بروفايل

ولاء غُنيم.. حين تلتقط الصورة ما لا يقال

في أحد أحياء القاهرة القديمة، حيث تختلط الأصوات بروائح التاريخ، نشأت المصورة الصحفية ولاء غنيم في حي السيدة زينب، حاملة ملامح بيئة صنعت منها إنسانة تعرف جيدًا معنى المسؤولية. لم تكن مجرد فتاة تسير في طريق تقليدي، بل تشكّل وعيها مبكرًا على الاعتماد على النفس منذ أن بلغت الثامنة عشرة، لتصبح مسؤولة عن ذاتها ومن حولها، في تجربة مبكرة صقلت شخصيتها ومنحتها صلابة هادئة تظهر في كل خطوة لاحقة.
لم تكن القراءة جزءًا أصيلًا من طفولتها، لكنها جاءت كاكتشاف مفاجئ غيّر الكثير، لحظة عابرة في معرض القاهرة الدولي للكتاب حين قررت أن تنزل مع صديقتها للمرة الأولى، كانت كفيلة بأن تفتح بابًا جديدًا، اشترت بعض الكتب والقصص، ولم تكن تدرك أن هذه اللحظة الصغيرة ستتحول إلى علاقة ممتدة، تشكّل وعيها وتغذي نظرتها للعالم، وتمنحها لغة داخلية ترى بها ما وراء الصورة.
في عام 2016، تخرجت في كلية الآداب قسم الإعلام بجامعة عين شمس، لكن علاقتها الحقيقية بالصحافة بدأت قبل ذلك بعام، في السنة الثالثة من دراستها، جاءها عرض بسيط من زميل للالتحاق بتدريب في جريدة الفجر، عرض لم يكن يبدو استثنائيًا، لكنه لامس شغفًا قديمًا بداخلها، فمنذ طفولتها كانت تحمل ميلًا فطريًا نحو التصوير، نحو التقاط اللحظات وتوثيقها، كأنها تحاول أن تُبقي الزمن حيًا داخل إطار.
كانت أولى محاولاتها الحقيقية في المهنة يوم 18 مايو 2015 على سلالم دار الحكمة خلال وقفة احتجاجية للأطباء، هناك وسط الزحام والهتافات لم تكن مجرد متفرجة، بل كانت تحاول أن ترى، أن تلتقط، أن تثبت وجودها في مساحة لم تكن سهلة على مبتدئة، لم يكن المشهد مجرد حدث، بل كان اختبارًا أوليًا لقدرتها على أن تكون عينًا وسط الضجيج، حسب وصفها.
في هذه الرحلة لم تكن وحدها، كانت الأم حاضرة كداعم أساسي، لا بالكلمات فقط بل بالفعل، هي من اشترت لها أول كاميرا، وهي من دفعتها للاستمرار، للنزول، للتجربة، وللتعلم، كانت تمنحها شعورًا دائمًا بالفخر حتى في أصغر خطواتها، وكأنها تقول لها كمّلي، إنتِ على الطريق.
الطريق لم يكن سهلًا، فالدخول إلى مؤسسة صحفية وسط مصورين سبقوها بسنوات كان تحديًا حقيقيًا، أن تثبت نفسها بينهم وهي لا تزال في بداياتها كان يتطلب أكثر من مجرد موهبة، كان يحتاج إلى صبر وإصرار وإيمان بأنها تستحق مكانها، وترى أن الإنجاز الأوضح في هذه المرحلة هو حصولها على عضوية نقابة الصحفيين بعد ثلاث سنوات فقط من دخولها المجال، في خطوة تعكس سرعة نضجها المهني.
من بين كل اللحظات تظل هناك لحظة لا تُنسى أو تُمحى من ذاكرتها، صورة التقطتها في عزاء الكاتب الصحفي إبراهيم أبو سعدة، تحولت فجأة إلى حديث واسع على مواقع التواصل الاجتماعي، انتشرت بسرعة وجلبت معها دعمًا كبيرًا وهجومًا أكبر، حتى أن ابنته خرجت في برنامج تلفزيوني لتتحدث عن الصورة وعن المصورة الصحفية التي التقطتها، كانت تلك اللحظة اختبارًا قاسيًا، لكنها أيضًا كشفت عن قوة الصورة وعن ثمن أن تكون في قلب الحدث.
وبين الضجيج جاء موقف هادئ لكنه عميق الأثر، أثناء حضورها تدريبًا في نقابة الصحفيين التقت بالكاتب الصحفي حسام دياب، لم يكن بينهما أي معرفة سابقة، لكنه بمجرد أن رأى اسمها في الكشف سأل عنها، وحين وقفت أمامه قال لها ببساطة إنتي عاملة دوشة ليه، كان يقصد الصورة، ثم أضاف أنها مهنية جدًا، كانت لحظة اعتراف من أحد أبناء المهنة جاءت كدعم صامت لكنها كانت كافية لتؤكد لها أنها تسير في الاتجاه الصحيح.
بالنسبة لولاء لم تعد الصحافة مجرد مهنة، بل أصبحت موقعًا للرؤية، هي عين الجمهور كما تراها، وعدسة تنقل ما يحدث للناس بصدق وبمسؤولية وبحس إنساني لا ينفصل عن الصورة.
لم تعد الكاميرا بالنسبة لولاء غنيم مجرد أداة عمل، التحول لم يأتِ فجأة، بل في لحظة وعي هادئة حين وجدت نفسها تنظر من خلف العدسة لا لتلتقط صورة فقط بل لتفهم ما يحدث داخلها، هناك أدركت أن الكاميرا صارت وسيلتها لرؤية الناس عن قرب، ولقراءة ما بين الملامح، لم تعد مجرد جهاز يوثّق اللحظة بل أصبحت جزءًا من حياتها اليومية ومن طريقة إدراكها للعالم.
وربما لهذا كانت بعض الصور أكثر تأثيرًا فيها من أي صدى جماهيري، تتوقف طويلًا عند صورة لسيدة بسيطة تفترش شارع باب البحر في باب الشعرية، تبيع الطعمية والبطاطس، لم يكن في المشهد ما يوحي بالبطولة لكن ضحكتها كانت كافية لتصنع حكاية كاملة، ضحكة صافية كأنها تملك الدنيا ولم تعرف الشقاء يومًا، صورة كهذه لم تكن مجرد لقطة بل درسًا في المعنى الذي يمكن أن تحمله التفاصيل الصغيرة.
في كل مرة ترفع فيها الكاميرا يبقى سؤال الأخلاق حاضرًا، توازن ولاء بين نقل الحقيقة واحترام خصوصية من تصوّرهم بميزان بسيط لكنه حاسم، هل كنت سأرضى أن أُصوَّر هكذا لو كنت مكانه، إذا كانت الإجابة لا تتراجع فورًا.
بالنسبة لها لا تستحق أي صورة أن تُلتقط على حساب كرامة إنسان، ولا يجب أن تكون القوة مرادفًا للقسوة أو كشف الستر.
لكن المهنة بطبيعتها تضعها أحيانًا في قلب لحظات قاسية، من أصعب ما واجهته كان أثناء تغطية إحدى المحاكمات في طرة حين صدر الحكم بالإعدام على عدد كبير من الشباب، بين الهتافات التي ملأت القاعة وجدت نفسها أمام مشاعر متضاربة بين إنسانيتها التي ترى أعمارًا تنتهي وإدراكها لثقل الجريمة والعقاب، كانت تؤدي عملها وتوثّق المشهد لكنها في الوقت نفسه تبكي خلف الكاميرا في صمت لا يراه أحد.
ورغم ذلك تظل مؤمنة بأن الصورة الصحفية أبلغ من الكلمات، لحظة واحدة أو نظرة عين أو تعبير عابر قد تنقل إحساسًا كاملًا دون شرح، في حين قد يعجز مقال طويل عن بلوغ هذا الأثر، لهذا تبحث دائمًا عن تلك اللحظة الصادقة التي تختصر الحكاية.
وفي الشارع حيث تختبر مهنتها يوميًا تواجه تحديات خاصة كمصورة، نظرة البعض قد تحمل عدم تقبل أو استهانة لكنها في الوقت نفسه تفتح لها أبوابًا مختلفة، فهناك من يمنحها ثقة أسرع ومن يتعامل معها بلطف أكبر بل ويسعى لمساعدتها، مفارقة تمنحها ميزة إنسانية داخل المهنة.
أما نفسيًا فتحاول أن تخلق مسافة بين ما تراه وما تشعر به لكنها تعترف أن الأمر ليس سهلًا دائمًا، تمنح نفسها وقتًا بعد كل تغطية لتستوعب ما مرّت به وتجد في تصوير الفن مساحة أكثر هدوءًا تلجأ إليها كاستراحة من قسوة الواقع.
وحين تفكر في صورة تختصر مسيرتها لا تختار حدثًا ضخمًا ولا شخصية مشهورة، تختار إنسانة عادية لا يعرفها أحد لكن عينيها تحكيان قصة كاملة من الإصرار والتعب والنجاح، لأن التصوير في جوهره بالنسبة لها ليس عن اللحظات الكبيرة فقط بل عن تلك التفاصيل الصغيرة التي يمر بها الجميع ولا يلتفت إليها أحد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى