بيان في اليوم العالمي لحرية الصحافة: الصحافة في مصر حين يصبح البقاء في المهمة معركة يوميَّة
بينما يحتفل العالم باليوم العالمي لحرية الصحافة، لا تزال الصحافة المصرية تواجه واقعًا يزداد قسوة وتعقيدًا، في ظل بيئة تتراجع فيها مساحات التعبير، وتتآكل فيها الضمانات المهنية والاقتصادية، ويصبح العمل الصحفي نفسه مهددًا بضغوط قانونية ومعيشية ومهنية متراكمة.
لم تعد أزمة الصحافة في مصر تقتصر على الحبس والمنع والملاحقة، رغم خطورتها، بل امتدت إلى ما هو أبعد: إلى صحفيين/ات يعملون تحت ضغط الخوف من فقدان العمل، أو تأخر الرواتب، أو غياب الحماية، أو المنع من التغطية، أو الاتهام بسبب أداء واجبهم المهني.
وخلال الفترة من مايو 2025 حتى مايو 2026، وثق المرصد المصري للصحافة والإعلام 2210 انتهاكًا بحق الصحفيين/ات والمؤسسات الصحفية والإعلامية، كان من بينها 2146 حالة مرتبطة بتأخير أو حجب المستحقات المالية، بما يعكس تصاعد الأزمات الاقتصادية داخل المؤسسات الصحفية، واتساع تأثيرها على الأوضاع المهنية والمعيشية للصحفيين/ات، إلى جانب انتهاكات أخرى شملت المنع من التغطية، والفصل التعسفي، وتجديد الحبس، والقبض التعسفي، والانتهاكات المرتبطة بحرية العمل الصحفي والحق في الدفاع والمحاكمة العادلة.
ويكشف هذا النمط من الانتهاكات عن تصاعد الضغوط الاقتصادية باعتبارها إحدى أبرز أدوات التأثير على استقلالية العمل الصحفي واستمراريته، إلى جانب القيود القانونية والمهنية التي تواجه الصحفيين/ات في بيئة عمل تزداد تعقيدًا وهشاشة. ورغم تصاعد الانتهاكات الاقتصادية والمهنية، لا تزال الانتهاكات المرتبطة بالحبس والمنع والقيود القانونية تمثل تهديدًا مباشرًا لحرية العمل الصحفي في مصر.
وفي الوقت الذي يفترض فيه أن تكون الصحافة إحدى أدوات المجتمع في الرقابة والمساءلة وكشف الحقائق، لا تزال بيئة العمل الإعلامي تواجه قيودًا متزايدة، من بينها استمرار حجب مواقع صحفية وإلكترونية دون شفافية كافية بشأن معايير وقرارات الحجب، والتوسع في قرارات حظر النشر، إلى جانب محدودية الإتاحة العلنية والمباشرة لجلسات البرلمان، بما يحد من تدفق المعلومات المتعلقة بالشأن التشريعي والرقابي، ويقوض حق المواطنين/ات في المعرفة والمتابعة.
كما تواجه قطاعات من الصحفيين/ات صعوبات متزايدة في الوصول إلى المعلومات والتواصل المباشر مع المصادر الرسمية، في ظل الاعتماد المتزايد على البيانات والمحتوى الجاهز بدلًا من إتاحة مساحات أوسع للتفاعل والإجابة على الاستفسارات وتيسير العمل الميداني، بما يؤثر على جودة التغطية الصحفية وتنوعها.
ويرى المرصد أن استمرار العمل ببعض مواد القانون رقم 180 لسنة 2018 بشأن تنظيم الصحافة والإعلام أسهم في تكريس بيئة تنظيمية تفرض قيودًا واسعة على حرية واستقلال العمل الصحفي والإعلامي، من خلال التوسع في صلاحيات الحجب والرقابة على المحتوى الرقمي، وفرض قيود على التغطية والتصوير والعمل الميداني.
كما تظل المادة 12 من القانون واحدة من أكثر المواد إثارةً للجدل، بسبب ما تفرضه من قيود على التصوير والتغطية في الأماكن العامة، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على قدرة الصحفيين/ات على أداء عملهم بحرية ووضوح.
ولا تنفصل هذه القيود عن أزمات أخرى تتعلق بتصاعد الرقابة الذاتية داخل غرف الأخبار، وتراجع المساحات المتاحة للنقاش العام، وهي عوامل تؤثر بصورة مباشرة على جودة المحتوى الصحفي وتنوعه واستقلاليته.
كما أسهمت الضغوط الاقتصادية وتراجع الاستقرار المهني داخل بعض المؤسسات الإعلامية في خلق بيئات عمل هشة، تنعكس أحيانًا على جودة المحتوى، والالتزام بالمعايير المهنية، وقدرة الصحفيين/ات على العمل باستقلال وأمان.
ويؤكد المرصد المصري للصحافة والإعلام أن حماية حرية الصحافة لا تعني فقط وقف الانتهاكات المباشرة، وإنما تتطلب أيضًا بناء بيئة تسمح للصحفي/ة بالعمل بحرية وأمان واستقلال، دون خوف من العقاب أو الإقصاء أو الاستنزاف الاقتصادي.
ومن هذا المنطلق، يجدد المرصد مطالبته بـ:
وقف استخدام الحبس الاحتياطي في قضايا النشر والتعبير.
مراجعة النصوص القانونية المقيدة للعمل الصحفي، وعلى رأسها بعض مواد القانون رقم 180 لسنة 2018.
إصدار قانون لحرية تداول المعلومات.
ضمان إتاحة المعلومات العامة والبيانات الرسمية باعتبارها أحد الشروط الأساسية لعمل صحفي حر ومستقل.
تطوير سياسات تواصل أكثر انفتاحًا وشفافية بين الجهات الرسمية والصحفيين/ات، بما يضمن إتاحة المعلومات وتسهيل الوصول إلى المصادر.
ضمان حرية التغطية والتصوير في الأماكن العامة.
وقف التوسع في قرارات حظر النشر، بما لا يخل بحق المجتمع في المعرفة.
ضمان شفافية إجراءات حجب المواقع الإلكترونية والرقابة على المحتوى الرقمي.
توفير حماية اقتصادية واجتماعية عادلة للصحفيين/ات، ووضع معايير أكثر عدالة ووضوحًا للأجور والتعاقدات داخل المؤسسات الإعلامية.
تطوير بيئات عمل آمنة وخالية من التمييز والانتهاكات.
تعزيز السلامة الرقمية والمهنية والنفسية داخل المؤسسات الإعلامية، خاصة في بيئات العمل عالية الضغط والتغطيات المرتبطة بالأزمات والصدمات.
وفي اليوم العالمي لحرية الصحافة، يحيي المرصد جميع الصحفيين والصحفيات الذين يواصلون أداء عملهم رغم الضغوط والانتهاكات والأزمات المتراكمة، دفاعًا عن حق المجتمع في المعرفة.
لأن حماية الصحافة ليست دفاعًا عن مهنة فقط، بل دفاع عن حق المجتمع في الحقيقة والمعرفة والمساءلة.
كل عام والصحافة المصرية أكثر حرية وعدالة وأمانًا.