تزامنًا مع يوم الصحفي المصري، يشاركنا الصحفي المستقل أحمد سيد فتحي، تدوينة تعبر عن رأيه ورؤيته بشأن القضايا التي يرى أنها ما زالت تنتظر الحل، أو تستحق أن تكون في مقدمة النقاش خلال السنوات المقبلة
في إطار حملة التدوين، التي أطلقها المرصد المصري للصحافة والإعلام، تزامنًا مع يوم الصحفي المصري، يشاركنا الصحفي المستقل أحمد سيد فتحي، تدوينة تعبر عن رأيه ورؤيته بشأن القضايا التي يرى أنها ما زالت تنتظر الحل، أو تستحق أن تكون في مقدمة النقاش خلال السنوات المقبلة.. إليكم/ن نص التدوينة:
بعد 31 عامًا على انتصار النقابة الذي أُسس على أثره يوم الصحفي المصري، تقف اليوم كصحفي أمام مبنى النقابة المزين بصور شهدائها، باحثًا عن طريقك لتصبح صحفيًا حقيقيًا. لكنك تكتشف أن الصحافة في مصر، كأي شيء آخر في مصر، تسير داخل خطوط مرسومة وحدود محددة مسبقًا، ونقابة الصحفيين ليست استثناءً.
فقلعة الحريات لا تمنحك كل تلك الحرية المتوقعة.. في الصحافة المستقلة تجد مساحتك الضيقة الوحيدة التي تتيح لك الكتابة عن قضايا المجتمع الحقيقية بجميع جوانبها تقريبا وفي ملفات لا تفتح اصلا خارج نطاق الصحافة المستقلة، بعيدًا عن مقاطع “البث المباشر” الغريبة على فيسبوك وتتبع زيجات الفنانين ومشاهير التيك توك التي تقوم عليها أغلب المنصات الإلكترونية الأخرى. لكنك عمليًا تقف على أرض زجاجية هشة؛ فالمنصات المستقلة في مصر تواجه الحجب والتضييق وضعف التمويل والملاحقات الأمنية التي يتعرض لها صحفيوها، ولا تستطيع أن تضمن لك أي استقرار.
بل أن الأمر يصل أحيانًا إلى حد إجبار بعض الصحفيين على الكتابة بأسماء مستعارة، مضحين بحقهم في توثيق أسمائهم وكتابتها على أعمالهم الصحفية خوفًا على أمانهم الشخصي. وفي الوقت نفسه، تجد نفسك بلا أي غطاء نقابي، لأن النقابة في مصر لم تتطور بعد بما يكفي لضم صحفي لا يعمل في صحيفة ورقية، وذلك في عام 2026 في زمن الذكاء الاصطناعي، في زمن أصبحت فيه الصحافة الإلكترونية هي الصحافة الأكثر حضورًا وتأثيرًا.. هي الصحافة بشكلها الحاضر، بينما باتت الصحافة الورقية هي الحلقة الأضعف.. لكن بالنسبة للنقابة هذا ما وجدنا عليه أباءنا.
ما زالت العقليات القديمة المسيطرة غير قادرة على تقبل تغير الزمن ومتطلبات الواقع الجديد. فإما أن تبقى بلا غطاء نقابي يُذكر، أو تضع نفسك تحت رحمة صحيفة ورقية مغمورة، تعمل فيها بلا مقابل، وربما تدفع من مالك الخاص للحصول على “الرخصة الذهبية” المتمثلة في عضوية النقابة، في ظل نظام مليء بالفساد، تمر أمام الأعين دون حراك حقيقي يذكر حتى الآن من النقابة
وحين لا توفر لك هذه المسارات دخلًا يكفل حياة كريمة، أو غير كريمة، تعود إلى المنصات الإلكترونية لتؤدي عملًا روتينيًا داخل دوامة صحافة محبوسة في قيود قانونية وغير قانونية، محاولًا ألا تصبح مجرد رقم جديد في إحصاءات الصحفيين المعتقلين و المقيدة حرياتهم في مصر.
بعد 31 عامًا، يبدو أن ما لم يتغير هو واقع الصحافة ذاته. نقابة ما زالت تعيش بعقلية وقواعد ولوائح تنتمي إلى زمن مضى، بينما يستمر العالم في التقدم، تاركًا الصحفي عالق يتمزق في المنتصف.. ونظام صحافة استثماري تجاري محكوم بقبضة الأخ الأكبر التي لا ترحم.
ما يجب أن يتغير هي القواعد التي ما زالت تحكم الصحفي بمنطق عصر انتهى. فإما أن تعترف النقابة أخيرًا بأن الصحافة هي ما يُمارس فعلًا لا ما يُطبع على الورق، وإما أن تواصل ترك آلاف الصحفيين خارج أسوارها.
ما يجب أن يتغير هو واقع المهنة ذاته؛ صحافة أقل خضوعًا للقيود والتضييق، وأكثر قدرة على حماية العاملين فيها، حتى لا يصبح البحث عن الحقيقة مغامرة شخصية يدفع الصحفي ثمنها بلا أي ظهر يحميه.