بروفايل
بالأزرق والياسمين.. رحلة صفاء عاشور في البحث عن وجع الناس

لم تكن صفاء عاشور تتخيل، وهي طفلة تكبر وسط الكتب والمجلات داخل بيت قاهري هادئ، أن تصبح الصحافة لاحقًا شكلًا كاملًا لحياتها، لا مجرد مهنة تمارسها.
منذ سنواتها الأولى، ارتبطت علاقتها بالعالم بالكلمة، بالقراءة، وبالقصائد، وبالقدرة على الإنصات للحكايات الصغيرة التي يعيشها الناس كل يوم.
وبين الأدب والصحافة، وبين التحقيقات الميدانية والتدريب وصحافة الموبايل، صنعت صفاء مسارها الخاص، مؤمنة بأن الصحفي الحقيقي هو من يقترب من الناس ويحاول أن يمنحهم صوتًا.
نشأت صفاء داخل أسرة لعبت دورًا حاسمًا في تشكيل وعيها المبكر كانت والدتها قارئة شغوفة، تتابع الصحافة والمجلات الثقافية باهتمام، خاصة مجلة «روز اليوسف»، بينما كان معرض القاهرة الدولي للكتاب طقسًا عائليًا ثابتًا تعود منه الأسرة بحقائب ممتلئة بالكتب ومحاولات دائمة لبناء مكتبة صغيرة داخل المنزل.
في هذا المناخ، كبرت صفاء مع شقيقتيها على فكرة أن القراءة ليست رفاهية، بل جزء أساسي من تكوين الإنسان. ولم يكن اهتمام والدتها مقتصرًا على التعليم فقط، بل امتد إلى بناء شخصية مستقلة وقوية لبناتها، قادرة على اتخاذ القرار دون خوف من المجتمع أو أحكامه
كانت تؤمن دائمًا بأن الفتاة يجب ألا تُربّى على القلق من نظرة الآخرين، بل على الثقة بالنفس والقدرة على التعبير عن ذاتها بحرية.
داخل إحدى زيارات معرض الكتاب، وقعت بين يدي صفاء رباعيات صلاح جاهين، لتبدأ معها علاقة طويلة بشعر العامية.
لم تكتفِ بقراءتها، بل حفظت أجزاء كبيرة منها، ثم امتدت رحلتها إلى أشعار أمل دنقل وغيرهما من الشعراء الذين شكّلوا وجدانها في سنوات المراهقة. ومع الوقت، بدأ الحلم يتضح أكثر، أرادت أن تصبح كاتبة وشاعرة، وأن تعمل في مجال يرتبط بالكلمة والكتابة، فكانت الصحافة الطريق الأقرب لذلك الحلم.
منذ سنوات الدراسة الأولى، اتخذت قرارها مبكرًا بالالتحاق بأكاديمية أخبار اليوم لدراسة الصحافة، وكانت تشعر أنها تعرف جيدًا الطريق الذي تريد أن تسلكه وربما لهذا السبب تؤمن حتى اليوم بأهمية منح الشباب مساحة لاكتشاف اختياراتهم مبكرًا، لأن بعض القرارات المصيرية تتشكل بوضوح في سن صغيرة بدأت صفاء العمل الصحفي منذ عامها الأول.
في الكلية، متنقلة بين تجارب صحفية متعددة، وكانت بدايتها الأقرب إلى قلبها في الصحافة الثقافية، باعتبارها الامتداد الطبيعي لشغفها بالأدب والكتابة وتقول إن دعم والدتها لعب الدور الأكبر في تلك المرحلة، لأنها كانت تؤمن دائمًا بحق بناتها في اختيار ما يحببن، ولم تتردد يومًا في تشجيعها على خوض الطريق الذي أرادته.
لكن الصورة المثالية التي رسمتها صفاء للمهنة اصطدمت سريعًا بواقع مختلف، نشأت، مثل كثير من أبناء الطبقة الوسطى، على تصور واضح للأشياء، هناك صواب وخطأ، أبيض وأسود، دون تلك المناطق الرمادية المعقدة التي اكتشفتها لاحقًا داخل الوسط الصحفي
فوجئت بأشخاص يكذبون أو يزوّرون المعلومات أو يتحدثون عن زملائهم في غيابهم، وكان من الصعب عليها تقبّل هذا العالم، حتى إنها فكرت أحيانًا في الابتعاد عن المجال تمامًا.
لفترة طويلة، بقيت واقفة بين عالمين، الصحافة من جهة، والأدب من جهة أخرى كانت تكتب وتحاول العمل على مشروعها الأدبي الخاص بالتوازي مع خطواتها المهنية الأولى، لكن ثورة يناير غيّرت علاقتها بالمهنة بالكامل، شعرت وقتها أن الناس الذين نزلوا إلى الشوارع يستحقون من ينقل حكاياتهم ويقترب من تفاصيلهم الإنسانية، فابتعدت تدريجيًا عن الصحافة الثقافية واتجهت إلى التحقيقات الصحفية.
انضمت صفاء إلى قسم التحقيقات في «اليوم السابع»، وكانت ضمن مجموعة الصحفيين الشباب الذين شاركوا في تأسيس القسم منذ بدايته، تتذكر تلك السنوات باعتبارها من أجمل فترات الصحافة المصرية، حيث كان سقف الحرية واسعًا، وكانت غرف الأخبار مليئة بالحماس والرغبة في التجريب وصناعة أشكال جديدة من العمل الصحفي.
لم تكن المنافسة بين صحفيي التحقيقات في المؤسسات المختلفة قائمة على العداء، بل على تبادل الأفكار ومحاولة تقديم أفضل ما يمكن لذلك تنظر صفاء إلى تلك المرحلة باعتبارها «فترة ذهبية» للمهنة، تركت أثرًا عميقًا في تكوينها الصحفي والإنساني.
ومع السنوات، بدأت علاقتها الحقيقية بالشارع والناس تتعمق أكثر من خلال التحقيقات الميدانية، تؤمن صفاء أن صحافة التحقيقات تمنح أصحابها رصيدًا هائلًا من الحكايات، لأن الصحفي يقترب خلالها من تفاصيل الحياة اليومية للناس ومن أزماتهم وأسئلتهم الصغيرة والكبيرة.
من بين اللحظات التي لا تنساها، تغطيتها لأزمة انقطاع المياه في منطقة بشتيل قبل أول أيام العيد، تتذكر غضب الأهالي وعجزهم عن ممارسة أبسط تفاصيل حياتهم اليومية من تنظيف وتجهيز للعيد، وهي تفاصيل ترتبط بوجدان المصريين وعاداتهم الاجتماعية.
بعد نشر التحقيق في «اليوم السابع»، عادت المياه بالفعل إلى المنطقة خلال ساعات قليلة، وبدأت بعدها تتلقى رسائل واتصالات شكر من الأهالي، تقول إن تلك اللحظة كانت من أكثر اللحظات التي جعلتها تدرك المعنى الحقيقي لقوة الصحافة وتأثيرها المباشر في حياة الناس، وأن المهنة ليست مجرد نقل للأخبار، بل محاولة حقيقية للدفاع عن الناس وإيصال أصواتهم.
ورغم حصولها على ما يقرب من 13 جائزة محلية ودولية، تظل بعض الأعمال أقرب إلى قلبها بسبب أثرها الإنساني أكثر من الجوائز نفسها، يأتي في مقدمة هذه الأعمال تحقيق «بالأزرق صوتي»، الذي تناول الانتهاكات التي يتعرض لها الأطفال من ذوي التوحد داخل بعض مراكز التخاطب غير المرخصة، بدأ العمل على التحقيق في نهاية عام 2019 واستمر حتى عام 2020. قابلت خلاله أمهات يحملن قصصًا مؤلمة عن الإهمال والعنف والإصابات التي تعرض لها أطفالهن، ووصل الأمر في بعض الحالات إلى الوفاة.
وتقول صفاء إن هذا التحقيق غيّر نظرتها إلى الأمومة، وجعلها تدرك حجم القوة التي تمتلكها الأمهات في الدفاع عن أطفالهن مهما كانت الظروف، وخلال رحلات التصوير الميداني في المنيا أواخر عام 2019، تعرضت لوعكة صحية شديدة بالتزامن مع بدايات انتشار فيروس كورونا.
فقدت القدرة على التنفس والحركة بشكل طبيعي، لكنها أصرت على استكمال العمل حتى نُشر التحقيق في اليوم العالمي للتوحد عام 2020، في ذروة الجائحة، لاحقًا، حصل التحقيق على جائزة «كاثرين شنايد» الأمريكية، كما تواصلت وزارة التضامن الاجتماعي مع فريق العمل لمراجعة الحالات والانتهاكات الواردة فيه، وهو ما اعتبرته صفاء واحدًا من أهم أشكال التأثير الحقيقي للصحافةحتى التفاصيل البصرية للتحقيق كانت بالنسبة لها جزءًا من الحكاية.
اختارت اللون الأزرق المرتبط عالميًا بالتوعية باضطراب التوحد، وقررت أن يحمل التحقيق عنوان «بالأزرق صوتي»، في محاولة لمنح هؤلاء الأطفال وأسرهم مساحة يُسمع فيها صوتهم.
ومن التحقيقات الأقرب إلى قلبها أيضًا «أحلام منقوصة في عرب أبو ساعد»، الذي تناول التأثيرات الكارثية للتلوث الصناعي على النساء في المنطقة، خاصة حالات الإجهاض المتكرر، تصف هذا الملف بأنه من أصعب ما عملت عليه نفسيًا وإنسانيًا بسبب القصص القاسية التي سمعتها من النساء هناك.
كما تعتز كثيرًا بتحقيق «ياسمين المرض»، الذي تناول أوضاع العاملين في مزارع الياسمين بقرية شبرا بلولة، وما يتعرضون له من مشكلات صحية خطيرة بسبب غياب إجراءات الحماية والسلامة. وكان هذا أول تقرير احترافي تنجزه بالكامل باستخدام الهاتف المحمول، ووصل إلى قائمة أفضل خمسة تقارير على مستوى العالم في مسابقة نظمتها مؤسسة «تومسون رويترز» بمشاركة أكثر من 120 عملًا من عشرات الدول.
تقول صفاء إن لجنة التحكيم أشادت بالطريقة الإنسانية التي روت بها القصة، وبقدرتها على تجاوز محدودية التصوير بالموبايل، خاصة أن جزءًا مهمًا من التقرير صُوّر ليلًا بإمكانات بسيطة، بالنسبة لها، كانت تلك التجربة دليلًا على أن الصحفي الحقيقي يستطيع دائمًا تحويل أبسط الأدوات إلى وسيلة قوية للحكي والتأثير.
وبالتوازي مع العمل الصحفي، بدأت صفاء رحلتها في التدريب من خلال مشروع «سينما موبايل» عام 2018، الذي استهدف تدريب الشباب على صناعة الأفلام التسجيلية باستخدام الهاتف المحمول، وتصف التجربة بأنها من المحطات التي وسّعت رؤيتها المهنية والإنسانية، ودفعَتها للتفكير بجدية في نقل خبرتها إلى الصحفيين الشباب.
لاحقًا، بدأت تقديم تدريبات متخصصة في صحافة الموبايل داخل نقابة الصحفيين، بدعم من سكرتير عام النقابة جمال عبد الرحيم، الذي كان يرأس لجنة التدريب آنذاك، ثم توسعت تجربتها التدريبية لتشمل جهات مختلفة مثل جامعة القاهرة وأكاديمية أخبار اليوم وشبكة «أريج» ومنظمة «وان إفرا» ومكتبة الإسكندرية وجماعة الجيزويت.
أما التحول الأكبر في مسيرتها، فكان قرارها العمل كصحفية مستقلة منذ عام 2020 ترى صفاء أن العمل الحر، رغم صعوبته وغياب الاستقرار المادي أحيانًا، منحها مساحة واسعة للتعلم والتطور.
خلال سنوات قليلة، تعلّمت التصوير والمونتاج والتحليل وصحافة البيانات والتدقيق الرقمي، إلى جانب دراستها الحالية للماجستير في الجغرافيا البشرية، وتؤمن بأن الصحفي المستقل لا يستطيع الاستمرار دون تطوير دائم لأدواته ومهاراته، لذلك بدأت مؤخرًا دراسة لغة البرمجة «بايثون» بدافع الفضول والرغبة في اكتشاف أدوات جديدة تدعم عملها الصحفي والبحثي.
وفي موازاة ذلك، خاضت صفاء تجربة صعبة في محاولة تحقيق التوازن بين الحياة المهنية والشخصية، خاصة باعتبارها امرأة تعمل داخل وسط صحفي لا تزال تُدار أجزاء كبيرة منه بعقلية ذكورية.
تتحدث عن فترات الحمل والأمومة باعتبارها من أصعب المراحل التي مرت بها، خصوصًا أن العمل بالنسبة لها لم يكن مجرد وظيفة، بل جزءًا أساسيًا من هويتها، وتضاعفت المسؤوليات بعد وفاة والدتها عام 2020، قبل ولادة طفلها بعام تقريبًا، وهو ما اضطرها هي وزوجها، الذي يعمل مصورًا صحفيًا، إلى إعادة تنظيم حياتهما بالكامل وفق طبيعة عمل كل منهما، في محاولة مستمرة لتحقيق التوازن بين البيت والعمل.
ورغم كل هذه الصعوبات، لا تنظر صفاء إلى تجربتها باعتبارها أزمة دائمة، بل رحلة طويلة لفهم الذات وإعادة ترتيب الأولويات دون التخلي عن الشغف أو الاستسلام لفكرة أن نجاح المرأة يجب أن يأتي على حساب حياتها الشخصية، وفي نهاية حديثها، تعود دائمًا إلى الفكرة نفسها، أن الصحفي الحقيقي لا يتوقف عن القراءة أو التعلم أو تطوير نفسه، تؤمن بأن الكتابة الجيدة لا تأتي دون قراءة مستمرة، وأن الإحباط هو الخطر الأكبر الذي يواجه الصحفيين اليوم.
ومع ذلك، لا تزال متمسكة بالأمل، وبفكرة أن الحفاظ على قيمة المهنة وتطويرها مسؤولية الجيل الحالي تجاه الأجيال القادمة.



