تزامنًا مع يوم الصحفي المصري، تُشاركنا الصحفية ياسمين سعد، تدوينة تعبر عن رأيها ورؤيتها بشأن القضايا التي ترى أنها ما زالت تنتظر الحل، أو تستحق أن تكون في مقدمة النقاش خلال السنوات المقبلة

في إطار حملة التدوين، التي أطلقها المرصد المصري للصحافة والإعلام، تزامنًا مع يوم الصحفي المصري، تُشاركنا الصحفية ياسمين سعد، تدوينة تعبر عن رأيها ورؤيتها بشأن القضايا التي ترى أنها ما زالت تنتظر الحل، أو تستحق أن تكون في مقدمة النقاش خلال السنوات المقبلة.. إليكم/ن نص التدوينة:
لا أعلم لماذا كان يجذبني ملحق “أيامنا الحلوة” بجريدة الأهرام عندما كنت طفلة في المرحلة الإعدادية، ولا أعلم لماذا كنت أقرأ عمود الأستاذ عبد الوهاب مطاوع بشغف شديد.
في ذلك الوقت، كنت أحلم بأن أكون جزءا من صناعة البرامج التليفزيونية، أن أكون فنانة، لذلك قررت الالتحاق بكلية الإعلام، لا لأصبح صحفية أو كاتبة، بل لأقدم محتوى ترفيهيًا ومؤثرًا لكل من يشاهدني.
لكن عندما دخلت كلية الإعلام، تغير كل شيء. فبدلًا من الالتحاق بقسم الإذاعة والتليفزيون، وبخطوة لم أفهمها حتى الآن، قررت الالتحاق بقسم الصحافة، لأفاجأ بأنها فتنتني حبًا، وسكنتني روحها الثورية، فتحولت من تلك الطفلة الخجولة التي لا تستطيع الإجابة عن سؤال داخل محاضرة، إلى صحفية.
عندما كنت أمسك القلم، كنت أتحرر من كل شيء، كنت أشعر بالشجاعة، والصحافة هي التي منحتني ذلك، أعطتني صوتي، ومن خلاله استطعت أن أوصل أصوات عشرات الأشخاص عبر الكتابة عنهم على مدار أكثر من خمسة عشر عامًا، هي عمر عملي في صاحبة الجلالة.
في دار الكتب والوثائق، وبين أعداد الأهرام والأخبار التي كنت أقرأها لأذاكر الأرشيف وأتعلم من الأساتذة المخضرمين، كان يلفت انتباهي رأي هؤلاء الصحفيين خلال حواراتهم مع المصادر، وأسئلتهم الثقيلة بثقل مصادرهم، فلا أحد كان يستعصي على الحوار؛ لا ملك، ولا نجم، ولا ضابط، ولا صاحب منصب، سواء داخل مصر أو خارجها.
وخلال تلك اللحظات، ومع قراءتي للأعداد الممتدة عبر العقود، كنت أرى الصحفيين كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضًا، فهذا صحفي يروي قصة مجتمعه، يراه بعينه ويكتب بمفرداته ويطرح مشكلاته، ثم يأتي صحفي آخر ليكمل ما بدأه زميله ويبني فوقه.
وكنت أتمنى أن يذكرني الأرشيف يومًا ما، أن يأتي طالب في كلية الإعلام ويفتح أرشيف الجرائد، فيرى اسمي بين السطور، وأن أكون الطوبة التالية في بلاط صاحبة الجلالة، وأن أترك أثرًا لا يُمحى، أرد به للصحافة بعض ما منحته لي.
تغيرت مفاهيم الصحافة مع تغير العصر، وأصبح الاعتماد الأكبر على المنصات الرقمية، وهذا في حد ذاته ليس عيبًا. ولكن السؤال هو: لماذا انحدر مستوى الصحافة؟ لأن كثيرًا ممن يعملون بها ليسوا صحفيين.
لم تكن الصحافة يومًا حكرًا على الصحفيين، فهي ملك لكل صاحب قلم وموهبة، لكنها ليست ملكًا لكل من حصل على مجموع دراسي أهله للالتحاق بالقسم، ثم وجد “شلة” تأخذه معها إلى الجورنال، فيصعد السلم الوظيفي، ويحصل على راتبه، ويتم تعيينه بالتزكية، ثم يدخل نقابة الصحفيين تحت أي مسمى، حتى إذا كان “ديسك” وهو لم يمسك قلما في حياته، إكرامًا لعلاقاته الشخصية، “المهم تستيف الورق ومحدش ينخرب ورانا”، ليحصل هذا الموظف بدرجة صحفي على البدل الأسطوري الذي قد ينحر الزميل رقبة زميله من أجله، دون أن يكون صحفيًا حقيقيًا أو أن يقدم شيئًا للصحافة.
وفي عصر الرواتب الزهيدة، لم يعد للصحفي هيبته ووقاره كما كان، فهل تظنون أن الصحافة ما زالت سلطة رابعة؟ هل ما زال الكبير والصغير يخشاها؟، عندما تتصل بمصدر في منصب عاشر في أي مؤسسة، أو تتصل بمذيعة تظهر على التليفزيون بسبب بيع الهواء، ويرفضون الرد عليك، لأنهم لا يريدون التواصل مع الصحافة، والتي بالمناسبة أصبح ينهرها الفنانين يوميا دون ملاحقة من النقابة للحفاظ على كرامة الصحفي، فلا أظن أنها أصبحت حاليا في أي درجة من درجات السلطة.
أصبح الصحفي مطالب بتحقيق “تارجت” من خمسة عشر خبرًا يوميًا؟ كيف، وهو يحاول تحسين دخله بأي طريقة ليتمكن من الالتحاق بالنقابة، فيقضي نصف يومه في تحويل منشورات مواقع التواصل الاجتماعي إلى أخبار، ويقضي النصف الآخر في مديح مدير تحريره، الذي أصبح بالنسبة له السلطة الرابعة والثالثة والثانية، لأن الخمسة آلاف جنيه والتأمين الطبي أصبحا حلم حياة له ولأسرته؟ كيف تنتظرون صحافة بلا صحفيين؟
ادخلوا إلى المؤسسات الصحفية وأحصوا عدد الصحفيين الحقيقيين فيها. بل ادخلوا إلى نقابة الصحفيين نفسها، وأحصوا عدد الأعضاء الذين قدموا للصحافة موضوعات حقيقية، أو شاركوا في صناعة فكرة، أو رواية قصة، أو حل مشكلة مجتمعية، أو تقديم ذائقة أدبية تثري الثقافة، أعتقد أن النتيجة ستدهشكم.
عندما يتمكن الصحفيون الحقيقيون من ممارسة مهنتهم كما ينبغي، وعندما تصبح الصحافة مهنة تحكمها المعايير لا الوساطة و”الشلة”، وعندما تصبح هناك نقابة قوية لا تحارب فقط من أجل زيادة البدل، بل من أجل كرامة الصحفي وحقه في راتب آدمي يتجاوز عشرة آلاف جنيه، وفي بيئة عمل آمنة ومحفزة للإبداع، لا يتحول فيها إلى موظف يعمل بالأرقام والتارجت، وعندما توضع قواعد عادلة وواضحة للالتحاق بالنقابة، بعيدًا عن سباق نحر الأعناق الذي حوّل كثيرًا من المؤسسات الصحفية إلى نسخة مصغرة من مسلسل لعبة العروش، عندها فقط سيكون ذهن الصحفي متفرغًا للصحافة نفسها، ولرسالته الحقيقية.
أما الآن.. شالله يا صحافة.
زر الذهاب إلى الأعلى