرعة، وفي هذا السياق، تتشكّل خريطة معقّدة من القضايا التي تطرحها أصوات صحفية ونقابية، ساعيةً إلى استعادة دور الصحافة كسُلطة رقابية ومجتمعية فاعلة، لا مجرّد وسيط لنقل الأخبار، بل فاعل رئيسي في تشكيل الوعي العام، وصناعة المجال العام.
وفي أحاديث متفرقة لـ «المرصد المصري للصحافة والإعلام»، طرحت شخصيات صحفية ونقابية، عددًا من القضايا التي اعتبرتها أساسية لاستعادة الصحافة لدورها، على رأسها إصدار قانون حرية تداول المعلومات، وإلغاء الحبس في قضايا النشر، وتعديل بعض المواد المُقيّدة للعمل الصحفي، إلى جانب تحسين البيئة المهنية والاقتصادية داخل المؤسسات الصحفية.
قانون حرية تداول المعلومات
وفي مقدّمة الملفات التي حظيت باتفاق واسع، جاء مطلب إصدار قانون حرية تداول المعلومات، باعتباره أحد الاستحقاقات الدستورية المؤجّلة منذ صدور دستور 2014.
وقال جمال عبدالرحيم سكرتير عام نقابة الصحفيين، إن أهم ما يشغل الجماعة الصحفية في اليوم العالمي لحرية الصحافة، هو سرعة إصدار قانون حرية تداول المعلومات، وفقًا لدستور جمهورية مصر العربية لعام 2014.
وأكد الكاتب الصحفي عماد الدين حسين رئيس تحرير جريدة الشروق، ضرورة أن يشهد دور الانعقاد الحالي لمجلس النواب، إصدار قانون حرية تداول المعلومات، مؤكدًا أن هذا القانون يُعد أساس العمل الصحفي؛ إذ لا يمكن تصور وجود دور حقيقي لحرية الصحافة والإعلام، دون وجود إطار قانوني ينظم تداول المعلومات بشكل طبيعي، مضيفًا أنه في حال صدور هذا القانون، سيشهد الإعلام المصري انتعاشة كبرى.
كما أكدت إيمان عوف مقررة لجنتي المرأة والحريات بنقابة الصحفيين، الحاجة إلى إصدار قانون حرية تداول المعلومات، وإلغاء الحبس في قضايا النشر، وتعديل المادة 12 من القانون رقم 180 الخاص بتنظيم الصحافة والإعلام، مؤكدةً ضرورة العمل على مسارين متوازيين؛ أولهما إصدار وتعديل القوانين، وثانيهما تطبيق هذه القوانين، خاصةً أن هناك نصوصًا دستورية لا يتم تطبيقها.
القيود المفروضة على التغطية
وفيما يتعلّق بالقيود المفروضة على التغطية والتصوير الصحفي، أعرب عماد الدين حسين عن أمله في إلغاء المادة 12 من القانون رقم 180 لسنة 2018 بشأن تنظيم الصحافة والإعلام، والتي تحظر على الصحفيين/ات التصوير في الشارع دون إذن، طالما أن ذلك لا يخالف القانون، ولا يتم أمام منشآت يحظر التصوير أمامها.
كما رأى حسين الزناتي وكيل أول نقابة الصحفيين، أن بعض المواد القانونية التي تُقيّد حرية الصحافة، تتطلّب تضافر الجهود لتعديلها، بما يُسهم في استعادة المهنة لمكانتها من جديد.
وقال «الزناتي» إن استعادة المهنة لمكانتها، أمر يتطلّب فرض إرادة للحصول على هامش أوسع لحرية النشر، مع أهمية الحد من الرقابة الذاتية «المُبالغ فيها»، التي تُعد عيبًا في بعض الأحيان، خاصةً وأنها لا تكون مطلوبة في أوقات كثيرة، فتؤدّي إلى تشويه الرسالة الإعلامية وإضعاف قدرتها على التأثير في المتلقّي، وهو ما يمثّل مسؤولية تقع على عاتق العاملين/ات بالمهنة.
المحتوى الصحفي
وفيما يتعلّق بأوضاع المهنة نفسها، اتفقت التصريحات على أن الأزمة الحالية لا ترتبط فقط بالتشريعات، وإنما تمتد أيضًا إلى طبيعة المحتوى الصحفي، والظروف الاقتصادية المتدهورة داخل المؤسسات الصحفية.
وقال جمال عبدالرحيم إنه يتمنّى الاهتمام بالصحافة الورقية، التي يتجاوز عمرها 250 عامًا، منوهًا أن خلال السنوات الماضية تدهورت أحوال الصحافة الورقية، وأن الاهتمام بالصحافة الورقية يأتي بتطوير المحتوى الصحفي، والاهتمام بما هو وراء الخبر، والتحقيقات، والحوارات الصحفية، والتحليل، مؤكدًا أن اهتمام الصحافة الورقية بالمادة الخبرية، هو أمر غير مقبول في الوقت الحالي.
وأضاف «عبدالرحيم» أن البعض يحمّل ظهور شبكات التواصل الاجتماعي والمواقع الإخبارية المختلفة، مسؤولية الانهيار الذي وصلت إليه الصحافة الورقية، مؤكدًا أن هذا الحديث هو مجرد «تأثير».
وأشار إلى أن اليابان التي اخترعت الإنترنت، لديها صحيفة تقوم بتوزيع 13 مليون عدد بشكل يومي، مضيفًا أن ظهور المواقع الإلكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي ليست من العوامل الأساسية لانهيار الصحافة الورقية.
وفي الاتجاه نفسه، أعرب عماد الدين حسين عن أمله في أن تراعي نقابة الصحفيين، والمؤسسات الصحفية، إلى جانب مختلف وسائل الإعلام، تقديم محتوى جذاب وجيد، وأن تشهد الأوضاع المعيشية للصحفيين/ات تحسّنًا، خاصةً في ظل الظروف الصعبة التي يعاني منها الصحفيون/ات لا سيما الشباب.
وأكد «حسين» تطلّعه إلى توسيع هامش الحريات في مختلف وسائل الإعلام المصرية، طالما التزمت بالقانون، مشيرًا إلى أن هذا الهامش من شأنه أن يساعد الصحافة المصرية في الحفاظ على ريادتها في المنطقة، لافتًا إلى أنها لا تزال الأفضل على الإطلاق.
وأوضح أن ما يحتاجه ملف الإعلام لكي يكون مهنيًا هو الالتزام بالقواعد المهنية والقانونية، مشيرًا إلى أن هناك وسائل إعلام تطبّق هذه القواعد، في حين أن بعضها الآخر يلجأ إلى ممارسات غير مهنية، ما يعرّضه للعقوبات.
ملف الحريات
وفي ملف الحريات، تحدثت إيمان عوف عن اليوم العالمي لحرية الصحافة، مؤكدةً أنه رغم قتامة المشهد، فإن الصحفيين/ات مصرّون على مواصلة عملهم/ن، في ظل ظروف اقتصادية وتشريعية صعبة، ويتمسّكون بتقديم صحافة حقيقية بكل حب وشغف.
ووجّهت «عوف» التحية إلى أسر 19 زميلًا صحفيًا محبوسًا، كما حيّت كل الصحفيين/ات داخل السجون على صمودهم/ن وصبرهم/ن، مؤكدةً أن حريتهم مطلب أساسي للجماعة الصحفية والنقابة.
وطالبت بالإفراج عن الصحفيين/ات المُقيّدة حريتهم/ن بضمان النقابة وفقًا للدستور المصري، وضرورة عدم القبض على أي صحفي أو استدعائه دون إخطار نقابته، التزامًا بقرارات النائب العام.
كما لفتت إلى ظهور نمط جديد من الانتهاكات، يتمثّل في المُغالاة في قيمة الكفالات، التي تراوحت بين 5 آلاف و20 ألف جنيه، مؤكدةً الحاجة إلى تطبيق جاد للقوانين.
واختتمت بتوصيات، أبرزها ضرورة وقف حجب المواقع، لما يمثّله من «آلة قتل متواصلة» بحسب وصفها، وعداء مباشر للصحافة، فضلًا عن تأثيره السلبي على مصادر دخل الصحفيين/ات، مؤكدةً أنه طالما عجزت المهنة عن التعبير عن الناس، ستظل أوضاع المهنة متدهورة.
الصحفيين/ات الفلسطينيين/ات
وفي سياق متصل، قال حسين الزناتي إن اليوم فرصة للتذكير بوجود منظمات معنية بحماية هذه الحرية، يفترض أن يكون لها موقف واضح ومسموع، إلا أنه كما حدث إزاء ما ارتكبه الكيان الصهيوني بحق الصحفيين/ات والإعلاميين/ات الفلسطينيين/ات، تتغافل هذه المنظمات عن دورها، بل وتتواطأ معه/ ما دامت مصالحها السياسية تتحقق.
وأضاف أن الربط بين حرية الصحافة وأهداف الدول الكُبرى السياسية، مثل الولايات المتحدة، التي تتغافل عن هذه المحاذير، بل وتتواطأ معها، يُفقدها مصداقيتها، ويجعلها غير مؤهلة للحديث عن حرية الصحافة والإعلام في دول العالم الثالث أو غيرها، طالما أنها لا تطبق هذه القواعد على نفسها.
واختتم جمال عبدالرحيم حديثه قائلًا: «بهذه المناسبة أتقدّم بالتحية والإجلال لشهداء الصحافة المصرية، الذين ضحّوا بأرواحهم/ن ودمائهم/ن، من أجل الدفاع عن حرية الصحافة والوطن».



