من فتاة أمية لا تُجيد القراءة والكتابة إلى مُؤسِّسة صرح صحفي عظيم خرَّج آلاف الكوادر الصحفية البارزة، وظل خالدًا يحمل اسمها حتى الآن، إنها “روز اليوسف”، التي تحل اليوم ذكرى وفاتها.

نشأتها وحياتها

ولدت فاطمة اليوسف عام 1898 لأسرة لبنانية مسلمة من مدينة طرابلس، وعاشت فاطمة اليوسف طفولة قاسية؛ حيث لم تتلق قسطًا وافرًا من التعليم، تُوفيت أمها بعد ولادتها، فأودعها والدها محمد محيي الدين اليوسف لدى أسرة مسيحية لكي تقوم برعايتها وتعليمها، وتركوها بصحبة مربيتها “خديجة”، وقبل أن تُتم السابعة من عمرها توفى والدها، ومنذ ذلك الحين تغيرت معاملة الأسرة ل”فاطمة” وتغير اسمها من “فاطمة” إلى “روز”.

ساءت الحالة الصحية لمُربيتها، الأمر الذي دفع أحد أفراد الأسرة إلى اصطحابها معه إلى البرازيل، وكانت نقطة التحول الأبرز في حياة “روز”، حينما رست السفينة التي كانت تقلهم على سواحل الإسكندرية للتزود بالوقود.

الفنانة روز اليوسف

في الإسكندرية التقت روز اليوسف بإسكندر فرج صاحب الفرقة المسرحية “الجوق المصري العربي”، الذي انبهر بجمالها، وعرض عليها الاستقرار في القاهرة، وامتهان الفن فوافقت، وكانت هذه بمثابة شهادة ميلاد جديدة لها، حيث توسعت علاقاتها بأصحاب تياترو شارع عبدالعزيز، وأخذت تتردد على المسارح إلى أن قابلت عزيز عيد، الذي كان بمثابة الأب الفني والراعي والمعلم لها، فهو من منحها أول دور مسرحي في حياتها، في مسرحية “عواطف البنين”، وكانت حينها تبلغ من العمر 16 عامًا فقط، وبعد ذلك استمرت روز اليوسف في التنقل بين الفرق الفنية، ومن هذه الفرق؛ فرقة جورج أبيض، وفرقة عبدالرحمن رشدي.

سارة برنار الشرق

التقت “روز” بالعديد من الفنانين منهم الفنان محمد عبدالوهاب، إلا أنها برزت وسطع نجمها بشكل كبير في فرقة يوسف وهبي وعزيز عيد فرقة “مسرح رمسيس”، إذ كانت بطلة المسرحيات، ونجحت نجاحًا رائعًا، لدرجة أن لقَّبها النقاد والجمهور ب “سارة برنار الشرق” نظرًا لبلوغها المجد، الذي وصلت إليه “سارة برنار” ممثلة فرنسا الأولى آنذاك، ومن فرقة يوسف وهبي وعزيز عيد انتقلت “روز” إلى فرقة “نجيب الريحاني”، التي كانت تمثل الروايات التراجيدية حينها، لكنها لم تستمر وتركت الفرقة، وبينما تمارس روز اليوسف دور البطولة في المسرحيات والأعمال الفنية، كانت تنتظرها بطولة من نوع آخر في مجال الصحافة، حيث اعتزلت عام 1925، تاركةً مجدًا كبيرًا  في المجال الفني، لتصنع مجدًا خالدًا حتى الآن في المجال الصحفي.

مجلة روز اليوسف

في أغسطس 1925 حدثت الصدفة التي أدخلت روز اليوسف مجال الصحافة، فأثناء جلستها داخل محل حلواني يدعى “كساب” مع أصدقائها محمود عزمي، وأحمد حسن، وإبراهيم خليل، دار حديث بينهم عن الفن، وتطرق الحديث إلى إشكالية الحاجة الشديدة إلى صحافة فنية محترمة، ونقد فني سليم ونزيه، في وقت كانت المجلات الفنية فيه مليئة بالإساءة والنميمة، فسألت “روز” أصدقاءها: “لماذا لا أُصدر مجلة فنية ؟”، وبالفعل على الفور استخرجت تصريحًا من وزارة الداخلية، ثم قامت بإجراء اتصال مع محمد التابعي، مُؤسس جريدة “الساعة” وجريدة “المصري”، وممثل الصحافة الجديدة.

وفي 26 أكتوبر 1925، صدر العدد الأول من مجلة “روز اليوسف”، كمجلة أسبوعية فنية أدبية مصورة، وصدر أول 10 أعداد من المجلة، وكان محتواها يتراوح بين الفن والثقافة، والأدب، لتدخل روز اليوسف بهذه الخطوة عالم الصحافة، ويصبح اسمها مرتبطًا باكتشاف نجوم الصحافة، مُؤسِّسةً دارًا صحفية عريقة تحمل اسمها حتى الآن.

اكتشاف المواهب الصحفية

جذبت المجلة نجومًا جُدد في ساحة الصحافة نظرًا لما اتسمت به من طبيعة شابة ومتمردة، كان هؤلاء النجوم وقتها لا يزالون في بداياتهم الأولى، لكن لمحت فيهم السيدة روز اليوسف مُبكرًا ملامح التفوق الصحفي، وكانت نظرتها في محلها حيث سطعت نجوم أسماء صحافية شكلت فيما بعد أعلامًا بارزة في سماء الصحافة، ومن بين هذه الأسماء، الأخوين علي ومصطفى أمين، اللذان عينتهما روز اليوسف براتب ثمانية جنيهات، ومحمد حسنين هيكل الذي عينته مقابل 15 جنيهًا شهريًا، ونجلها إحسان عبد القدوس الذي عمل مُحررًا  بالمجلة إلى أن صار رئيسًا لتحريرها.

وتمثل قصة اكتشاف موهبة الصحفي أحمد بهاء الدين، حكاية خاصة بذاتها تختلف عن باقي الأسماء السالف ذكرها، إذ كان يُرسل مقالاته للمجلة بواسطة بواب العمارة التي يقع فيها مقر المجلة، ويوجهه إلى إحسان عبد القدوس، وبعد أكثر من مقال ناجح كان يُسلمه بنفس الطريقة لبواب العمارة، طلب إحسان عبد القدوس من البواب أن يُخبر “بهاء  الدين” بطلبه للمجلة، وكان هذا هو الحدث المفصلي، الذي قلب حياة “بهاء الدين”  رأسًا على عقب، ووثقه في إحدى مقالاته كاتبًا عن مُكتشِفه:”أخذني من يدي وعرفني على السيدة روز اليوسف، واستمررت في الكتابة، وعرضوا علي أن أشتغل في روز اليوسف لكنّي رفضت، فقد كنت وقتها أعمل في مجلس الدولة ومُرشحًا للسفر إلى فرنسا لدراسة الدكتوراه التي سجلت موضوعها في جامعة السوربون بباريس، عن مرحلة من تاريخ مصر السياسي، لكن جعلتني السيدة روز اليوسف أترك كل شيء، وأُعطي حياتي كلّها للفكر والصحافة والكتابة، فقد جرفني التيار إلى مجرى الصحافة بغير رجعة”.

وكان هذا اللقاء بداية صعوده داخل “روز اليوسف”، إلى أن صار رئيسًا لتحرير مجلة “صباح الخير”، وكان وقتها أصغر رئيس تحرير، ومن روز اليوسف انتقل “بهاء الدين” إلى مضمار الصحافة المصرية والعربية، ويُذكر أنّه صاغ شعار مجلة “صباح الخير” الشهير، وهو “للقلوب الشابة والعقول المتحررة”.

كما ظهر في مدرسة “روز اليوسف” أسماءً لامعة مثل:  صلاح جاهين، كامل زهيري، لويس جريس، آمال طليمات، وعشرات غيرهم من أعلام الصحافة المصرية عبر تاريخها الطويل.
وبالإضافة إلى مساهمتها في اكتشاف العديد من المواهب الصحافية المصرية، استطاعت روز اليوسف احتضان نجوم الصحافة العربية، مثل الصحفي اللبناني الراحل سليم اللوزي الذي كانت “روز اليوسف” محطة رئيسية له في القاهرة، قبل أن يؤسس جريدته الشهيرة “الحوادث” في بيروت.

كُرهها ليوم السبت

كانت روز اليوسف تقول عبارة شهيرة دائمًا وهي “لو كان يوم السبت رجلًاً لقتلته”، ويرجع سبب كُرهها ليوم السبت إلى أنه كان يوافق يوم الصدور الأسبوعي للمجلة، واعتادت “روز” في هذا اليوم على تربُّص الحكومة بأعداد المجلة عقب وصولها للمُوزعين لمُصادرة آلاف النسخ منها، مما كان يتسبب لها في خسائر فادحة في التكاليف والطباعة والمُعلنين، ويقول المهندس عبد الصادق الشوربجي، رئيس مجلس إدارة “روز اليوسف”، لوكالة أنباء “الشرق الأوسط” عن هذا الأمر: “كان هذا ما يدفعها لتأجير تراخيص مجلات بديلة لتضع بها محتويات مجلة “روزاليوسف” التي تمت مُصادرتها، فصدرت مرة باسم “الصرخة”، ومرة باسم “الرقيب” ومرة باسم “مصر الحرة” ومرة باسم “صدى الحق”، وكانت روز اليوسف تأبى أن تستسلم لضغوط الحكومة آنذاك، والتي كانت تعارضها في انحياز تام لمبادئ المجلة وانتصارها للشعب والوطن” ، وسُحبت رخصة المجلة منها بسبب نشرها للمقالات النارية ضد الاحتلال الإنجليزي، مما أثار غضب الحكومة.

من مجلة إلى جريدة

لم تستمر مجلة “روز اليوسف” في القيام بعملها كمجلة فنية أسبوعية، فبعد السنة الثالثة من إصدارها تحولت “روز اليوسف” إلى صحيفة سياسية، وهنا بدأ فصلًا جديدًا من قصة حياة روز اليوسف، ذلك الفصل الذي كلَّف “روز” المساءلة والاعتقال في سبيل إعلاء كلمة الحق والصمود في وجه الفساد والظلم.

لم يكن الطريق سهلًا أمام مجلة “روز اليوسف” أو مُؤسستها، ففي سنة 1934 اختلفت “روز” مع محمد التابعي فاستقل الأخير عنها، ورحل معه نجوم المجلة آنذاك، مثل علي ومصطفى أمين، وجلال الدين الحمامصي، والشاعر سعيد عبده، ورسام الكاريكاتير صاروخان، وظن أغلب الناس حينها أن المجلة قد انتهت، لكن ما حدث كان النقيض تمامًا، حيث انتقلت المجلة إلى مرحلة أكثر تألقًا وازدهارًا بعدما قررت روز اليوسف إطلاق جريدة يومية إلى جانب المجلة، لتُبرهن للجميع أن اسم روز  اليوسف في عالم الصحافة لن ينطفئ وسيظل برَّاقًا حتى بعد وفاتها.

صدر العدد الأول من الجريدة اليومية في 25 مارس عام 1935، وتم إسناد رئاسة تحريرها إلى الدكتور محمود عزمي، الذي لم يستمر في منصبه كرئيس تحرير للجريدة بعد مشادة مع “روز”، فما كان منها إلا أن أتت بالمناضل السياسي عبد الرحمن بك فهمي ليكون رئيسًا لتحرير الجريدة خلفًا لمحمود عزمي، كما تشاورت “روز” مع عباس محمود العقاد ليكتب بجريدتها الجديدة رغم أنه كان يكتب في صحيفة “البلاغ” في هذه الفترة، لكن الأمر لم ينجح، حيث حدثت مناقشة شهيرة بينهما اعترض فيها العقاد على أن يكتب في جريدة اسم صاحبتها “سيدة”، ولكنه وافق فيما بعد وعمل ب”روز اليوسف”، بعدما أصبحت مؤسسة صحافية عملاقة، وكان من يكتب لديها في هذا الوقت نجيب محفوظ، الذي كان لا يزال شابًا يدرس في عامه الأول بكلية الآداب، وعائشة عبد الرحمن الملقبة ببنت الشاطئ، وفي هذا الوقت وصل توزيع الجريدة إلى 80 ألف نسخة يوميًا، وكانت تحتوي على صفحة يومية عن السينما، وصفحة أخرى للإذاعة، لكن بعد قرار تأميم الصحف الكبرى عام 1960، صدر قرار بتأميم دار “روز اليوسف” وتحويلها إلى مؤسسة قومية.

زواجها

تزوجت روز اليوسف ثلاث مرات، الأولى من المهندس محمد عبدالقدوس، والثانية من الممثل والمؤلف والمخرج زكي طليمات أحد رواد المسرح المصري، الذي رُزقت منه بابنتها “آمال”، أما الثالثة فكانت من قاسم أمين، حفيد الأديب والكاتب ومحرر المرأة قاسم أمين.

لكن الزيجة الأبرز بين هذه الزيجات الثلاثة، هي زيجتها الأولى من محمد عبد القدوس في1917، والتي قوبلت في البداية برفض من أهله، إلا أنهما نجحا في إتمام الزواج في النهاية، وفي فترة زواجهما كان “عبد القدوس” قد ترك العمل الحكومي واتجه إلى الفن حيث انخرط في فن التمثيل، أنجبت “روز” من محمد عبد القدوس الروائي الكبير إحسان عبد القدوس، الذي أصبح من أهم الأدباء العرب لاحقًا، وقام محمد عبد القدوس بأدوار مميزة في أعمال سينمائية أُخذت عن روايات من كتابة نجله “إحسان”، منها فيلم “أنا حرة”.

إحسان عبد القدوس

إحسان عبد القدوس هو نجل روز اليوسف من المهندس محمد عبد القدوس، وهو من أكثر الأدباء العرب الذين تحولت رواياتهم لأفلام ومسلسلات ناجحة على مدار أكثر من نصف قرن، فقد كان دائم الحرص على المشاركة في كتابة سيناريوهات الأعمال المأخوذة عن رواياته، حتى تجاوزت الأعمال الفنية المأخوذة عن كتاباته أكثر من 70 فيلمًا ومسلسلًا، ومن أشهر أفلامه: أبي فوق الشجرة، لا أنام، أنف وثلاثة عيون، العذراء والشعر الأبيض، إمبراطورية ميم، في بيتنا رجل، دمي ودموعي وابتساماتي، أرجوك أعطني هذا الدواء، كما كتب إحسان، 49 فيلمًا و5 مسرحيات وكتب للتلفزيون 10 مسلسلات.

في عام 1947 ومع صدور العدد الألف من مجلة “روز اليوسف”، كتب إحسان مقالاً ذيَّله بعبارة تُلخص روز اليوسف ككيان ورمز قائلًا: “ليس لجمعية روز اليوسف رئيس، ولكن لهم أم، أم ضحت وهي تُعلِّم أولادها كيف يُضحون.. أم عنيدة وهي تُعلِّم أولادها العناد.. وأم انتصرت وهي تُعلِّم أولادها كيف ينتصرون.. هي أمي.. وأمهم.. وأم كل من له رأي، وله مبدأ، وله فن”.

الكاريكتير ومنافسة “المصور”

اهتمت مجلة “روزاليوسف”، بفن الكاريكاتير ومبدعيه بشكل كبير، وكان الكاتب الصحفي والمتخصص في تراث روز اليوسف رشاد كامل يصف مجلة روز اليوسف ب”مدرسة الكاريكاتير الأولى”، حيث نافست روز اليوسف بفن الكاريكاتير مجلة “المُصور” التي كانت تتميز وتتفوق على منافسيها في هذا الوقت بتقديم الصور الفوتوغرافية، ﻷن الرسم كان أرخص من الصور الفوتوغرافية آنذاك، واستعانت المجلة في البداية برسَّام الكاريكاتير “خوان سانتيز” الذي جاء وقتها إلى مصر هاربًا من الحرب الأهلية في إسبانيا، كما رسم بالمجلة أيضًا الرسام التركي علي رفقي، لكن الفنان “صاروخان” الأرمني الأصل هو من حاز على شهرةٍ واسعة، وكانت من أبرز الشخصيات التي قدمها شخصية “المصري أفندي”، الذي اعتُبر من أشهر شخصيات الكاريكاتير في الصحافة المصرية، كما شارك الفنان الهولندي “بروفيسكي” في تقديم فن الكاريكاتير بالمجلة، الأمر الذي جلب قضايا عدة لاحقت المجلة.

تجسيد قصة حياتها

رحلت روز اليوسف عن عالمنا، في 10 أبريل 1958، وفي عام 1999 ظهر أول فيلم تسجيلي عن روز اليوسف، من كتابة وإخراج السينمائي القدير محمد كامل القليوبي، وكانت مدة الفيلم 56 دقيقة، تناول فيها الفيلم قصة حياة روز اليوسف من خلال عيون من حالفهم الحظ وعرفوها وعملوا معها.

خلال حياتها، منعت روز اليوسف إصدار أي عمل يخص سيرتها الذاتية، لكن بعد وفاتها رفعت أسرتها هذا الحظر لإصدار الفيلم، وعقب عرض الفيلم لاقى أصداءً واسعة وقوبل بترحابٍ كبير، لدرجة أن طلب سينمائيون وصحفيون من “القليوبي” صنع جزء ثانٍ منه، نظرًا لكونه يُعد أول تقييم سينمائي لهذه الشخصية الأسطورية، تلك السيدة التي جاءت من الشام، وصنعت تاريخًا في الحياة الثقافية والفنية والسياسية في مصر.. “روز اليوسف”.