الصحفي سمير قصير.. خمسة عشر عامًا على اغتيال مُلهم انتفاضة الاستقلال (بروفايل)

تحل اليوم الذكرى الخامسة عشر لاغتيال الصحفي والكاتب اللبناني الشهير، سمير قصير، الذي لقي مصرعه، في 2 يونيو 2005، بعد أن انفجرت عبوة ناسفة، زُرعت في سيارته، لينكسر قلمه الجرئ، ويتوقف عن كتابة أفكاره التقدمية، التي ألهمت انتفاضة الاستقلال في لبنان، وتنبأت بالثورة في سوريا، انطلاقًا من أشهر مقولاته: “ربيع العرب حين يزهر في بيروت، إنما يعلن أوان الورد في دمشق“.

وإحياءً لذكراه، دُشنت مؤسسة صحفية تحمل اسمه، كما أطلق الاتحاد الأوروبي، جائزة سمير قصير لحرية الصحافة، التي يتسابق الكثير من الصحفيين، كل عام، للفوز بها، ليظل بذلك اسم سمير قصيرخالدًا براقًا، كشهاب مر في سماء الصحافة، فأضاءها، وظل ضوءه متوهجًا، حتى بعد احتراقه.

النشأة

وُلد سمير قصير، في 4 مايو 1960، لأب لبناني فلسطيني، وأم لبنانية سورية، نشأ في محلة الأشرفية، في شرقي بيروت، ودرس في مدرسة الليسيه الفرنسي، ثم انتقل إلى باريس، عام 1981، أي بعد 6 سنوات من اندلاع الحرب اللبنانية، ليُكمل دراسته الجامعية هناك.

وفي عام 1984، حصل على دبلوم دراسات معمقة في الفلسفة والفلسفة السياسية، من جامعة السوربون، ثم حصل على شهادة دكتوراه في التاريخ المعاصر، من جامعة باريس الرابعة، عام 1990.

أول كتاباته

في عام 1992، تشارك سمير قصير مع صديقه المؤرخ والناشر السوري، فاروق مردم بك، في كتابة كتاب مسارات من باريس إلى القدس: فرنسا والصراع العربي الإسرائيلي، الذي رصد في جزئين، وباللغة الفرنسية، تاريخ السياسات الفرنسية في المشرق العربي، المتعلقة بالنكبة الفلسطينية، وبالصراع العربي الإسرائيلي.

وبعد صدور هذا الكتاب بسنة واحدة، عاد سميرإلى بيروت ليدرس في كلية العلوم السياسية، في جامعة القديس يوسف، ولينضم إلى مؤسسة النهار، مديرًا لدار نشرها، وكاتبًا في يومياتها.

وفي عام 1994، نشر قصيركتابه الثاني بالفرنسية، تحت عنوان الحرب اللبنانية: من الانقسام الأهلي إلى الصراع الإقليمي، الذي حلل فيه ديناميات الحرب، وتداخل العناصر الداخلية والخارجية فيها، بين عامي 1975 و 1982، وتُرجم هذا الكتاب إلى اللغة العربية، عام 2008.

عمله الصحفي

خلال إقامته في العاصمة الفرنسية باريس، كتب سمير قصير مجموعة من المقالات لصحيفتي الحياةاللندنية واللوريان لوجورالبيروتية، كما كتب لمجلة لو موند ديبلوماتيكالفرنسية، بالإضافة إلى مساهمته الدورية في أسبوعية اليوم السابع، وفي النسخة الفرنسية من مجلة الدراسات الفلسطينية“.

وفي عام 1995، أطلق قصيرمجلة لوريان أكسبرسالفرونكوفونية الشهرية، التي سرعان ما تحولت إلى أبرز دورية ثقافية لبنانية، وظلت لوريان أكسبرسمتوهجة، حتى انطفئ توهجها، عام 1998، لأسباب مادية.

وفي نفس الفترة، أسس الصحفي اللبناني الفرنسي، دار الليالي، ناشرًا فيها عددًا من الكتب الجامعة لمقالات لوريان إكسبرس، كما نشر مجموعة من ملصقات الحقبة الكولونيالية، التي تُصور مدنًا ومنتجعات متوسطية، بالإضافة إلى مجموعة ثانية من ملصقات الأفلام المصرية، التي طُبعت سينمائيًا، خلال فترة الستينات والسبعينات، من القرن الماضي.

نشاطه السياسي

ابتداء من عام 2003، شارك المفكر سمير قصير في تأسيس حركة اليسار الديمقراطي، وانتُخب في مؤتمرها التأسيسي، في أكتوبر 2004، عضوًا في المكتب التنفيذي، وساهمت كتابات قصيرفي توجيه أدبيات الحركة السياسية ومواقفها، لجهة الدعوة إلى استقلال لبنان عن هيمنة حزب البعثالسوري، وإلى التغيير السلمي، والعلمنة، والعدالة الاجتماعية، وبناء دولة الحق والقانون.

إلا أنه في الوقت نفسه، تمسك برفض جميع مظاهر العنصرية المتسربة إلى اللبنانيين تجاه السوريين عمومًا، وطالبهم أكثر من مرة في مقالات، ومن على منبر ساحة الشهداء، بالتمييز الدائم بين النظام السوري ومخابراته القابضة على سوريا ولبنان، وبين الشعب السوري بعماله ومثقفيه.

انتفاضة الاستقلال

بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الراحل، رفيق الحريري، في 14 فبراير 2005، شارك سمير قصير بفاعلية في إطلاق الانتفاضة الشعبية في وجه الهيمنة المخابراتية السورية على لبنان، وكان له الفضل الأبرز في تسميتها بـ انتفاضة الاستقلال؛ تأكيدًا على طابعها الوطني الاستقلالي، وربطًا لها بالانتفاضة الفلسطينية في وجه الاحتلال الاسرائيلي، عام 1987.

وكان قصيرأول من تنبه إلى أن بقاء الانتفاضة دون برنامج سياسي يصلح النظام اللبناني، ويعدل التوجهات الاقتصادية، ويطرح مسألة تخطي الطائفية، ويؤمن المصالحة الوطنية الحقيقية، سيعرضها سريعًا للانتكاس.

كما كان أول من دعا إلى انتفاضة داخل هذه الانتفاضة، تعيد إلى الشارع وهجه، وإلى السياسة معناها النبيل، وإلى المواقف وضوحها واستقامتها.

مقالات النهار

كانت مقالات سمير قصير في جريدة النهار، بمثابة صوت الانتفاضة اللبنانية الأعلى والأنقى، حيث كان حضوره الدائم في ساحة الشهداء البيروتية، يفتح له مجالًا للنقاش مع السياسيين والإعلاميين والطلاب المتظاهرين، حول أفكار واقتراحات لتطوير الأداء، والانتصار في معركة استعادة السيادة والحرية.

وفي نهاية التسعينات، وبمطلع الألفية الثانية، شكلت مقالاته وافتتاحياته في النهار، أبرز ما كُتب في مواجهة الهيمنة السورية على لبنان، وحكم الرئيس اللبناني آنذاك، إميل لحود وأجهزته الأمنية، الأمر الذي دفع اللواء جميل السيد، مدير عام الأمن العام حينها، إلى تهديده هاتفيًا، وإرسال سيارات لمطاردته، ووصل الأمر إلى مصادرة جواز سفر قصير، في مطار بيروت الدولي، في أبريل عام 2001، إلا أنه أُعيد إليه، عقب حملة استنكارات سياسية وثقافية.

حادثة الاغتيال

في 2 يونيو 2005، اُغتيل الصحفي والكاتب سمير قصير، بعد أن انفجرت عبوة ناسفة، وُضعت تحت سيارته في بيروت، بعد بضعة أيام من الانتخابات العامة، لتتوج حياة الصحفي الحر والكاتب اللامع، بموت تراجيدي، قيل أنه كان محاولة لتكميم أفواه أحرار لبنان وترهيبهم، من أجل ضرب انتفاضة الاستقلال، وخنق رياح الحرية في بيروت.

ليرحل قصيرعن عمر ناهز 45 عامًا، بعد أن قدم في حياته وموته، وعبر مقالاته الصحفية، وأبحاثه الاكاديمية، ما وضعه في سياق النهضويين اللبنانيين والعرب؛ الذين قاوموا الاستبداد، وناضلوا من أجل الدفاع عن حرية أوطانهم واستقلالها، ليصير جزءًا من لائحة الشرف، التي كتبها شهداء الكلمة في لبنان بدمهم.

الجنازة

وفي جنازة شعبية، دعت إليها قوى المعارضة، شُيع جثمان الصحفي والمفكر، سمير قصير، ليواري جسده الثرى، في مثواه الأخير، بمقابر عائلته.

وحُمل نعش قصير، على أكتاف زملائه، من أمام مبنى جريدة النهار، حيثما عُلقت صورة كبيرة له على واجهتها، كما تجمع المئات في شوارع بيروت لإلقاء النظرة الأخيرة على جثمان الصحفي المُغتال، ولوضع الزهور على نعشه الذي لُف بالعلم اللبناني.

وشارك في مراسم الجنازة التي تقدمتها زوجته، الإعلامية جيزال خوري، عدد كبير من الشخصيات السياسية المعارضة، على رأسها الزعيم الدرزي وليد جنبلاط، كما حضرها سفراء كل من الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، وفرنسا، وبريطانيا.

استنكار داخلي

برز استنكار واسع لاغتيال الصحفي سمير قصير، وألقت عدة شخصيات معارضة وبارزة اللوم على الحكومتين السورية واللبنانية، وكان سعد الحريري من بين تلك الشخصيات، فقال حينها: “الأيادي المُلطخة بالدماء، والتي اغتالت رفيق الحريري، هي نفسها الأيادي التي اغتالت سمير قصير“.

ومن جهتها، حملت المعارضة اللبنانية الرئيس اللبناني وقتها، إميل لحود، مسؤولية الحادثة، وطالبته بالاستقالة، بينما أدان لحوداغتيال قصير، وطلب من مجلس الوزراء إحالة الملف إلى المجلس العدلي، والسماح بالاستعانة بجهات متخصصة داخلية أو خارجية، للكشف عن ملابسات الجريمة.

إدانات دولية

وتعددت أيضًا الإدانات الدولية لحادث اغتيال قصير؛ حيث أدان الاتحاد الأوروبي الحادث مع الولايات المتحدة، الذي رأت فيه وزيرة الخارجية الأميركية آنذاك، كوندوليزا رايس، محاولة لترهيب الناخبين اللبنانيين، فوصفته بأنه عمل شنيع، كما استنكره الممثل الأعلى للسياسة الخارجية للاتحاد الاوروبي، خافيير سولانا، في مؤتمر صحفي مشترك مع رايس“.

وعلى صعيد متصل، أدانت المفوضية الأوروبية، اغتيال سمير قصير، فيما طالبت واشنطن مجلس الأمن الدولي، بإدراج مقتله في التحقيق الخاص، الذي تُجريه المنظمة، في عملية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق، رفيق الحريري.

جائزة سمير قصير

منذ عام 2006، يقدم الاتحاد الأوروبي كل عام، جائزة سمير قصير لحرية الصحافة، وهي إحدى أهم الجوائز الصحفية، وقد ازدادت شعبية هذه الجائزة سنة بعد سنة، مع تزايد عدد المرشحين من دول حوض البحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط والخليج، فخلال السنوات الماضية، شارك في هذه المسابقة، ما يزيد على 2500 صحفيًا، من دول الشرق الأوسط، وشمال أفريقيا.

وتبلغ قيمة هذه الجائزة 10000 يورو، وتضم لجنة تحكيم مسابقتها؛ سبعة أعضاء مقررين من دول عربية وأوروبية، ناشطين في مجالي الإعلام والمجتمع المدني، بالإضافة إلى عضو مراقب يمثل الاتحاد الأوروبي.

وتُمنح جائزة سمير قصير عن ثلاث فئات، هي: أفضل مقال رأي، أفضل تحقيق استقصائي، وأفضل تحقيق إخباري سمعي وبصري، على أن تتناول الأعمال الصحفية المترشحة، موضوعات مرتبطة بدولة القانون وحقوق الانسان، مثل: الحكم الرشيد، محاربة الفساد، حرية الرأي والتعبير، وغيرها.

مصريون فائزون

منذ عام 2006، وحتى عام 2018، فاز أكثر من 10 صحفيين مصريين بجائزة سمير قصير لحرية الصحافة، ونذكر من أبرزهم، عن فئة أفضل تحقيق استقصائي:

الصحفية أسماء شلبي، التي فازت بالجائزة، عام 2018، عن تحقيقها مآسي نساء في قرى الفيوم، المنشور في اليوم السابع، الصحفية غادة شريف، حاصدة الجائزة، عام 2017، عن تحقيقها في المصري اليوم، أسرار عالم تجارة الجسد، والصحفي بـ المصري اليومأيضًا، محمد طارق، الذي فاز بها، عام 2016، عن تحقيقه شبر وقبضة، الذي تناول فيه أوضاع المحتجزين داخل أقسام الشرطة.

كما فاز الصحفي هشام مناع بالجائزة، عام 2015، عن تحقيقه التجميل بالصودا الكاوية، بينما حصدها الصحفي أحمد أبو دراع، عام 2013، عن تحقيق عصابات تهريب الأفارقة تحول سيناء إلى أرض التعذيب.

وعن فئة أفضل مقال رأي، فازت مقالات عدة لصحفيين مصريين بجائزة سمير قصير لحرية الصحافة، مثل:

مقال موسم الموتى الأحياء، للصحفي بجريدة الشروق، محمد أبو الغيط، الذي نال الجائزة، عام 2014، ومقال منى الطحاوي، بـ المصري اليوم، عن العنصرية في مصر، الذي حصدها، عام 2009.

جيزال خوري

تزوج سمير قصير من الإعلامية اللبنانية جيزال خوري، بعد قصة حب دامت لأكثر من 12 عامًا، ورغم أن قصة حبهما كُللت في النهاية بالزواج، إلا أن زواجهما لم يستمر سوى لأشهر قليلة، بسبب اغتيال قصير“.

وجيزال خوري هي إعلامية لبنانية شهيرة، عملت في قناة العربية، وقدمت بها برنامجي ستوديو بيروت، و بالعربي، قبل أن تنتقل إلى قناة “BBC Arabic”، التي تقدم بها حاليًا، برنامج المشهد“.

مؤسسة سمير قصير

قررت جيزال خوري مع مجموعة من المثقفين إنشاء مؤسسة تحمل اسم سمير قصير، إيمانًا بأن شهادة سمير قصير كانت من أجل الحياة، ودعوة إلى تجديد الثقافة العربية، ورسالة يحملها الصحفي، دفاعًا عن حرية الكلمة، وسُجلت تلك المؤسسة في بيروت، في 1 فبراير 2006.

وهي عبارة عن جمعية لا تهدف الربح، تعمل في إطاري الثقافة والمجتمع المدني، من أجل نشر الثقافة الديمقراطية في لبنان والعالم العربي، وتشجيع المواهب الصحفية الجديدة والحرة، والعمل على نشر الوعي بضرورة النهضة الثقافية، والفكر الديمقراطي العلماني.

أهداف المؤسسة

كان الهدف من تدشين مؤسسة تحمل اسم سمير قصير ليس تكريم ذكراه فحسب، بل الانطلاق من تاريخه الصحفي والفكري، لمتابعة العمل والنضال من أجل الحرية والنهضة.

لذلك تعمل مؤسسة سمير قصير ضمن ثلاث أطر، هي كالآتي:

أولًا؛ جمع تراث سمير قصير ونشره، وترجمته إلى اللغات المختلفة، وتعميمه عبر النشر، والإنترنت، والوسائل المتعددة.

ثانيًا؛ العمل من أجل حرية الثقافة، عبر نشر الفكر النهضوي، والإعداد لحلقات دراسية ونشاطات علمية، وفتح المجال لكافة فئات المجتمع، للتعرف على ثقافات متعددة، وتنظيم مهرجانات فنية.

ثالثًا؛ الدفاع عن حرية الصحافة، عبر رصد الانتهاكات التي يتعرض لها الصحفيون والعاملون في المجال الإعلامي، والدفاع عن الصحفيين المضطهدين، وتعزيز المهارات المهنية للعاملين في المجال الإعلامي، كما يتضمن هذا الإطار تقديم جوائز للصحفيين الشباب باسم سمير قصير“.

سكايز

في نوفمبر2007، تأسس مركز الدفاع عن الحريات الإعلامية والثقافية سكايز، في بيروت، بمبادرة من مؤسسة سمير قصير، واُختير اسم سكايز-SKeyes” تحديدًا، لأنه يمثل اختصارًا لاسم المركز الكامل، وهو عيون سمير قصير-Samir Kassir eyes”، ويعبر هذا الاسم عن دور المركز، في كونه بمثابة عين ترصد الانتهاكات، التي تتعرض لها الحريات الإعلامية والثقافية، وتدافع عن حق الصحفيين والمثقفين في التعبير.

حيث يهدف سكايزإلى الدفاع عن الحريات الإعلامية والثقافية، في المشرق العربي، والإسهام في بلورة رأي عام عربي، يتبنى قضية الدفاع عن حرية الإعلام والثقافة.

وبدأ هذا المركز عمله، في أربعة بلدان عربية، هي: لبنان، سوريا، فلسطين، والأردن، لكون هذه البلدان هي الأقرب من مقره، في بيروت، مما يسهل عمله التأسيسي، إلا أن الموقع الإلكتروني للمركز ينشر معلومات وتقارير، تطال جميع الدول العربية، كما يسعى سكايزإلى تغطية العالم العربي بأسره قريبًا.

ربيع بيروت

في يونيو 2009، افتتحت مؤسسة سمير قصير، الدورة الأولى من مهرجان عالمي ثقافي فني، يحمل اسم ربيع بيروت؛ وهو عنوان إحدى أشهر مقالات سمير قصير، التي كتبها قبل أيام من اغتياله، ويتيح هذا المهرجان الدخول المجاني، الأمر الذي فتح المجال لكافة الناس، من مختلف المستويات المعيشية لحضوره، وفي دوراته المتتابعة سنويًا، كان لهذا المهرجان صدًا قويًا لدى الجمهور و الإعلام.

زر الذهاب إلى الأعلى