تزامنًا مع يوم الصحفي المصري، تشاركنا الصحفية ياسمين عبده تدوينة تعبر عن رأيها ورؤيتها بشأن القضايا التي ترى أنها ما زالت تنتظر الحل، أو تستحق أن تكون في مقدمة النقاش خلال السنوات المقبلة
في إطار حملة التدوين، التي أطلقها المرصد المصري للصحافة والإعلام، تزامنًا مع يوم الصحفي المصري، تشاركنا الصحفية ياسمين عبده تدوينة تعبر عن رأيها ورؤيتها بشأن القضايا التي ترى أنها ما زالت تنتظر الحل، أو تستحق أن تكون في مقدمة النقاش خلال السنوات المقبلة.. إليكم/ن نص التدوينة: من سرق المعنى ؟
في عام 1995 كانت المعركة واضحة؛ قانون يحمل رقماً معروفاً، وخصماً يمكن رؤيته ومواجهته، وجيلاً من الصحفيين يعرف جيداً لماذا يحتجب، ولماذا يعتصم داخل نقابته لأكثر من مائة يوم، ولماذا يخوض واحدة من أشهر معارك الدفاع عن الكلمة في تاريخ المهنة. كانت الكلمة وقتها مهددة بالمنع، وكانت المعركة من أجل أن تصل. أما اليوم، فأخشى أننا نواجه خطراً أكثر تعقيداً.
لم تعد الكلمة تُمنع دائماً، بل تُغرق.
نعيش زمناً لم يعد فيه المواطن يفتقد المعلومة، بل يفتقد البوصلة. آلاف الأخبار تتدفق كل ثانية، وعشرات المنصات تتنافس على خطف الانتباه، وملايين المنشورات تتسابق نحو أعين الناس، حتى أصبح أخطر ما يهدد الحقيقة ليس إخفاءها، بل دفنها وسط هذا الزحام الهائل.
أعمل في رصد الأخبار العالمية يومياً، وأرى كيف يمكن لحرب تهدد مستقبل منطقة كاملة، أو لأزمة تمس حياة ملايين البشر، أن تتراجع من دائرة الاهتمام خلال ساعات، بينما يبقى مقطع تافه أو جدل عابر في صدارة المشهد لأيام. عندها أدرك أن الخطر لم يعد في نقص المعلومات، بل في الطريقة التي تُستهلك بها. لهذا لا أعتقد أن ما نواجهه مجرد تطور في أدوات النشر؛ ما نواجهه هو معركة على الوعي نفسه. في الماضي كانت المعركة حول حق الناس في الوصول إلى المعلومة. أما اليوم، فأصبحت المعركة حول قدرتهم على فهمها، نرى أكثر من أي وقت مضى، ونعرف أكثر من أي وقت مضى، لكننا في أحيان كثير، نفهم أقل من أي وقت مضى, وهنا يصبح دور الصحافة الحقيقية أكثر أهمية، لا أقل. الصحافة لم تُخلق لتضيف ضجيجاً جديداً إلى هذا العالم، بل لتمنح الناس ما فقدوه وسطه: السياق، والمعنى، والقدرة على التمييز بين ما هو عابر وما هو مصيري.
بعد 31 عاماً من يوم الصحفي المصري، تغيرت القوانين، وتبدلت المنصات، وتغير شكل المواجهة.
لكن السؤال لم يعد: هل ستصل الكلمة؟
السؤال الأخطر الآن: هل سيصل معناها؟
ففي زمن يُغرق الناس بالمعلومات، ويُشبعهم بالأخبار، ويتركهم عطشى للفهم…
قد يصبح الوعي نفسه آخر خطوط الدفاع.
وقد يصبح الفهم… آخر أشكال المقاومة .