إبراهيم حمادة.. من أريكة الاستوديو إلى غرف أخبار «BBC» وكواليس تحقيقات «أريج»

بدأ رحلته بأمنية والده وشغفه بالكاميرا.. ومن تقديم الأخبار وقيادة فرقها إلى تحرير التحقيقات وتدريب الصحفيين
لم يكن إبراهيم حمادة يعرف، وهو يقضي بعض لياليه نائمًا على أريكة داخل أحد استوديوهات مدينة الإنتاج الإعلامي، وبجواره كتبه ومحاضراته الجامعية، أن الطريق الذي بدأه بدافع الفضول سيقوده يومًا إلى قيادة فرق إخبارية في هيئة الإذاعة البريطانية «BBC»، ثم إلى العمل على تطوير التحقيقات الاستقصائية وتدريب الصحفيين والصحفيات داخل شبكة «أريج»، فقد كان آنذاك طالبًا بكلية اللغات والترجمة في جامعة الأزهر، يحاول التوفيق بين دراسته وفرصة اكتشف من خلالها عالمًا لم يكن يخطط لدخوله
وراء هذه البداية أمنية قديمة لوالده بأن يعمل أحد أبنائه في الإعلام، ظل حمادة يتذكرها خلال سنوات دراسته، حتى وجد نفسه، دون ترتيب مسبق، أمام فرصة بدت وكأنها تفتح الباب لتحقيق ذلك الحلم، قبل أن تتحول مع الوقت إلى اختياره المهني الذي أمضى فيه سنوات متنقلًا بين العمل أمام الكاميرا وخلفها، وغرف الأخبار وقاعات التدريب
وُلد حمادة ونشأ في إحدى قرى محافظة بني سويف، ويقول إن نشأته الريفية تركت أثرًا في شخصيته، فمنحته ميلًا إلى الهدوء والإصغاء والانتباه للتفاصيل الصغيرة، وهي صفات يرى أنها انعكست لاحقًا على تعامله مع الناس وقصصهم، أما خارج العمل، فيجد متعته في القراءة والكتابة والقهوة والموسيقى، خصوصًا نغمات العود، والأفلام التي تترك أسئلتها مفتوحة أمام المشاهد بدلًا من تقديم إجابات جاهزة
لم تكن الصحافة اختياره الدراسي الأول، إذ التحق بكلية اللغات والترجمة بجامعة الأزهر، وكان يفكر في مستقبل مختلف، قبل أن يتلقى خلال عامه الجامعي الأول دعوة مع مجموعة من زملائه للمشاركة في برنامج تلفزيوني ناطق بالإنجليزية داخل مدينة الإنتاج الإعلامي، وهناك جذبته الكاميرات وأجواء الاستوديو والعاملون خلفها، وبدأ يبحث عن فرص تتيح له الاقتراب أكثر من المجال، والتعلم من أصحاب الخبرات
لم يكن الطريق سهلًا على الطالب القادم من بني سويف، فقد كان يبدأ يومه في الجامعة، ثم يتوجه إلى مدينة السادس من أكتوبر للعمل داخل الاستوديوهات، وفي بعض الأحيان كان يضطر إلى المبيت على أريكة داخل الاستوديو ليلة أو أكثر، محتفظًا بكتبه ومحاضراته إلى جواره، قبل أن يعود إلى سكن الطلاب في مدينة نصر، واستمر هذا الإيقاع نحو أربع سنوات، يجمع خلالها بين متطلبات الدراسة ومحاولات إثبات نفسه داخل العمل الإعلامي
وخلال تلك السنوات، لم يكتف بتعلم التقديم التلفزيوني، بل تنقل بين البحث والإعداد والإنتاج والتحرير والترجمة والتعليق الصوتي والمراسلة، وهي تجارب أتاحت له التعرف إلى مراحل صناعة المحتوى، وفهم طبيعة العمل الجماعي الذي يقف وراء المادة التي تصل إلى الجمهور، قبل أن يتدرج لاحقًا إلى مسؤوليات تحريرية وإدارية أوسع
ورغم انشغاله بالعمل، تخرج حمادة في كلية اللغات والترجمة بتقدير جيد جدًا، وكان من بين العشرة الأوائل على دفعته، ثم قرر استكمال دراسته في المجال الذي اختاره مهنيًا، فحصل على دبلوم الصحافة الإلكترونية من جامعة عين شمس، ودرجة الماجستير في الإعلام الرقمي من جامعة القاهرة، ليضيف إلى الخبرات التي اكتسبها داخل المؤسسات الإعلامية تأهيلًا أكاديميًا متخصصًا
ومع بداية مسيرته، تنقل بين عدد من القنوات الفضائية، من بينها «الحدث» العراقية و«وطن الكرامة» الليبية، التي قدم من خلالها نشرات الأخبار بالعربية والإنجليزية، إلى جانب تجاربه في «أون تي في» و«العاصمة» و«TeN» و«أزهري»، التي قدم عبر شاشتها البرنامج الحواري «يسعد مساكم»
لم تمنحه هذه المحطات فرصًا للظهور أمام الجمهور فحسب، بل ساعدته على اكتشاف ما يجري داخل غرف الأخبار، حيث تتداخل مسؤوليات البحث والتحرير والإنتاج والتقديم، ويصبح نجاح العمل مرهونًا بالتنسيق بين أفراد الفريق، لا بمهارة شخص واحد، ومع تراكم الخبرة، بدأ ينتقل تدريجيًا من تنفيذ المهام الصحفية إلى المشاركة في إدارة العمل وتوجيهه
وجاء انضمامه إلى هيئة الإذاعة البريطانية «BBC» ليشكل إحدى أبرز محطات رحلته، إذ بدأ صحفيًا مستقلًا في مكتب القاهرة، قبل أن يتلقى، بحسب روايته، رسائل تقدير من مسؤولين في القاهرة ولندن خلال عامه الأول، ثم يُكلف لاحقًا بقيادة فريق الأخبار، في تحول وضعه أمام مسؤوليات لم تقتصر على إنتاج المواد الصحفية، وإنما امتدت إلى إدارة فريق كامل ومتابعة أدائه واتخاذ القرارات التحريرية تحت ضغط الوقت
وتزامنت تلك المرحلة، وفق روايته، مع ترتيبات لنقل نشرات إخبارية إذاعية من لندن إلى القاهرة، ما أضاف إلى مسؤولياته تحديات تتعلق بتنسيق العمل وضمان انتظام الخدمات الإخبارية، والحفاظ على معايير الدقة والمراجعة، وهي تجربة يعتبرها من المحطات التي غيرت نظرته إلى الإدارة والعمل الجماعي داخل المؤسسات الإعلامية
وبعد قرابة ثلاث سنوات في مكتب القاهرة، انتقل إلى مكتب «BBC» بالعاصمة الأردنية عمّان، حيث أمضى نحو عامين آخرين قائدًا للفريق ومقدمًا للبرامج الإذاعية، ليواصل العمل بين الأخبار والبرامج، ويتعامل مع متطلبات التغطية اليومية وما تفرضه من قرارات سريعة، دون إغفال أهمية التحقق من المعلومات ومراجعتها قبل تقديمها للجمهور
ومع انتهاء تجربة الإذاعة، التي توقفت عن البث في يناير 2023، كان حمادة قد بدأ الانتقال إلى مرحلة مختلفة من مسيرته بانضمامه إلى شبكة «إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية» (أريج)، سكرتيرًا للتحرير التنفيذي، ليصبح أكثر انخراطًا في تطوير القصص الصحفية ومرافقة الصحفيين خلال مراحل إعداد تحقيقاتهم الاستقصائية
هنا لم يعد السؤال الأساسي مقتصرًا على كيفية إعداد الخبر وتقديمه في موعده، وإنما امتد إلى كيفية بناء قصة صحفية من معلومات ووثائق وشهادات قد يستغرق جمعها شهورًا، وكيف يمكن للصحفي أن يحول قضية معقدة إلى تحقيق يستطيع الجمهور فهمه، دون أن يفقد شيئًا من دقته أو يختزل التجارب الإنسانية التي تقف وراءه
وبحكم طبيعة عمله في «أريج»، أصبح أكثر ارتباطًا بالمراحل التي تسبق نشر التحقيق، من تطوير الفكرة وصياغة الفرضية إلى البحث وجمع الأدلة وإجراء المقابلات والتحقق من المعلومات، وصولًا إلى ترتيب الوقائع وبناء السرد النهائي، وهي عملية يرى أنها تحتاج إلى قدر من الصبر والاستعداد المستمر لمراجعة الافتراضات الأولى، خاصة عندما تقود المعلومات الصحفي إلى نتائج لم يكن يتوقعها
ويعتبر حمادة أن جمع الوثائق والأدلة، على أهميته، لا يكفي وحده لصناعة قصة صحفية متماسكة، فهناك فرق بين امتلاك المعلومات والقدرة على شرحها، كما أن كثرة الأرقام والتفاصيل لا تعني بالضرورة أن النص أكثر عمقًا، إذا لم يستطع الصحفي ترتيبها وربطها بسياقها، ومساعدة القارئ على فهم ما حدث ولماذا يهمه
ومن هذا المنطلق، ينظر إلى السرد الصحفي باعتباره وسيلة لتنظيم الحقائق وتقديمها بصورة مفهومة وإنسانية، لا أداة لإضافة مشاهد عاطفية أو تجميل المعلومات، مؤكدًا أن الكتابة الجيدة لا تستطيع تعويض نقص الأدلة أو ضعف التحقق، وأن تأثير القصة ينبغي أن يأتي من قوة ما تكشفه، لا من المبالغة في وصفه
وانعكس هذا الاهتمام على نشاطه التدريبي، الذي امتد إلى مجالات الكتابة والتحرير والتقديم التلفزيوني والتعليق الصوتي والبودكاست، ففي أبريل 2025، قاد تدريبًا نظمته «أريج» بالتعاون مع صحيفة «الغد» الأردنية، تناول «الكتابة الرشيقة» وفنون السرد القصصي، وشارك فيه سبعة صحفيين وصحفيات، مع التركيز على وضوح اللغة والاختصار وترتيب الأحداث وبناء النصوص المترابطة
ولا يفضل حمادة تقديم الخبرة بوصفها مجموعة قواعد جاهزة يتعين على الجميع اتباعها، فلكل صحفي طريقته في العمل، ولكل قصة طبيعتها ومتطلباتها، ولذلك يحاول من خلال التدريب نقل الأدوات والخبرات التي تساعد المشاركين على تطوير أساليبهم، مع الاحتفاظ بمساحة للتجريب والمراجعة والتعلم المتبادل
ومن بين النصائح التي يقدمها للصحفيين قراءة النص بصوت مرتفع، والتوقف أمام الجمل التي تبدو متعثرة أو مكررة، والتأكد من أن كل فقرة تضيف معلومة أو توضح معنى أو تدفع القصة إلى الأمام، كما يشدد على أهمية حذف التفاصيل التي لا تخدم الموضوع، حتى لو بذل الصحفي جهدًا كبيرًا في جمعها، لأن التحرير في نظره لا يتعلق بما يضيفه الكاتب فقط، وإنما بما يعرف متى يستبعده
ولم يقتصر دوره على التدريب في الكتابة، فقد شارك في أبريل 2025 مع زملائه في «أريج» في تقديم دورة حول الصحافة الاستقصائية، شارك فيها أكثر من 80 صحفيًا وصحفية، وتناولت مراحل العمل من توليد الأفكار وصياغة الفرضيات إلى إجراء المقابلات وتنظيم المعلومات والتحقق منها وبناء القصص للنشر
ومع انتقال خبراته الإذاعية إلى مجال التحقيقات، عاد اهتمامه القديم بالصوت ليأخذ مساحة جديدة في عمله، من خلال تقديم حلقات «بودكاست أريج»، التي يستضيف فيها صحفيين وصحفيات للحديث عن كواليس تحقيقاتهم، ليس فقط عن النتائج التي انتهوا إليها، وإنما عن الرحلة التي سبقتها، والصعوبات التي واجهوها، والفرضيات التي اضطروا إلى مراجعتها، والمعلومات التي غيرت اتجاه البحث
ففي إحدى حلقات فبراير 2026، استضاف الصحفي المصري حامد فتحي للحديث عن تحقيق «شظايا على المذبح»، الذي تناول الأضرار والاعتداءات التي طالت كنائس وديرًا خلال الحرب في السودان، وناقش معه منهجية التحقيق والتعامل مع المصادر والشهادات المرتبطة به
وفي يوليو من العام نفسه، ناقش مع الصحفيتين ريمان بارود وعبير بالريش تحقيقًا عن حملات رقمية مضللة تستهدف المهاجرين الأفارقة في تونس، بينما استضاف في سبتمبر الصحفي محمد هلال للحديث عن تحقيق تناول الفجوة بين الخطاب البيئي لشركة «أرامكو» وبيانات انبعاثاتها
وامتدت الحلقات إلى التحقيق في الحملات الطائفية الرقمية التي استهدفت نازحين لبنانيين خلال الحرب الإسرائيلية، إذ استضاف في أكتوبر 2026 الصحفيين خزامى مكارم ومهدي كريم وعلي الجاروش، لمناقشة كيفية تتبع المنشورات والحسابات الرقمية، والانتقال من رصد الخطاب المتداول على المنصات إلى البحث في آثاره على أرض الواقع
ومن خلال هذه الحوارات، يركز حمادة على الجانب الذي لا يظهر غالبًا في النسخة المنشورة من التحقيق، حيث تبدو القصة للقارئ مكتملة ومتسلسلة، بينما تكون رحلة إعدادها مليئة بالتردد والشك ومحاولات لم تصل إلى نتائج، وأحيانًا بمعلومات غير متوقعة تدفع الصحفي إلى تغيير فرضيته أو إعادة بناء عمله من البداية
ويرتبط اهتمامه بالصحافة الصوتية أيضًا بحبه للموسيقى وانتباهه إلى نبرة الصوت وإيقاعه، إذ يرى أن الأصوات تستطيع إضافة أبعاد إنسانية إلى القصة، من خلال نبرة المتحدث وأصوات الأماكن ولحظات الصمت والانفعال، بشرط ألا تتحول الموسيقى والمؤثرات إلى وسيلة للتلاعب بمشاعر الجمهور أو فرض معانٍ لا تسندها الوقائع
وفي سبتمبر 2026، قدم ورشة تدريبية متخصصة في إنتاج التحقيقات الاستقصائية الصوتية، أعلنت «أريج» تفاصيلها في أكتوبر من العام نفسه، وشارك فيها أكثر من 100 شخص من 27 دولة، وتناولت مراحل تحويل الفكرة الصحفية إلى منتج صوتي، بداية من اختيار القضية وجمع الأدلة، مرورًا ببناء السرد والكتابة للأذن، وصولًا إلى التسجيل والمونتاج والنشر
لكن اهتمام حمادة بتطوير العمل الصحفي لا يقف عند جودة النص أو أساليب تقديمه، فقد أصبح الدعم النفسي للعاملين في المهنة أحد المجالات التي يوليها اهتمامًا خاصًا، انطلاقًا من إدراكه أن ما يتعرض له الصحفيون خلال تغطية الحروب والحوادث والأزمات الإنسانية قد يمتد أثره إلى حياتهم خارج العمل
ويرى أن الصحفي لا يستطيع دائمًا ترك ما شاهده أو سمعه عند باب غرفة الأخبار، وأن ثقافة العمل التي تطالب الصحفيين بإظهار التماسك المستمر قد تدفع بعضهم إلى إخفاء الضغوط النفسية التي يواجهونها، خوفًا من تفسير طلب المساعدة باعتباره ضعفًا أو عدم قدرة على تحمل المسؤولية
ولهذا يهتم بالتدريب على الدعم النفسي للأقران، الذي يقوم على إكساب العاملين في المؤسسات الإعلامية مهارات الإصغاء والانتباه إلى الضغوط التي يمر بها زملاؤهم، ومعرفة حدود المساعدة الممكنة، ومتى يصبح التدخل المتخصص ضروريًا، دون تحويل الصحفي إلى معالج نفسي أو تحميله مسؤوليات تتجاوز دوره
وفي سبتمبر 2025، قدم ضمن أنشطة «أريج» تدريبات بالقاهرة شملت الدعم النفسي للأقران في مؤسسات «مؤنث سالم» و«المنصة» و«مصراوي»، إلى جانب تدريب على الكتابة الصحفية الحساسة للجندر، في تجربة جمعت بين اهتمامه بتطوير الممارسات التحريرية والانتباه إلى ظروف العاملين داخل المؤسسات الإعلامية
ولا يحمل حمادة الصحفيين وحدهم مسؤولية التعامل مع الضغوط النفسية، بل يرى أن المؤسسات الإعلامية مطالبة بتوفير بيئة عمل تسمح بطلب المساعدة، وتدريب المسؤولين عن الفرق على التعامل مع هذه الضغوط، وإتاحة الوصول إلى متخصصين عند الحاجة، ومراعاة الأثر النفسي للتغطيات الصعبة عند توزيع المهام
ويتقاطع هذا الاهتمام مع رؤيته للتغطية الصحفية الحساسة للجندر، حيث ينتقد اختزال النساء في أدوار نمطية أو تقديمهن باعتبارهن ضحايا فقط، دون إظهار قدرتهن على اتخاذ القرار والتأثير في الأحداث، كما يلفت إلى أن بعض التغطيات تبدأ بتعريف المرأة من خلال حالتها الاجتماعية أو مظهرها أو عدد أبنائها، حتى عندما لا ترتبط هذه التفاصيل بجوهر القضية
وبالنسبة إليه، تبدأ التغطية المنصفة من الأسئلة التي يطرحها الصحفي، والمصادر التي يختار الاستماع إليها، واللغة التي يستخدمها، لأن بعض الانحيازات قد تظهر في تفاصيل تبدو صغيرة، لكنها تؤثر في الصورة التي تتشكل لدى الجمهور عن الأشخاص الذين تتناولهم القصص
ورغم اختلاف هذه المجالات بين السرد والتحرير والتدريب والصحافة الصوتية والدعم النفسي والجندر، فإنها تلتقي في اهتمام حمادة بالإنسان الذي يقف وراء المعلومة، سواء كان مصدرًا يشارك تجربته، أو صحفيًا يبحث عن الحقيقة، أو زميلًا يحتاج إلى المساندة داخل غرفة الأخبار
ومن هنا، يمنح أهمية خاصة لاحترام الأشخاص الذين يفتحون حياتهم أمام الصحفيين، ويحذر من اختزالهم في واقعة أو رقم، أو التعامل مع معاناتهم باعتبارها مجرد وسيلة لصناعة قصة مؤثرة، مؤكدًا ضرورة الحفاظ على التوازن بين الدقة والإنسانية، دون أن تحل العاطفة محل الدليل أو تتحول الشخصيات إلى أدوات لخدمة السرد
كما يضع الفضول المهني والاستعداد للتعلم ومراجعة الفرضيات بين أهم الصفات التي يبحث عنها في الصحفيين الراغبين في العمل على التحقيقات الطويلة، إلى جانب الصبر والقدرة على تقبل الملاحظات والعمل الجماعي، والتمييز بين ما تثبته المعلومات وما يتوصل إليه الصحفي من استنتاجات، والاستعداد للاعتراف بالخطأ وتصحيحه
ومع تراكم خبراته، تغيرت بعض معاييره في تقييم العمل الصحفي، فلم تعد سرعة الوصول إلى المعلومة أو إجادة الكتابة وحدهما كافيتين، بل أصبح يولي اهتمامًا أكبر لطريقة الوصول إلى المعلومات والتعامل مع المصادر، ومدى استعداد الصحفي لإعادة النظر في قناعاته عندما تظهر أدلة جديدة
أما على المستوى الشخصي، فيقول إنه أصبح أقل انبهارًا بالأسماء والمسميات المهنية، وأكثر اهتمامًا بقيمة العمل وأثره في الناس، كما بات أكثر إدراكًا أن الطريق المهني لا يسير دائمًا وفق الخطط المسبقة، وأن بعض التحولات التي لم يكن يتوقعها أصبحت لاحقًا من أهم التجارب التي شكلت شخصيته
ولو عاد به الزمن إلى البداية، لاختار الصحافة مرة أخرى، لكنه ربما كان سيتعامل مع نفسه بقدر أكبر من الهدوء، وقسوة أقل في تقييم خطواته، بعدما أدرك أن التجربة المهنية لا تُقاس بالمحطات التي يصل إليها الصحفي وحدها، وإنما بما يتعلمه خلالها، وبقدرته على مراجعة أخطائه ومواصلة تطوير نفسه
وبين الطالب الذي كان يبيت داخل الاستوديو، محاولًا ألا يخسر دراسته أو فرصته الأولى في الإعلام، والصحفي الذي يشارك اليوم في تطوير تحقيقات استقصائية وتدريب زملائه على صناعتها، تغيرت مسؤوليات إبراهيم حمادة وطريقة اقترابه من المهنة، لكنه لا يزال يحتفظ باهتمامه القديم بالقصص وأصحابها، وبالرغبة في فهم ما يجري خلف الصورة التي تصل إلى الجمهور
بدأت الرحلة بأمنية والده أن يرى أحد أبنائه يعمل في الإعلام، ثم اتسعت من الوقوف أمام الكاميرا إلى قيادة فرق الأخبار، ومنها إلى تحرير التحقيقات ومناقشة كواليسها مع أصحابها، وربما تكمن المفارقة في أنه حين كان يذهب إلى الاستوديو حاملًا كتبه، كان يبحث عمن يتعلم منه، أما اليوم فأصبح ينقل ما تعلمه إلى صحفيين وصحفيات يخوضون تجاربهم الخاصة، دون أن يعتبر تجربته وصفة نهائية للنجاح، أو أن سنوات العمل أعفته من مواصلة التعلم



