بيانات

بعد 31 عامًا من يوم الصحفي المصري.. من معركة الحرية إلى معركة البقاء

في العاشر من يونيو من كل عام، تستعيد الجماعة الصحفية ذكرى يوم الصحفي المصري، الذي ارتبط بموقف مهني وجماعي فارق في تاريخ المهنة، حين توحد الصحفيون والصحفيات عام 1995 دفاعًا عن حرية الصحافة ورفضًا للتشريعات المقيدة لها.

وبعد مرور 31 عامًا على تلك اللحظة، لا تزال معركة الدفاع عن حرية الصحافة حاضرة، لكن المشهد اليوم يكشف أن التحديات التي تواجه المهنة لم تعد تقتصر على حرية النشر والتغطية والوصول إلى المعلومات، بل امتدت لتشمل الحق في العمل اللائق، والأجر العادل، والاستقرار المهني، والحماية القانونية والاجتماعية للعاملين بها.
وتكشف أعمال الرصد والتوثيق التي أجراها المرصد المصري للصحافة والإعلام خلال عام 2025 حجم هذه التحديات؛ إذ وثق المرصد 1720 انتهاكًا تعرض لها صحفيون وصحفيات وإعلاميون وإعلاميات ومؤسسات إعلامية في مصر. والأكثر دلالة أن الانتهاكات المرتبطة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية جاءت في صدارة الانتهاكات الموثقة، بعدما سجل المرصد 1311 حالة حجب حقوق مالية، مقابل 115 حالة منع من التغطية الإعلامية، و70 حالة تجديد حبس على ذمة التحقيقات في قضايا تتعلق بالعمل الصحفي. وبذلك شكلت الانتهاكات المرتبطة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية نحو ثلاثة أرباع الانتهاكات الموثقة خلال العام، في مؤشر يعكس تحولًا لافتًا في طبيعة التحديات التي تواجه الجماعة الصحفية، ويكشف أن التحدي الأبرز الذي واجه الصحفيين والصحفيات خلال عام 2025 لم يكن فقط القيود المرتبطة بحرية العمل الصحفي، وإنما أيضًا المساس بحقوقهم الاقتصادية والاجتماعية واستقرارهم المهني.
فإذا كانت معركة عام 1995 قد ارتبطت أساسًا بالدفاع عن حرية الصحافة في مواجهة التشريعات المقيدة، فإن معركة اليوم باتت أكثر تعقيدًا؛ إذ يواجه الصحفيون والصحفيات تحديات متزامنة تتعلق بالحرية، والأمان الوظيفي، والاستقرار الاقتصادي، والاعتراف المهني، بما يطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل المهنة وقدرتها على الاحتفاظ بكوادرها واستقطاب أجيال جديدة إليها.
ففي الوقت الذي تستمر فيه وقائع الفصل التعسفي وتأخر صرف الأجور والمستحقات المالية داخل عدد من المؤسسات الصحفية، لا يزال العديد من الصحفيين والصحفيات يواجهون أوضاعًا مهنية غير مستقرة بسبب غياب التعيين، أو استمرار العمل لسنوات طويلة دون تسوية أوضاعهم الوظيفية بصورة عادلة، بما يحرمهم من كثير من الحقوق والضمانات المهنية والاجتماعية.
وتأتي هذه التحديات في سياق تحولات اقتصادية ومهنية عميقة يشهدها قطاع الصحافة والإعلام، في ظل تراجع نماذج التمويل التقليدية، وتغير أنماط استهلاك المحتوى، وتزايد الضغوط الاقتصادية التي تواجه عددًا من المؤسسات الصحفية. ومع ذلك، فإن مواجهة هذه التحديات لا ينبغي أن تكون على حساب الحقوق الأساسية للصحفيين والصحفيات، أو أن تتحول إلى مبرر لحجب الأجور والمستحقات المالية أو إضعاف الضمانات المهنية والاجتماعية للعاملين بالمهنة، إذ تظل حماية حقوق العاملين جزءًا أساسيًا من أي مسار جاد للحفاظ على استدامة المؤسسات الصحفية وتطويرها.
كما فرضت التحولات التي شهدتها صناعة الإعلام خلال السنوات الأخيرة تحديات جديدة على الجماعة الصحفية، في مقدمتها أوضاع الصحفيين والصحفيات العاملين بالمواقع الإلكترونية والمنصات الرقمية، الذين أصبحوا جزءًا رئيسيًا من صناعة الصحافة في مصر. ورغم ذلك، لا تزال قضايا التمثيل النقابي والاعتراف المهني وإشكاليات القيد والمسار النقابي والحماية القانونية لهذه الفئة مطروحة دون حلول مكتملة، في وقت أصبحت فيه الصحافة الرقمية أحد المكونات الرئيسية للمشهد الإعلامي المصري، بما يفرض ضرورة تطوير الأطر المهنية والتنظيمية بما يضمن المساواة في الحقوق والفرص بين الصحفيين والصحفيات، بغض النظر عن طبيعة المنصة التي يعملون بها.
وبعد سنوات من تطبيق قانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018، تظل الحاجة قائمة إلى تطوير الأطر التشريعية والتنظيمية الحاكمة للعمل الصحفي، بما يعزز حرية التغطية والوصول إلى المعلومات، خاصة ما يتعلق بحرية التغطية والتصوير في الأماكن العامة، ويزيل القيود التي تعيق العمل الصحفي المشروع، ويستجيب للتحولات التي شهدتها صناعة الإعلام، ويضمن حماية أوسع للحقوق المهنية والاقتصادية والاجتماعية للصحفيين والصحفيات.
إن الدفاع عن حرية الصحافة لا يكتمل دون حماية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والمهنية للعاملين بها. فحرية الصحافة لا تنفصل عن الحق في الأجر العادل، والاستقرار الوظيفي، والحماية الاجتماعية، وحرية التغطية والوصول إلى المعلومات.
كما لا تنفصل عن إنهاء معاناة الصحفيين المحبوسين على خلفية عملهم أو آرائهم، ووقف الممارسات التي تؤدي إلى استمرار الملاحقات المرتبطة بالعمل الصحفي، ومعالجة أوضاع الصحفيين غير المعينين والمؤقتين والعاملين لسنوات طويلة دون تسوية أوضاعهم المهنية، وضمان الاعتراف الكامل بالصحفيين العاملين بالمواقع الإلكترونية والمنصات الرقمية، وتطوير الأطر النقابية والتشريعية المنظمة للمهنة بما يتوافق مع واقعها المتغير.
وفي ذكرى يوم الصحفي المصري، يؤكد المرصد المصري للصحافة والإعلام أن حماية حرية الصحافة تظل هدفًا أساسيًا لا ينفصل عن حماية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والمهنية للعاملين بها. فالمهنة التي يُحرم العاملون بها من الاستقرار والأمان المهني، أو تُنتقص حقوقهم الاقتصادية، أو تُفرض عليهم قيود تعوق أداء رسالتهم، تصبح أكثر عرضة للضعف والتراجع.
فبعد 31 عامًا من تلك المعركة، لم تعد القضية فقط كيف نحمي حرية الصحافة، بل كيف نضمن أن يبقى العمل الصحفي مهنة قادرة على الاستمرار، وقادرة على حماية من يمارسونها، وقادرة على أداء دورها في خدمة المجتمع والدفاع عن حقه في المعرفة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى