الصحفيون غير المعينين بالصحف القومية.. سنوات من العمل ومستقبل معلق بين ضيق المعيشة ومخاوف ما بعد الوفاة

داخل المؤسسات الصحفية القومية، التي ارتبط تاريخها بتطور الصحافة المصرية وتكوين أجيال من الصحفيين والصحفيات، يعمل صحفيون منذ سنوات في تحرير الأخبار وإعداد التقارير وتغطية الأحداث وتطوير المنصات الرقمية، دون أن يحصل بعضهم على تعيين رسمي، رغم استمرارهم في أداء مهامهم المهنية، لتبقى أوضاعهم الوظيفية معلقة بين مكافآت محدودة وعلاقات عمل متفاوتة ووعود متكررة بالتسوية لم تصل إلى نهايتها

ولا تكشف الأزمة عن خلل في الأوضاع الوظيفية فحسب، بل تطرح تساؤلات بشأن مسؤولية المؤسسات الصحفية والهيئة الوطنية للصحافة والجهات الحكومية المعنية عن استمرار الملف دون حسم، في ظل تشريعات تنظم علاقات العمل وتقرر حقوقًا للعاملين، لا يؤدي غياب قرار التعيين أو العقد المكتوب بالضرورة إلى سقوطها، وإن كان الحصول عليها قد يتطلب إثبات العلاقة القانونية واتباع الإجراءات المقررة

وخلف هذا الفراغ في حسم الإجراءات وتحديد المسؤوليات، تتراكم أعباء إنسانية لا تظهر في صفحات الصحف التي يشارك هؤلاء الصحفيون في إنتاجها، من ضعف الدخل وتعثر المسار المهني إلى صعوبة إثبات جهة العمل والحصول على المساعدات وقت المرض، وصولًا إلى القلق بشأن التأمينات والمعاش ومصير الأسر بعد الوفاة، بعدما تحولت سنوات الانتظار إلى جزء من حياتهم اليومية

وتزداد أهمية القضية في ضوء ما أعلنه علاء ثابت، وكيل الهيئة الوطنية للصحافة، خلال اجتماع لجنة الثقافة والإعلام بمجلس النواب في 15 يونيو 2026، عن وجود 330 صحفيًا مؤقتًا بالمؤسسات القومية، إلى جانب 185 إداريًا و200 عامل، مؤكدًا أن الهيئة لا تعترض على تعيينهم، وأن دراسة أوضاعهم أُرسلت إلى وزارة المالية والجهاز المركزي للتنظيم والإدارة، فيما أوصت اللجنة بالبت في الملف خلال ثلاثة أشهر

ورغم انقضاء المدة التي أوصت بها اللجنة، تكشف شهادات جمعها المرصد المصري للصحافة والإعلام عن استمرار عدم تسوية أوضاع أصحابها، بينما لا تزال الخطوات المتبقية لحسم التعيينات، والمسؤولية عن تعطلها، بحاجة إلى توضيح رسمي

يروي الصحفي عادل محمود الشاعر أنه انضم إلى بوابة الأهرام خلال مرحلة تأسيسها عام 2010، واستمر في العمل داخل المؤسسة دون الحصول على تعيين رسمي، رغم مشاركته في تطوير العمل الصحفي الإلكتروني خلال السنوات الأولى لانطلاق البوابة

ويقول الشاعر إن الصحفيين الذين التحقوا بالبوابة في مرحلة التأسيس كانوا يتقاضون مقابلًا ماديًا ثابتًا، على أمل تسوية أوضاعهم الوظيفية لاحقًا، إلا أن التعيينات توقفت خلال السنوات التالية، لتستمر أوضاعهم معلقة رغم انتظامهم في العمل

وبحسب شهادته، لا يزال يحصل على نحو 4 آلاف جنيه شهريًا من مصادر مختلفة، تشمل مستحقات من المؤسسة والهيئة الوطنية للصحافة ومخصصات أخرى، وهو مبلغ يراه غير متناسب مع سنوات خبرته والتزاماته المعيشية

ولا تقتصر الأزمة بالنسبة إليه على الدخل، إذ يشير إلى أن بعض زملائه الذين بدأوا العمل معه حصلوا على التعيين عام 2013، ووصل عدد منهم لاحقًا إلى مناصب قيادية، بينما بقي هو وغيره خارج منظومة التعيين والترقي، رغم استمرارهم في أداء مهامهم المهنية

ويؤكد الشاعر أن المطالبات بتسوية أوضاعهم لم تتوقف، وأنهم تقدموا بمذكرات إلى إدارات المؤسسة تضمنت سنوات عملهم وانتظامهم في أداء مهامهم، لكنها لم تسفر عن حل نهائي

ويشير إلى أنه واجه صعوبة في الحصول على خطاب رسمي مختوم يثبت جهة عمله، رغم استمراره في العمل داخل الأهرام، معتبرًا أن غياب التعيين لا يظل مشكلة إدارية داخل المؤسسة، بل يمتد تأثيره إلى قدرة الصحفي على إثبات وضعه الوظيفي أمام الجهات الأخرى

واتخذت الأزمة بُعدًا أكثر صعوبة عندما تعرض لظروف صحية استدعت إجراء جراحة، إذ يقول إنه لم يحصل على المساعدة المالية التي تقدمها المؤسسة، بحسب روايته، للصحفيين المعينين في حالات مرضية مماثلة، بسبب عدم تسوية وضعه الوظيفي، بينما حصل على مساعدة من نقابة الصحفيين، وسانده زملاؤه خلال فترة العلاج

وتفتح هذه الشهادة ملف المساعدات العلاجية بالمؤسسات الصحفية القومية، وشروط الاستفادة منها، ومدى ارتباطها بقرارات التعيين أو طبيعة علاقة العمل، وهي مسائل يتطلب تقييمها قانونيًا الاطلاع على اللوائح والقرارات المنظمة لهذه المساعدات

ويؤكد الشاعر أن مطلب الصحفيين لا يقتصر على زيادة المكافآت، بل يتمثل في تسوية أوضاعهم والاعتراف بسنوات عملهم، بما يضمن الاستقرار المهني والاجتماعي والحصول على الحقوق المستحقة وفق القانون واللوائح المنظمة

ولا تختلف المعاناة كثيرًا لدى الصحفية شيماء عيد، التي تقول إنها تعمل بجريدة الجمهورية منذ 12 عامًا، تنقلت خلالها بين أقسام صحفية متعددة، لكنها لم تبدأ الحصول على مكافأة مالية إلا بعد مرور ست سنوات من العمل، مؤكدة أن قيمتها ظلت محدودة ولا تكفي لتلبية متطلبات المعيشة

وترى عيد أن استمرار العمل دون عقد مكتوب أو تعيين رسمي يفرض ضغوطًا نفسية متواصلة على الصحفيين، خاصة مع شعورهم بأن سنوات الخبرة والجهد المبذول لا تقابلها ضمانات وظيفية واضحة أو حقوق مماثلة لما يحصل عليه زملاؤهم المعينون

وتشير إلى أنهم تحدثوا مرارًا عن الأزمة وطالبوا بحلها، وأن الهيئة الوطنية للصحافة دعمت مطالبهم، كما جرى إبلاغهم بصدور قرار لتسوية أوضاعهم، لكنه لم يُنفذ حتى الآن، بحسب روايتها

وتربط عيد بين استمرار الانتظار وتراجع الشعور بالأمان المهني والحماس للعمل، موضحة أن المخاوف تزداد بالنسبة إلى الصحفيين الذين تقدموا في العمر واقتربوا من سن المعاش، في ظل عدم وضوح أوضاعهم التأمينية وما قد يترتب عليها من حقوق عند انتهاء حياتهم المهنية

وفي مؤسسة الأهرام، يصف الصحفي «م ع»، البالغ من العمر 45 عامًا، وضعه بعد 15 عامًا من العمل دون تعيين رسمي، موضحًا أنه وزملاءه غير المعينين يلتزمون بأداء المهام الصحفية المطلوبة منهم، ويخضعون، بحسب شهادته، للجزاءات والخصومات، دون أن يحصلوا على المزايا المالية والوظيفية نفسها التي يتمتع بها الصحفيون المعينون

ويقول إن الفجوة تظهر بوضوح في المستحقات والحوافز والمزايا التي تقدمها المؤسسة أو الهيئة الوطنية للصحافة، معتبرًا أن استمرار العمل لسنوات طويلة دون تسوية رسمية يضع الصحفيين أمام التزامات مهنية لا تقابلها حماية وظيفية متكافئة

ويضيف أن ساعات العمل الطويلة وقلة الإجازات وتزايد الأعباء المهنية تفاقم معاناتهم، مشيرًا إلى مشاركتهم في تحركات متكررة للمطالبة بحل الأزمة، لكنها لم تسفر عن نتائج ملموسة، فيما تمتد آثار الوضع الحالي إلى حياتهم النفسية والاجتماعية والصحية وقدرتهم على أداء مهامهم المهنية

وتتكرر المخاوف نفسها في شهادة الصحفي إسلام رضوان، الذي يعمل بإحدى الصحف القومية منذ 16 عامًا دون الحصول على تعيين رسمي، إذ يقول إن استمرار وضعه الوظيفي دون تسوية حرمه من الشعور بالاستقرار المادي والنفسي، رغم السنوات التي قضاها في أداء مهامه المهنية

ويوضح رضوان أن عدم استقرار وضعه الوظيفي ينعكس على قدرته على التخطيط للمستقبل والوفاء بالتزاماته الأسرية، في ظل دخل غير مستقر وغياب الضمانات التي يحتاج إليها لمواجهة الأزمات الصحية والظروف المعيشية الطارئة

وبحسب شهادته، فإن المشكلة لا تقتصر على ضعف المقابل المادي، بل تشمل عدم حصوله على الحقوق والمزايا الوظيفية نفسها التي يحصل عليها زملاؤه المعينون، ما يجعله يشعر بأن سنوات عمله لم تمنحه الحد الأدنى من الاستقرار الذي كان ينتظره

ويؤكد أن المخاوف تزداد مع التفكير في سنوات ما بعد العمل، خاصة في ظل عدم وضوح حقوقه التأمينية والمعاش المستقبلي، مطالبًا بتسوية الأوضاع الوظيفية للصحفيين غير المعينين على نحو يراعي سنوات خدمتهم

أما الصحفي ياسر شمس، فيقول إنه التحق ببوابة الأهرام عام 2014، عقب عشر سنوات من العمل في صحيفة المصري اليوم، ولا يزال دون تعيين رسمي، رغم المطالبات المتكررة والتحركات التي شارك فيها مع زملائه لإنهاء الأزمة

ويشير إلى أن الصحفيين تلقوا معلومات بشأن صدور قرار بتعيينهم، لكنهم لم يشهدوا تنفيذًا فعليًا له، فيما يستمر القلق بشأن مستقبلهم المهني والمالي

ويربط شمس تعطل الملف بما يتردد بين الصحفيين عن خلاف بشأن الجهة التي ستتحمل التكلفة المالية للتعيينات، بين وزارة المالية والهيئة الوطنية للصحافة، دون أن تتوافر لديهم معلومات رسمية تحسم حقيقة هذا الخلاف أو تحدد المسؤولية عن استمرار التأخير

ويؤكد أن المكافآت الشهرية التي يحصل عليها الصحفيون غير المعينين لا تتناسب مع متطلبات العمل واحتياجات المعيشة، وهو ما ينعكس على أوضاعهم المادية وقدرتهم على الوفاء بالتزاماتهم والاستمرار في العمل

ويتفق معه صحفي آخر بجريدة الأهرام، فضل عدم نشر اسمه، موضحًا أنه أمضى 16 عامًا في المؤسسة، ويؤدي عملًا صحفيًا وإنتاجًا مهنيًا مماثلًا لما يقدمه زملاؤه المعينون، لكنه لا يحصل على الرواتب والحوافز نفسها

ويقول إن استمرار الأزمة دون نتائج ملموسة تسبب في شعور الصحفيين غير المعينين بالإحباط، خاصة مع غياب تفسير واضح لأسباب تعطل الإجراءات، معتبرًا أن معرفة الجهة المسؤولة عن حسم الملف أصبحت مطلبًا أساسيًا إلى جانب التعيين نفسه

وتعكس هذه الشهادات تفاوتًا في سنوات العمل والمستحقات المالية وطبيعة الأوضاع الوظيفية، لكنها تتقاطع عند غياب الحسم المؤسسي وعدم وضوح الضمانات التي تكفل للصحفيين الاستفادة من سنوات عملهم، سواء خلال الخدمة أو عند انتهائها

ولم تبدأ التحركات الخاصة بتعيين الصحفيين المؤقتين خلال العام الجاري، إذ أعلنت نقابة الصحفيين والهيئة الوطنية للصحافة في أغسطس 2024 اتفاقًا لبدء تعيين العاملين المؤقتين بالمؤسسات القومية على دفعات، على أن تنطلق الدفعة الأولى في سبتمبر من العام نفسه، وفق ما عرضه نقيب الصحفيين خالد البلشي في تصريحات منشورة بتاريخ 23 أغسطس 2026

وأعقب الاتفاق بدء إجراءات فحص المتقدمين وإجراء المقابلات والاختبارات من خلال لجان ضمت ممثلين عن النقابة والهيئة وعددًا من المسؤولين بالمؤسسات الصحفية، لكن تلك الخطوات لم تنته إلى حسم أوضاع جميع المشمولين بالملف

وسبق للمرصد المصري للصحافة والإعلام توثيق شهادة أحد الصحفيين بمؤسسة دار الهلال، أشار فيها إلى مشاركته في اختبارات جرت خلال أكتوبر 2024، دون إعلان نتائجها أو استكمال إجراءات تعيينه وقت توثيق الشهادة

وعاد الملف إلى المناقشات البرلمانية في 15 يونيو 2026، خلال اجتماع لجنة الثقافة والإعلام بمجلس النواب، بحضور نقيب الصحفيين وممثل الهيئة الوطنية للصحافة، حيث أكد علاء ثابت عدم ممانعة الهيئة في تعيين المؤقتين، وأوضح أن دراسة أوضاعهم أُرسلت إلى وزارة المالية والجهاز المركزي للتنظيم والإدارة لاستكمال الإجراءات

وأوصت اللجنة بالبت في الملف خلال ثلاثة أشهر، فيما جدد خالد البلشي، في أغسطس 2026، مطالبته بحسم التعيينات، بعد مرور نحو عامين على إعلان الاتفاق وإجراء المقابلات والاختبارات

وتكشف هذه التطورات أهمية التمييز بين ما يصفه بعض الصحفيين بصدور قرار تعيين لم يُنفذ، وبين الاتفاقات والموافقات المبدئية والدراسات والإجراءات التمهيدية التي أُعلن عنها، إذ لم تتوافر ضمن المستندات التي استند إليها التقرير نسخة من قرار تعيين نهائي يحدد أسماء المستفيدين وتاريخ سريانه

وفي هذا السياق، تصف إيمان عوف، عضو مجلس نقابة الصحفيين، أزمة الصحفيين غير المعينين بالمؤسسات القومية بأنها «كارثية»، مؤكدة أن النقابة تبذل جهودًا متواصلة للتعامل معها، وأن نقيب الصحفيين خالد البلشي تولى متابعة الملف والمطالبة بمنح الصحفيين والإداريين غير المعينين حقوقهم كاملة

وتقول عوف إن هناك قرارًا بالتعيين لم يدخل حيز التنفيذ حتى الآن، وسط تضارب التفسيرات بشأن أسباب تعطله، إذ تشير أطراف إلى وزارة المالية، بينما تحمل أطراف أخرى مجلس الوزراء مسؤولية التأخير، دون تقديم إجابة واضحة للصحفيين بشأن الخطوات المتبقية لحسم أوضاعهم

وترى أن جذور الأزمة تعود إلى عدم التزام بعض المؤسسات الصحفية القومية بتسوية أوضاع الصحفيين خلال المدد التي كان يفترض أن تنتهي بعدها فترات عملهم المؤقتة، مشيرة إلى قواعد تتعلق بالتعيين بعد مدد تتراوح بين ستة أشهر وعام

ولا يمكن اعتبار هذه المدد التزامًا قانونيًا عامًا بالتعيين دون تحديد القواعد أو اللوائح التي تستند إليها، ومدى انطباقها على أوضاع الصحفيين الواردة شهاداتهم في التقرير، خاصة مع اختلاف طبيعة العقود وعلاقات العمل داخل المؤسسات

وفي محاولة للحصول على توضيحات بشأن أسباب استمرار الأزمة وموقف إجراءات التعيين، حاول المرصد المصري للصحافة والإعلام التواصل أكثر من مرة مع عدد من أعضاء الهيئة الوطنية للصحافة، للحصول على تعليق بشأن الشهادات والمطالب المطروحة، إلا أنه لم يتلق ردًا حتى انتهاء إعداد التقرير

ويظل الموقف الذي أعلنه ممثل الهيئة أمام مجلس النواب في يونيو 2026 من أبرز التوضيحات الرسمية المنشورة بشأن الملف، دون أن يمثل ردًا مباشرًا على الأسئلة التي طرحها المرصد خلال إعداد التقرير

ولا تتوقف تداعيات الأزمة عند استمرار العمل دون تعيين رسمي، إذ تبرز مخاوف أكثر تعقيدًا بشأن مصير الصحفيين غير المعينين وأسرهم عند المرض أو بلوغ سن المعاش أو الوفاة، خاصة بالنسبة إلى من لم تُحسم أوضاعهم التأمينية أو لم يتأكدوا من تسجيل مدد عملهم واشتراكاتهم بصورة صحيحة

وتقول إيمان عوف إن هناك حالات وفاة لصحفيين غير معينين لم تتمكن أسرهم، بحسب المعلومات المتاحة لديها، من الحصول على حقوق مالية أو تأمينية مرتبطة بعمل ذويهم، مشيرة إلى أن غياب العقود المكتوبة أو عدم تسوية الأوضاع الوظيفية قد يعقد إجراءات المطالبة بتلك الحقوق

وتؤكد أن آثار الأزمة قد تمتد إلى الأسرة بعد وفاة الصحفي، بما يضيف أعباء معيشية إلى فقدان مصدر الدخل، خاصة إذا لم تكن هناك مستندات واضحة تثبت طبيعة العلاقة بالمؤسسة ومدتها والمستحقات المالية المترتبة عليها

غير أن غياب التعيين الرسمي أو عدم تسجيل الاشتراكات التأمينية لا يعنيان بالضرورة سقوط حقوق الصحفي أو أسرته، إذ يفرق القانون بين إثبات علاقة العمل والخضوع للتأمين الاجتماعي وتوافر شروط استحقاق المعاش أو المنح أو المستحقات المترتبة على الوفاة

ولم تتضمن الشهادات التي استند إليها التقرير ملفات تأمينية مكتملة لحالات الوفاة المشار إليها، بما يسمح بتحديد أسباب عدم صرف المستحقات أو الجزم بالموقف القانوني لكل أسرة، وهو ما يجعل هذه الوقائع بحاجة إلى استكمال التوثيق والفحص القانوني على مستوى الحالات الفردية

وفي قراءة للإطار التشريعي المنظم لأوضاع الصحفيين غير المعينين، يوضح محامي المرصد المصري للصحافة والإعلام أن غياب قرار التعيين الرسمي أو عدم تحرير عقد عمل مكتوب لا يعني بالضرورة انتفاء علاقة العمل أو سقوط الحقوق المترتبة عليها، متى توافرت شروط ثبوت العلاقة وخضوعها لأحكام القانون

وتنص المادة 30 من قانون الهيئة الوطنية للصحافة رقم 179 لسنة 2018 على سريان أحكام قانون العمل على العلاقة بين المؤسسات الصحفية القومية وجميع العاملين فيها من صحفيين وإداريين وعمال، بينما تلزم المادة 31 الهيئة بوضع حد أدنى وأقصى لدخول هذه الفئات، وهو ما يفتح مجالًا لفحص القواعد والقرارات المنظمة للأجور والمزايا داخل المؤسسات القومية

كما تحدد المادتان 4 و5 من القانون اختصاصات الهيئة في إدارة المؤسسات الصحفية القومية وتنمية كوادرها البشرية والرقابة على أدائها الاقتصادي والإداري واعتماد هياكلها التنظيمية، فيما تمنح المادة 42 مجالس إدارات المؤسسات اختصاصات تتعلق بإعداد الهياكل التنظيمية ولوائح شؤون العاملين واللوائح المالية والإدارية وعرضها على الجمعيات العمومية لاعتمادها وإبلاغ الهيئة بها، وفق الإجراءات القانونية

وتوضح هذه النصوص أن معالجة الأزمة لا تقتصر على توفير الاعتمادات المالية، بل تستلزم تحديد الإجراءات الواقعة ضمن اختصاص كل من الهيئة الوطنية للصحافة ومجالس إدارات المؤسسات والجهات الحكومية المعنية، دون افتراض مسؤولية جهة بعينها عن التعطيل قبل الاطلاع على القرارات والمكاتبات المرتبطة بالملف

وفي السياق نفسه، تنظم المادة 14 من قانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018 العلاقة بين العاملين بالصحف ووسائل الإعلام وجهات عملهم بموجب عقد يحدد نوع العمل ومكانه والمرتب وملحقاته والمزايا التكميلية والترقيات والتعويضات، وتشترط تصديق النقابة المعنية على تلك العقود، مع سريان أحكام قانون العمل فيما لم يرد بشأنه نص خاص

أما قانون العمل رقم 14 لسنة 2025، الذي بدأ سريانه في سبتمبر 2025، فيحدد في المادة 86 عناصر علاقة العمل القائمة على أداء العمل تحت إدارة صاحب العمل أو إشرافه لقاء أجر، بينما تقرر المادة 88 اعتبار عقد العمل غير محدد المدة في حالات من بينها عدم كتابته، متى ثبتت علاقة العمل وتوافرت شروط تطبيق النص

وتلزم المادة 89 صاحب العمل بتحرير عقد مكتوب يحدد البيانات الأساسية للعلاقة، ومنها تاريخ بدء العمل وطبيعته والأجر وطريقة وموعد صرفه، كما تجيز إثبات علاقة العمل ومدتها والحقوق المترتبة عليها بجميع طرق الإثبات عند عدم وجود عقد مكتوب

وبالتالي، فإن الصحفي الذي يعمل بصورة منتظمة مقابل أجر وتحت إدارة المؤسسة أو إشرافها قد تتوافر بشأنه عناصر علاقة العمل القانونية، حتى في غياب قرار تعيين رسمي أو عقد مكتوب، وهو أمر يتطلب فحص الأدلة الخاصة بكل حالة، ولا يؤدي في ذاته إلى اكتساب درجة وظيفية أو جميع المزايا المرتبطة بالتعيين الرسمي بصورة تلقائية

وفيما يتعلق بالحقوق المالية، تنص المادة 12 من قانون العمل على استحقاق العاملين الخاضعين لأحكامه علاوة دورية سنوية لا تقل عن 3% من الأجر التأميني، وفق شروط الاستحقاق والضوابط القانونية، فيما تنظم مواد أخرى الالتزامات المتعلقة بالأجور وصرفها

ولا يمكن تحديد المستحقات المالية للصحفيين الواردة شهاداتهم في التقرير، أو الجزم بانطباق حد أدنى معين للأجور أو علاوات محددة عليهم، دون فحص طبيعة علاقة العمل ومكونات الأجر وساعات العمل والقرارات واللوائح واجبة التطبيق

كما تنظم المادتان 164 و165 من قانون العمل بعض الحقوق المترتبة على إنهاء علاقة العمل، بما فيها مقابل عدم مراعاة مهلة الإخطار والتعويض عن الإنهاء غير المشروع للعقد غير محدد المدة، وفق شروط كل حالة، دون أن يعني استمرار عدم التعيين وحده نشوء حق تلقائي في هذه التعويضات

وتبرز أهمية خاصة للحقوق المترتبة على الوفاة، إذ تنص المادة 169 من قانون العمل على صرف صاحب العمل، عند وفاة العامل أثناء الخدمة، ما يعادل أجر شهرين وفق آخر أجر تقاضاه لمواجهة نفقات الجنازة، بحد أدنى ألف جنيه، إلى جانب منحة تعادل أجر شهر الوفاة والشهرين التاليين له، والأجر المستحق عن أيام العمل خلال شهر الوفاة، وفق الأحكام القانونية المنظمة

وفي مسار متصل، ينظم قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات رقم 148 لسنة 2019 حقوق المؤمن عليهم والمستحقين عنهم، إذ تحدد المادة 21 حالات استحقاق المعاش وشروطها، وتقرر المادة 98 حقوق المستحقين عن المؤمن عليه أو صاحب المعاش المتوفى وفق الأنصبة والشروط القانونية، بينما تنظم المادتان 32 و33 نفقات الجنازة ومنحة الوفاة بحسب الحالة، مع مراعاة عدم افتراض تعدد صرف المستحقات المتناظرة عن الواقعة نفسها

وتكتسب المادة 141 من قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات أهمية خاصة بالنسبة إلى الصحفيين الذين لم تُسوَّ أوضاعهم التأمينية، إذ تلزم الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي بالوفاء بالتزاماتها المقررة تجاه المؤمن عليهم والمستحقين، حتى إذا لم يقم صاحب العمل بالاشتراك عنهم، وفق الأحكام القانونية المنظمة

كما تعالج المادة حالات عدم التثبت من بيانات مدد الاشتراك أو الأجور، وتقرر التزامات على صاحب العمل عند ثبوت علاقة العمل، بما يوفر أساسًا قانونيًا للمطالبة بالحقوق التأمينية في الحالات التي لم تُستكمل فيها إجراءات التسجيل أو الاشتراك

ويعني ذلك أن عدم قيام المؤسسة بالتأمين على صحفي لا يؤدي بمفرده إلى سقوط حقه أو حقوق المستحقين عنه، إذا ثبت خضوعه للتأمين وتوافرت شروط الاستحقاق، وإن كان الحصول على تلك الحقوق قد يتطلب إثبات علاقة العمل ومدتها وأجر الاشتراك واتباع الإجراءات القانونية المقررة

وتظل هذه الحقوق مختلفة في طبيعتها وشروطها، فلا يجوز الخلط بين معاش المستحقين عن المتوفى ومنحة الوفاة ونفقات الجنازة والمستحقات الناشئة عن علاقة العمل والمساعدات التي قد تقررها المؤسسة وفق لوائحها، أو افتراض استحقاق جميعها لكل أسرة بصورة تلقائية

ويؤكد محامي المرصد أهمية فحص أوضاع الصحفيين غير المعينين على أساس كل حالة على حدة، بالاستناد إلى ما يثبت تاريخ بدء العمل وانتظامه وطبيعته والأجر المتفق عليه، وما إذا كانت هناك اشتراكات تأمينية مسجلة، مع مراعاة التشريعات السارية خلال الفترات المختلفة، خاصة أن بعض الحالات بدأت عملها قبل سنوات طويلة من صدور قانون العمل الحالي

وتعيد هذه النصوص القضية إلى جوهرها، فبينما ينظم القانون علاقات العمل والحقوق المالية والتأمينية، يبقى التحدي بالنسبة إلى الصحفيين غير المعينين في إثبات أوضاعهم القانونية وتمكينهم من الحصول على الحقوق المستحقة، بالتوازي مع حسم ملف التعيينات الذي انتقل بين الاتفاقات والاختبارات والدراسات والمناقشات البرلمانية دون تسوية نهائية للحالات التي وثقها المرصد

وبين سنوات العمل التي تجاوزت في بعض الشهادات عقدين من الزمن، ومخاوف المرض وضيق المعيشة واقتراب سن المعاش، لا تقتصر المطالب على إصدار قرارات تعيين، بل تمتد إلى مراجعة أوضاع العمل والأجور والاشتراكات التأمينية واللوائح المنظمة للمزايا والمساعدات، وتحديد المسؤولية المؤسسية عن استمرار الأزمة

ومع انقضاء الأشهر الثلاثة التي أوصت بها لجنة الثقافة والإعلام بمجلس النواب في يونيو 2026، تبقى الخطوات التي اتخذتها الجهات المعنية لتنفيذ التوصية، والجهة المسؤولة عن إصدار قرارات التعيين النهائية، ومدى تسجيل سنوات عمل الصحفيين في منظومة التأمينات الاجتماعية، من المعلومات التي لم يحصل المرصد على إجابات رسمية حديثة بشأنها رغم محاولاته المتكررة للتواصل مع عدد من أعضاء الهيئة الوطنية للصحافة

زر الذهاب إلى الأعلى