عامان على وعد تعيين المؤقتين.. أين توقف الملف وما مصير الصحفيين والمؤسسات القومية؟

يعتمد هذا التقرير على مراجعة البيانات والتصريحات الرسمية والتغطيات المنشورة بشأن ملف العاملين المؤقتين بالمؤسسات الصحفية القومية خلال الفترة من أغسطس 2024 إلى أغسطس 2026، إلى جانب أرشيف المرصد المصري للصحافة والإعلام ومتابعاته، والشهادات والمعلومات التي تلقاها بشأن أوضاع عدد من الصحفيين غير المعينين.

ويفصل التقرير، قدر الإمكان، بين الوقائع المثبتة بالمصادر المنشورة، والشهادات والمعلومات الواردة إلى المرصد، والتحليل الذي يقدمه لتداعيات الأزمة. ولا يفترض التقرير تماثل المراكز القانونية لجميع المدرجين ضمن ملف المؤقتين، إذ يتطلب تحديد المركز القانوني والحقوق المترتبة عليه فحص ظروف ومستندات كل حالة على حدة.

في 12 أغسطس 2024، أعلنت الهيئة الوطنية للصحافة ونقابة الصحفيين بدء مسار لتعيين الصحفيين والإداريين والعمال المؤقتين بالمؤسسات الصحفية القومية، ضمن ما وصفتاه بـ«رؤية شاملة للارتقاء بمنظومة العمل الصحفي».

كان الإعلان محددًا: فتح باب تعيين المؤقتين من خلال دفعات شهرية وفق ضوابط يتم الاتفاق عليها بين الهيئة والنقابة، اعتبارًا من سبتمبر 2024، بالتوازي مع إجراءات تستهدف ضخ دماء جديدة داخل المؤسسات وتطوير المحتوى والتدريب والصحافة المتخصصة ومنظومة الإعلانات.

مر عامان، ولم تبدأ دفعات التعيين وفق الجدول المعلن.

والملف الذي بدأ في أغسطس 2024 على بعد أسابيع من بدء التنفيذ، ظل ينتقل بين الاختبارات والمخاطبات والجهات المعنية والمناقشات البرلمانية دون اكتمال عملية التعيين المعلنة.

لكن العامين ليسا العمر الحقيقي للأزمة.

فما وثقه المرصد المصري للصحافة والإعلام خلال السنوات الماضية يكشف عن صحفيين وصحفيات يعمل بعضهم داخل المؤسسات القومية منذ أكثر من عشر سنوات، ووصلت مدة العمل في حالات تناولها المرصد إلى 13 و15 عامًا دون الوصول إلى استقرار وظيفي مماثل للعاملين المعينين.

العامان، إذن، هما عمر الوعد الأخير، لا عمر الانتظار.

من سبتمبر 2024 إلى أغسطس 2026.. ماذا حدث؟

لم يتوقف إعلان أغسطس 2024 عند التصريحات.

ففي سبتمبر 2024، بدأت اللجان المشكلة لهذا الغرض فحص أعمال المتقدمين للتعيين من المتدربين والعقود المؤقتة من الصحفيين والإداريين والعمال، وأُعلن آنذاك عن لجنة مستقلة للتظلمات، وأن إجراءات التعيين ستبدأ فور انتهاء أعمال اللجان وعلى دفعات شهرية.

لكن هذه المرحلة لم يتبعها بدء الدفعات وفق الجدول المعلن.

وخلال 2025، تكررت مطالبات الصحفيين المؤقتين بإعلان موقف واضح من نتائج الاختبارات ومصير التعيينات. وفي يونيو من العام نفسه، تقدم 114 صحفيًا بمذكرة إلى نقيب الصحفيين، مسجلة برقم 3193، طالبوا فيها بتشكيل وفد لمقابلة رئيس الهيئة الوطنية للصحافة لبحث أسباب تأخر التعيينات، بعد مرور أكثر من تسعة أشهر على الاختبارات دون إعلان النتائج أو اتخاذ خطوات تنفيذية، وفق ما وثقه المرصد.

وفي يوليو 2025، نظم عدد من الصحفيين المؤقتين وقفة على سلالم نقابة الصحفيين للمطالبة بتنفيذ إجراءات التعيين.

وفي 15 يونيو 2026، انتقل الملف مجددًا إلى لجنة الثقافة والإعلام بمجلس النواب، التي ناقشت طلب إحاطة بشأن توقف تعيينات المؤقتين. وخلال الاجتماع، أكد وكيل الهيئة الوطنية للصحافة عدم ممانعة الهيئة في التعيين، وأعلن أن دراسة أوضاع المؤقتين أُعدت وأرسلت إلى وزارة المالية والجهاز المركزي للتنظيم والإدارة. وانتهى الاجتماع بتوصية اللجنة بحسم الملف خلال مدة لا تتجاوز ثلاثة أشهر.

جدول (1): أبرز محطات ملف تعيين المؤقتين بالمؤسسات الصحفية القومية منذ إعلان أغسطس 2024

715 مؤقتًا.. لكن المراكز القانونية ليست متطابقة

خلال اجتماع لجنة الثقافة والإعلام بمجلس النواب في يونيو 2026، أعلن وكيل الهيئة الوطنية للصحافة أن عدد المؤقتين يبلغ 330 صحفيًا و185 إداريًا و200 عامل، بإجمالي 715 شخصًا. وتؤكد تغطيات مستقلة للاجتماع الأرقام نفسها.

جدول (2): التوزيع المعلن للمؤقتين بالمؤسسات الصحفية القومية بحسب الفئة – يونيو 2026

ولا يعني الرقم الإجمالي أن الأوضاع المهنية والمراكز القانونية للأشخاص الـ715 متطابقة.

فهناك اختلافات في مدد العمل، وطريقة صرف المقابل المالي، والوضع التأميني، وطبيعة التكليف، وانتظام العمل، والمستندات التي تثبت العلاقة بكل مؤسسة، ولهذا فإن التسوية العادلة لا تبدأ بقائمة أسماء فقط، وإنما بحصر تفصيلي يحدد بالنسبة إلى كل حالة تاريخ بدء العمل، والمؤسسة والقسم، وطبيعة المهام، والمقابل المالي، والوضع التأميني، والموقف من اختبارات 2024، واستمرار علاقة العمل من عدمه.

هذه البيانات هي التي تفصل بين ملف إداري جماعي يحمل اسم «المؤقتين» وبين المراكز القانونية والحقوق الفعلية للأشخاص الموجودين داخله.

متى يصبح «المؤقت» غير مؤقت؟

الوضع المؤقت يفترض بطبيعته فترة انتقالية محدودة. لكن حين يعمل صحفي داخل المؤسسة نفسها خمس سنوات أو عشرًا أو 15 عامًا، ويؤدي خلالها عملًا تحتاج إليه المؤسسة بصورة منتظمة، يصبح من المشروع التساؤل عن مدى تعبير الوصف الإداري عن حقيقة العلاقة المهنية القائمة.

قد يبقى الصحفي «مؤقتًا» على الورق، بينما يكون جزءًا مستقرًا من دورة الإنتاج الصحفي، يتلقى التكليفات وتنشر المؤسسة إنتاجه، وتتغير الإدارات والقيادات من حوله ويخرج زملاء أقدم إلى المعاش، بينما يظل مركزه الوظيفي دون حسم.

وحين يستمر هذا الوضع سنوات طويلة، تصبح المشكلة أكبر من تأخر قرار تعيين، وتتحول إلى سؤال عن نموذج إدارة الموارد البشرية داخل المؤسسات الصحفية القومية ومدى اتساق علاقات العمل القائمة مع التشريعات المنظمة لها.

ماذا خسر الصحفي خلال سنوات الانتظار؟

لا تقاس تكلفة الانتظار بعدد السنوات وحدها، فاستمرار علاقة العمل دون استقرار واضح يمكن أن ينعكس على الأجر والتأمين ومدة الخدمة والإجازات والمسار الوظيفي والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

وبالنسبة إلى من أمضى أكثر من عقد في الوضع نفسه، فإن الحديث لا يعود عن تأجيل بداية المسار المهني. فالصحفي الذي دخل المؤسسة في منتصف العشرينيات ثم استمر 15 عامًا في وضع وظيفي غير مستقر، يكون قد قضى بالفعل جزءًا معتبرًا من حياته المهنية في انتظار الوضع الذي كان يفترض أن يمثل نقطة انطلاق لمساره، ويمتد أثر الأزمة كذلك إلى الوصول إلى الحماية النقابية، حين يمتد عدم التعيين إلى الحماية النقابية

لا يعني التعيين وحده اكتساب عضوية نقابة الصحفيين، فالقيد يخضع لشروط قانونية ونقابية أخرى، لكن استمرار الصحفي سنوات داخل المؤسسة دون علاقة عمل مستوفية للشروط اللازمة للقيد يمكن أن يعوق استكمال مساره النقابي، ويبقيه خارج جانب مهم من المظلة المهنية والاجتماعية المرتبطة بالعضوية.

وقد ظهر هذا الجانب صراحة خلال المناقشات البرلمانية في يونيو 2026، عندما أثيرت أوضاع صحفيين يعملون منذ 14 و15 عامًا دون تعيين، ومدى إمكانية التحاق من يمارسون المهنة بالنقابة.

قد يعمل الصحفي فعليًا داخل مؤسسة صحفية قومية، ويتلقى التكليفات وينشر إنتاجه باسمها لسنوات، لكنه يظل خارج المسار الوظيفي المستقر، وقد يظل خارج المظلة النقابية أيضًا، وهكذا يمتد أثر تأخر التعيين من العلاقة بين الصحفي والمؤسسة إلى الطريقة التي يدخل بها الصحفي إلى البنية المهنية المنظمة للمهنة، عندما يبحث الصحفي عن عقد خارج المؤسسة التي يعمل فيها

بحسب شهادات ومعلومات تلقاها المرصد خلال متابعته لأوضاع صحفيين غير معينين، أفادت بعض الحالات بقبول صحفيين العمل في مؤسسات صحفية أخرى دون أجر، أو بمقابل مالي شديد الانخفاض، بهدف الحصول على فرصة للتعيين واستكمال المسار المؤدي إلى القيد النقابي، كما تضمنت المعلومات والشهادات التي وصلت إلى المرصد إفادات عن طلب مبالغ مالية مقابل الحصول على التعيين.

ويؤكد المرصد أن هذه المعلومات تقتصر على الحالات التي تلقى بشأنها شهادات وإفادات، ولا تمثل أساسًا لتعميم هذه الممارسات على المؤسسات الصحفية أو سوق العمل الصحفي ككل. كما أن إثبات كل واقعة وتحديد المسؤولية القانونية عنها يظل مرتبطًا بما يتوافر بشأنها من أدلة ومستندات وتحقيق مستقل، لكن ظهور مثل هذه الحالات يفتح سؤالًا مشروعًا بشأن الآثار غير المباشرة لندرة فرص التعيين.

فحين تصبح علاقة العمل الرسمية موردًا نادرًا يحتاج إليه الصحفي للوصول إلى وضع مهني ونقابي أكثر استقرارًا، يمكن أن ترتفع قيمة «ورقة التعيين» نفسها، ويصبح الصحفي أكثر عرضة لقبول شروط عمل مجحفة للحصول عليها، فالعمل دون أجر أو بأجر شديد الانخفاض من أجل الوصول إلى فرصة للقيد لا يحل الأزمة، وإنما ينقلها من مؤسسة إلى أخرى.

أما طلب مبالغ مالية مقابل التعيين، إذا ثبت في حالات محددة، فهو أمر يستوجب التحقيق في الوقائع وتحديد المسؤولية عنها وفق القانون.

التعيين والقيد وهشاشة سوق العمل

تكشف هذه الحالات عن علاقة بين ثلاث مشكلات كان يجري تناولها في أحيان كثيرة بصورة منفصلة.

عدم حسم علاقة العمل يمكن أن يترك الصحفي خارج الاستقرار الوظيفي، وعدم استقرارها قد يعوق استيفاء بعض متطلبات القيد، والحاجة إلى القيد قد تدفعه إلى البحث عن علاقة عمل أخرى وقبول شروط أكثر هشاشة، وهذا يطرح سؤالًا يتجاوز المؤسسات القومية نفسها:

هل تظل منظومة الوصول إلى القيد النقابي ملائمة لسوق عمل صحفي تغيرت فيه أشكال التشغيل وتراجعت فيه التعيينات التقليدية؟

طرح السؤال لا يعني الدعوة إلى إلغاء شروط القيد أو فتح العضوية دون ضوابط، وإنما مناقشة مدى ملاءمة آليات إثبات ممارسة المهنة للواقع الحالي، بما يحمي المهنة ولا يترك من يمارسونها فعليًا لسنوات خارج مظلتها بسبب أوضاع وظيفية لا يملكون وحدهم قرار تغييرها.

التعيين والحق القانوني ليسا شيئًا واحدًا

إعلان أغسطس 2024 يمثل التزامًا مؤسسيًا معلنًا بمسار للتعيين وموعد لبدئه، وهو ما يبرر مساءلة الجهات التي أصدرتها عن أسباب عدم تنفيذ المسار المعلن، لكنه لا يعني بمفرده أن كل شخص مدرج في ملف المؤقتين اكتسب تلقائيًا حقًا قانونيًا نهائيًا في التعيين. وفي الاتجاه المقابل، عدم صدور قرار التعيين لا يعني أن سنوات العمل السابقة تصبح بلا أثر قانوني.

فقانون الهيئة الوطنية للصحافة رقم 179 لسنة 2018 ينص على سريان أحكام قانون العمل على العلاقة بين المؤسسات الصحفية القومية وجميع العاملين فيها من صحفيين وإداريين وعمال، كما تنظم تشريعات العمل إثبات علاقة العمل والحقوق التي يمكن أن تترتب عليها.

ومن ثم، فالمعادلة القانونية أكثر دقة من اختزالها في وصف الشخص بأنه «معين» أو «مؤقت»:

عدم التعيين لا يعني بالضرورة عدم وجود علاقة عمل، كما أن ثبوت علاقة العمل لا يعني تلقائيًا اكتساب حق في التعيين بالصورة الإدارية التي أعلن عنها في 2024.. ويحتاج تحديد المركز القانوني لكل شخص إلى فحص طبيعة عمله ومدته، والأجر والتبعية والإشراف والوضع التأميني والمستندات والأدلة المتاحة، وتتحمل الهيئة الوطنية للصحافة مسؤولية ممارسة اختصاصاتها التي حددها القانون في إدارة المؤسسات الصحفية القومية ومتابعة أدائها، بينما تتحمل كل مؤسسة مسؤولياتها القانونية باعتبارها جهة العمل، وفق طبيعة العلاقة القائمة مع العاملين لديها.

ماذا عن السنوات السابقة؟

إذا بدأ التعيين في النهاية، فلن يكون تاريخ صدور القرار هو السؤال الوحيد.فتوقيع عقد أو صدور قرار جديد لا يجيب بذاته عن طبيعة العلاقة التي كانت قائمة قبله، ولا عن الحقوق التي ربما نشأت خلالها، ويحتاج ذلك إلى فحص كل حالة على حدة، بما يشمل تاريخ بدء العمل وطريقة صرف المقابل والوضع التأميني والتكليفات وسجلات العمل والمراسلات والأرشيف المهني وغيرها من الأدلة.

ولا ينبغي، لذلك، أن تتحول التسوية إلى تحديد تاريخ جديد يبدأ منه كل شيء، دون فحص ما سبق هذا التاريخ وتسوية ما يثبت قانونًا من حقوق.

وماذا عن الذين لن يشملهم التعيين؟

الاختبارات تفترض إمكانية قبول بعض المتقدمين وعدم قبول آخرين، لكن عدم اختيار شخص في إجراءات التعيين لا يحسم وحده طبيعة علاقة عمل ربما استمرت سنوات قبل الاختبار، وهنا يلزم إعلان معايير الاختيار ونتائج الاختبارات، وتوفير آلية واضحة للتظلم، وتحديد مصير من لا تشملهم قرارات التعيين، بما في ذلك موقف استمرارهم في العمل والحقوق التي قد تكون ترتبت لهم خلال السنوات السابقة.

حل أزمة مجموعة من المؤقتين لا ينبغي أن ينتج مجموعة جديدة معلقة المصير.

500 جنيه إضافية.. تحسين للدخل لا تسوية للمركز، في يوليو 2026، وجه رئيس الهيئة الوطنية للصحافة بزيادة مكافأة العاملين المؤقتين، من صحفيين وإداريين وعمال، بمقدار 500 جنيه..ىالقرار يوفر زيادة مالية مباشرة للمستفيدين، لكنه لا يحسم أصل الأزمة، بل يؤكد استمرار التعامل مع الفئة نفسها رسميًا بوصفها «مؤقتة» بعد قرابة عامين من التاريخ الذي كان يفترض أن تبدأ فيه عملية تعيينها تدريجيًا، فالزيادة لا تعلن نتائج اختبارات 2024، ولا تحدد موعد التعيين، ولا تحسم المراكز الوظيفية، ولا تسوي السنوات السابقة، ووضعها الصحيح، لذلك، هو تحسين للمقابل المالي وليس بديلًا عن تسوية الملف.

الأزمة لا تخص المؤقتين وحدهم

إذا توقف النقاش عند حقوق الـ715 شخصًا، سنكون أمام جزء واحد فقط من القضية، فالجانب الآخر يتعلق بمستقبل المؤسسات الصحفية القومية نفسها، استمرار تعثر الدخول المنتظم لأجيال جديدة إلى الهياكل الوظيفية، بالتزامن مع خروج أجيال أقدم إلى المعاش، يثير أسئلة تتعلق بالإحلال والتعاقب المهني ونقل المعرفة، ولا تتوافر بيانات منشورة بصورة كافية تسمح بقياس حجم هذه المشكلة مؤسسةً بمؤسسة، ولذلك لا يمكن الجزم بأن جميع المؤسسات تواجه الدرجة نفسها من الخلل في التركيب العمري.

لكن تقييم الوضع يحتاج إلى بيانات واضحة عن أعداد الصحفيين الذين خرجوا إلى المعاش خلال السنوات الماضية، وأعداد الداخلين الجدد إلى الهياكل المستقرة، ومتوسط أعمار العاملين في غرف الأخبار، والمتوقع بلوغهم سن المعاش خلال السنوات المقبلة، إلى جانب التخصصات والمهارات التي تعاني المؤسسات نقصًا فيها، هذه ليست بيانات إدارية فقط، وإنما مؤشرات على قدرة المؤسسات على الاستمرار.

من سيحمل الخبرة إلى الجيل التالي؟

التعاقب المهني لا يحدث بمجرد تعيين بديل لمن خرج إلى المعاش.فالصحفي يحتاج إلى سنوات من العمل والتدريب والتدرج والاحتكاك بأصحاب الخبرة قبل أن يصبح قادرًا على تحمل مسؤوليات تحريرية أكبر.وعندما تتباطأ عملية دخول أجيال جديدة إلى المسار المستقر لسنوات، يمكن أن تظهر الفجوة حين يغادر أصحاب الخبرة ولا يكون هناك عدد كافٍ من الصحفيين الذين حصلوا على الوقت والمسار اللازمين لتلقي هذه الخبرة. لذلك لا يتعلق ملف المؤقتين بحقوق أشخاص يعملون الآن فقط، وإنما يفتح سؤالًا عن قدرة المؤسسات على بناء الصفوف التالية من الصحفيين والقيادات التحريرية.

وماذا تحقق من «ضخ الدماء الجديدة»؟

إعلان أغسطس 2024 لم يتحدث عن المؤقتين وحدهم، فقد تضمن كذلك قبول أوائل خريجي كليات وأقسام الإعلام اعتبارًا من العام الجامعي 2024/2025 للتدريب داخل المؤسسات الصحفية القومية، تمهيدًا لتعيينهم وفق احتياجات المؤسسات.وبعد عامين، يصبح من الضروري معرفة عدد من التحقوا بالفعل بهذه البرامج، والمؤسسات التي استقبلتهم، وعدد من أكملوا التدريب وانتقلوا إلى علاقة عمل، والمعايير المستخدمة لتحديد احتياجات المؤسسات.الإجابة عن ذلك تكشف ما إذا كان هناك مسار منتظم لدخول أجيال جديدة إلى الصحافة القومية، أم أن الأزمة الحالية يمكن أن تتكرر بأشكال أخرى

الإصلاح المالي لا يغني عن إصلاح الموارد البشرية

لا يمكن فصل مستقبل المؤسسات الصحفية القومية عن أوضاعها المالية، لكن الاستدامة المالية وحدها لا تكفي لاستدامة مؤسسة صحفية، فالمؤسسة تحتاج إلى سياسة واضحة للموارد البشرية، وتطوير تحريري ورقمي، وتحديد المهارات التي ستحتاج إليها مستقبلًا واستقطابها والاحتفاظ بها.وإذا كان أحد أهداف إعلان أغسطس 2024 هو «ضخ دماء جديدة»، فإن قياس نجاح هذا الهدف يحتاج إلى معرفة عدد من دخلوا بالفعل إلى المؤسسات في علاقات عمل مستقرة، وعدد من خرجوا منها، وكيف تغير تركيب غرف الأخبار والمهارات الموجودة داخلها، ولا ينبغي أن يتحول التشغيل المؤقت إلى صيغة دائمة لإدارة احتياجات بشرية دائمة.

بعد عامين.. المطلوب كشف حساب

بعد عامين من إعلان أغسطس 2024، لم يعد الملف يحتاج إلى إعلان جديد عن النية في حله.المطلوب إعلان نتائج اختبارات 2024 ومعايير الاختيار، والحصر النهائي للمؤقتين في كل مؤسسة ومدد عملهم وأوضاعهم التأمينية، والمركز الحالي للملف، والإجراءات المتبقية والجهة المسؤولة عنها، والجدول الزمني لإنهائها، وآلية التظلم، ومصير من لن تشملهم قرارات التعيين.كما يحتاج الملف إلى الالتزام بالقوانين المنظمة للعمل داخل المؤسسات الصحفية القومية، وعدم التعامل مع وصف «المؤقت» باعتباره بديلًا عن تحديد الطبيعة القانونية الحقيقية لعلاقة العمل.

ولا يعني ذلك افتراض مركز قانوني واحد لجميع المؤقتين أو تقرير استحقاق جماعي للتعيين دون فحص الحالات، وإنما يعني أن المسمى الإداري لا ينبغي أن يحجب التكييف القانوني الصحيح لعلاقة العمل الفعلية وما قد ينشأ عنها من حقوق والتزامات.

ما المطلوب الآن؟

بعد توصية لجنة الثقافة والإعلام في يونيو 2026 بحسم الملف خلال ثلاثة أشهر، أصبحت هناك مدة معلنة جديدة يمكن قياس ما يتحقق خلالها، بعد أن مضى عامان على الموعد الأول الذي أعلن في أغسطس 2024.

 مصفوفة الإجراءات المقترحة والجهات المعنية بمعالجة ملف المؤقتين
الإجراءات المطلوبة
الهيئة الوطنية للصحافة: إعلان نتائج اختبارات 2024 ومعايير الاختيار وموقف من خضعوا لها، ونشر حصر محدث للمؤقتين بحسب المؤسسات والفئات ومدد العمل، وإعلان المرحلة الحالية للملف والإجراءات المتبقية وجدول زمني محدد لإنهائه، وممارسة اختصاصاتها القانونية في إدارة المؤسسات الصحفية القومية ومتابعة أدائها بما يكفل الالتزام بالقوانين المنظمة لعلاقات العمل والحقوق المرتبطة بها.
المؤسسات الصحفية القوميَّة: مراجعة وتوثيق أوضاع العاملين، وتحديد تاريخ وطبيعة علاقة العمل والأجر والوضع التأميني لكل حالة، والالتزام بقوانين العمل والتأمينات، وفحص وتسوية ما يثبت قانونًا من حقوق عن مدد العمل السابقة، وعدم استخدام علاقات العمل المؤقتة باعتبارها بديلًا دائمًا للتوظيف المنظم، ووضع خطط للاحتياجات البشرية والإحلال والتعاقب المهني.
نقابة الصحفيين: متابعة تنفيذ ما أعلنته بالاشتراك مع الهيئة في أغسطس 2024، وتقديم الدعم النقابي والقانوني للصحفيين المتضررين، وفتح نقاش مؤسسي حول مدى ملاءمة آليات إثبات ممارسة المهنة والقيد للتحولات في سوق العمل، مع الحفاظ على ضوابط حماية المهنة.
وزارة المالية والجهاز المركزي للتنظيم والإدارة: تحديد المرحلة التي وصل إليها الملف، والإجراءات أو الموافقات المتبقية إن وجدت، والجهة المسؤولة عن كل إجراء، ووضع إطار زمني واضح للحسم.
لجنة الثقافة والإعلام بمجلس النواب: متابعة تنفيذ توصيتها بحسم الملف خلال ثلاثة أشهر، وطلب بيانات دورية من الجهات المعنية، واستخدام الأدوات الرقابية المتاحة لتحديد أسباب التأخير والمسؤولية عن كل مرحلة، ومتابعة الالتزام بالقوانين المنظمة لعلاقات العمل.

المصدر: إعداد المرصد المصري للصحافة والإعلام استنادًا إلى تحليل مسار الملف واختصاصات الجهات المعنية والأطر القانونية والبيانات المنشورة حتى أغسطس 2026.

ويرى المرصد أن أي تسوية نهائية يجب أن تتحرك في مسارين متوازيين: تسوية أوضاع العاملين الحاليين وفق القانون، وفحص ما يثبت من حقوق عن سنوات العمل السابقة، وفي الوقت نفسه وضع سياسة للموارد البشرية تمنع إنتاج جيل جديد من المؤقتين بعد إنهاء الأزمة الحالية.ىمن الوعد إلى المساءلة في أغسطس 2024، كان الإعلان واضحًا: دفعات شهرية لتعيين المؤقتين تبدأ في سبتمبر.

وبعد عامين، ما زال الملف دون الحسم الذي وعد به الإعلان. وفي يونيو 2026، عادت القضية إلى البرلمان، الذي أوصى بحسمها خلال ثلاثة أشهر، بينما أكدت الهيئة عدم ممانعتها في التعيين، وأعلنت أن الملف أصبح لدى وزارة المالية والجهاز المركزي للتنظيم والإدارة، وبعض الصحفيين الذين يدور حولهم هذا الملف لم ينتظروا عامين فقط، وإنما أمضوا أكثر من عقد في أوضاع عمل غير مستقرة، لذلك لم يعد السؤال متعلقًا فقط بموعد صدور قرارات التعيين.

السؤال أصبح عن حقوق السنوات التي مضت، ومدى الالتزام بالقوانين المنظمة للعمل، ومصير من لن تشملهم القرارات، وقدرة الصحفيين الذين يمارسون المهنة فعليًا على الوصول إلى الحماية النقابية دون الاضطرار إلى قبول علاقات عمل أكثر هشاشة من أجل الحصول عليها، ويبقى وراء ذلك سؤال يتعلق بمستقبل المؤسسات نفسها:

كيف يمكن بناء صحافة قومية قادرة على الاستمرار، بينما يغادر جيل إلى المعاش، ويظل جزء من الجيل الذي يفترض أن يحمل الخبرة من بعده سنوات في انتظار الاستقرار الوظيفي؟

 

المصادر والمراجع

  1. إعلان أغسطس 2024 بشأن تعيين المؤقتين بالمؤسسات الصحفية القومية

يتضمن الاتفاق بين الهيئة الوطنية للصحافة ونقابة الصحفيين على بدء تعيين المؤقتين في دفعات شهرية اعتبارًا من سبتمبر 2024، إلى جانب إجراءات تطوير المؤسسات وضخ دماء جديدة فيها.

[بوابة الأهرام – تفاصيل اجتماع الهيئة الوطنية للصحافة ونقابة الصحفيين : اصغط هنا

  1. تغطية أخرى لإعلان أغسطس 2024 وبرنامج تعيين المؤقتين
[المصري اليوم – تفاصيل إعلان تعيين المؤقتين : اضغط هنا

  1. ملف المرصد المصري للصحافة والإعلام عن الصحفيين المؤقتين بالمؤسسات القومية

يتضمن متابعة أوضاع الصحفيين ومدد العمل ومذكرة الـ114 صحفيًا وغيرها من تطورات الملف.

[المرصد المصري للصحافة والإعلام – الصحفيون المؤقتون بالمؤسسات القومية : اضغط هنا

  1. وقفة الصحفيين المؤقتين للمطالبة بالتعيين – يوليو 2025
[مدى مصر – وقفة المؤقتين في الصحف القومية] – اضغط هنا للقراءة

  1. مناقشة لجنة الثقافة والإعلام بمجلس النواب – 15 يونيو 2026

وهو المصدر الذي يثبت توزيع المؤقتين إلى 330 صحفيًا و185 إداريًا و200 عامل، ويعرض موقف الهيئة ومسار الملف لدى الجهات المعنية.

اليوم السابع – مجلس النواب يفتح ملف تعيين الصحفيين المؤقتين

  1. توصية لجنة الثقافة والإعلام بحسم ملف المؤقتين خلال ثلاثة أشهر – 15 يونيو 2026

ويؤكد المصدر كذلك أعداد الفئات الثلاث.

بوابة الأهرام – لجنة الإعلام توصي بتعيين المؤقتين بالصحف القومية

  1. زيادة مكافأة العاملين المؤقتين 500 جنيه – يوليو 2026

بوابة الأهرام – زيادة العاملين المؤقتين بالمؤسسات الصحفية القومية

  1. قانون الهيئة الوطنية للصحافة رقم 179 لسنة 2018

ومن الأحكام ذات الصلة بالتقرير تنظيم اختصاصات الهيئة وسريان قانون العمل على علاقات العمل بالمؤسسات الصحفية القومية.

المحكمة الدستورية العليا – الأحكام والنصوص ذات الصلة بالمؤسسات الصحفية القومية

  1. قانون العمل رقم 14 لسنة 2025

ويتضمن الإطار العام المنظم لعلاقات العمل وإثباتها والحقوق الناشئة عنها.

منشورات قانونية – قانون العمل رقم 14 لسنة 2025

  1. المصادر الخاصة بالمرصد

يعتمد التقرير كذلك في مواضع محددة على أرشيف المرصد المصري للصحافة والإعلام ومتابعاته وشهادات ومعلومات تلقاها من صحفيين غير معينين، خاصة فيما يتعلق بمدد العمل في بعض الحالات، وتأثير عدم التعيين على المسار المهني والنقابي، والإفادات المتعلقة بالعمل دون أجر أو بمقابل منخفض أو طلب مبالغ مالية مقابل التعيين وقد جرى التعامل مع هذه المعلومات في حدود الحالات التي وردت بشأنها دون تعميمها على سوق العمل الصحفي أو المؤسسات الصحفية ككل.

زر الذهاب إلى الأعلى