عندما تطالع صورتها للوهلة الأولي تجد نفسك أمام إمرأة جميلة، ذات وجه بشوش، يملؤه الحب، يشعرك بطيبة وحنان، وإذا كنت حليف الحظ وشاهدت برنامجها الشهير” كلام نواعم” على قناة MBC يومًا ما حتما سيصلك نفس الاحساس بأنها مثل أمهاتنا.

هي” ماما فوزية” مثلما أطلق عليها بعض تلاميذها، نالت محبة الصغير والكبير، دأبت طوال مشوارها الإعلامي الذي امتد لنصف قرن من الزمان على أن تكون صوتًا للمستضعفين، وقِبلة للحائرين، تناقش قضاياهم، وتعالج مشكلاتهم ـ بجرأة ـ عرضها ذلك للنقد والذم مرات ومرات، لم تنكسر شوكتها، بل مضت في طريقها حتى النهاية غير عابئة بهذا أو ذاك.
وحرصًا منه على توثيق أثر كل من مر في بلاط صاحبة الجلالة من القديم وحتى اليوم، يقدم المرصد المصري للصحافة والإعلام مقتطفات من حياة عميدة النواعم، الصحفية والإعلامية الراحلة “فوزية سلامة” والتي تمر اليوم ذكرى ميلادها الـ 76.

النشأة
ولدت فوزية سلامة في حي شبرا بالقاهرة، في الخامس عشر من يونيو عام 1944، لأسرة متوسطة الحال، عانت كثيرًا من تزمت وتشدد والدتها وأشقاؤها الذكور بخلاف والدها ـ المتفتح ـ والذي ساعدها على استكمال دراستها في الخارج رغم أنف الجميع، وعنه قالت:” بابا كان عنده طموح عالي جدا، وكان محب للتعليم.. يعني أي فرصة للتعليم ماكنش يرفضها أبدًا “.

الدراسة
التحقت” فوزية” بكلية الآداب قسم اللغة الانجليزية في جامعة عين شمس، وتخرجت منها في أواخر الستينات، حالفها الحظ عندما وقع الاختيار عليها للسفر في بعثة إلى انجلترا وهي في سن الـ 21، لاستكمال دراستها في الأدب الانجليزي.

ربما قرار السفر الذي أيده والدها في ذلك الحين كان السبيل الوحيد أمامها كي تتنفس الحياة، لكنها لم تستشعر عواقب ذلك إلا عندما وطأت قدميها أرض المطار وهناك أجهشت بالبكاء عندما لم تجد أحد من إدارة البعثات في انتظارها كما كانت تُمني نفسها، ولم ينقذها في هذا الموقف سوى العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ، الذي تصادف وجوده في المطار خلال تلك اللحظة، وعن ذلك اللقاء ذكرت فوزية سلامة تفاصيله خلال مقابلة تليفزيونية، حيث قالت:” جلست أبكي في المطار لشدة خوفي، وحينها وجدت الراحل عبد الحليم حافظ قد رأى دموعي وأشفق على حالي، فتقدم إلي ليسألني لماذا أبكي، خاصة أن ملامحي العربية لفتت نظره، وعلق يومها كيف يستطيع الناس إرسال أولادهم هكذا، وقد أثار حفيظتي تعليقه، خاصة أنني كنت وقتها أعتبر نفسي راشدة، غير أنني بلعت غروري أملًا في نجدته”.

وتابعت: يومها رافقت عبد الحليم حافظ ومعه محمد فؤاد حسن إلى الفندق؛ حيث حجز لي غرفة ورتب أموري، وفي اليوم الثاني ذهبت إلى مكتب البعثات، وحين عدت لأدفع إيجار الغرفة، وجدت أنه دفع الحساب ولم أرى وجهه مرة أخرى”.
وأنهت سلامة حديثها قائلة: “لم أدرك أهمية مساعدة لقاء عبد الحليم، حتى إني فكرت آنذاك كيف سأخبر والدتي بالأمر، وهل ستصدقني؟”.

حصلت “فوزية” على درجتي الماجيستير والدكتوراه من كلية “ترينتي دبل” البريطانية.

الصحافة
شغُفت فوزية سلامة بالكتابة وهي في سن صغيرة، وسط استنكارات المحيطين بها خاصة الأم، حيث قالت في إحدى لقاءاتها التليفزيونية أنها من عمر السابعة وهي تشعر في قرارة نفسها أنها تريد أن تكتب، لكنها كانت تصطدم بفكر الأسرة المتشدد باستثناء الأب الذي كان دائم المساندة والدعم لها، بشكل دفعها وهي في سن المراهقة إلى مراسلة إحدى المجلات الأدبية التي كانت تكتب لصالحها بعض القصص والروايات.

تبدل الوضع قليلا بعد تخرجها وسفرها إلى الخارج، ففي تلك الأثناء كانت في حاجة ماسة إلى العمل بجانب دراستها، للوفاء بمتطلبات المعيشة الصعبة، دفعها ذلك إلى التقدم للعمل كمترجمة في إحدى دور النشرـ العربية ـ التي كانت قد انتقلت إلى لندن مع بداية الحرب الأهلية اللبنانية.

وبعد فترة من العمل لاحظ رئيس التحرير امتلاكها حس صحفي قوى، فقرر تدريبها، وهكذا انتقلت من الترجمة إلى العمل الصحفي، حيث استقطبها العمل في صحافة المهاجر منذ عام 1977، فتنقلت بين عدد من المطبوعات العربية الشهيرة في تلك الفترة، من بينها: صحيفة” العرب” اللندنية، ثم” الظهيرة” المسائية، مرورًا بعملها في مجلة الشرق الأوسط والتي تغير اسمها فيما بعد لـ”الجديدة”، وبعدها حالفها الحظ وانضمت للعمل في مجلة “سيدتي” ـ الصادرة عن الشركة السعودية للأبحاث والتسويق ـ حيث شغلت فيها منصب نائب رئيس تحرير بعد أقل من عام على وجودها هناك، إلى أن تولت رئاسة تحريرها في مطلع عام 1983 خلفًا لـ”فاتنة شاكر” التي كانت قد تقدمت باستقالتها وقررت حينها العودة إلى السعودية موطنها الأصلي.
يذكر أن في هذه الفترة أُسند إلى الإعلامي”عماد الدين أديب” مهمة تيسير العمل بعد” فاتنة” لكنه آثر ترك رئاسة التحرير لـ” فوزية” خاصة مع انتقاله للعمل في مجلة ” المجلة”.

وعن قصة لقاءه الأول معها، حكى ” أديب” أنه ترجل مسرعًا داخل مبنى “سيدتي” بشارع جوف سكويير المتفرع من شارع مليت استريت الشهير بلندن، لارتباطه بموعد كان قد حُدد مسبقا مع” فوزية سلامة”، وعن ذلك قال:” كان موعدنا الأول، موعد بين رئيس التحرير الجديد لمجلة سيدتي ونائبة رئيس تحرير المجلة،

“أهلًا برئيس التحرير الجديد”، هكذا بادرتني في ابتسامة طفولية محببة، ثم عادت وقالت في تلقائية شديدة:” تشرب شاي؟”
وقبل أن أجيب عليها عادت وقالت:” أوعى تقول لأ؛ لأن أنا أحسن واحدة باعمل شاي مصري”.

ظلت فوزية سلامة تحرر صفحة المشاكل في مجلة “سيدتي” حتى بعد تركها المنصب، حيث كانت ترد على مشاكل القارءات وتقدم لهن النصيحة.

التليفزيون
لم يمنعها حبها للكتابة من العمل في الإذاعة أو التليفزيون، حيث شاركت في عدد من برامج القسم العربي لهيئة الإذاعة البريطانية، وانضمت إلى أسرة برنامج “صباح الخير يا عرب”، رغم معارضة القائمين على إدارة مجلة” الشرق الأوسط” وقتها واستمر الرفض لمدة 4 سنوات كاملة إلى أن تقدمت باستقالتها، فهي دائمًا ما كانت تردد أن الشاشة لها جاذبية خاصة تميزها عن باقي الوسائل الأخرى.

نالت” فوزية” شهرة واسعة أضيفت إلى رصيدها المهني الكبير عندما اشتركت مع مذيعات أخريات هن: “فرح بسيسو، ورانيا برغوث، وهبة جمال” في تقديم برنامج “كلام نواعم”، على قناة” MBC” ، رغم فارق السن الكبير بينها وبينهم، فكان المحطة الأخيرة في مشوارها الإعلامي.

ولحبها في الكتابة؛ حرصت” فوزية سلامة” على أن تكتب مقالا أسبوعيا كل خميس في صحيفة “الشرق الأوسط”، كان آخره في العاشر من يوليو عام 2014 قبل أيام من وفاتها، حيث وصفت (الصحافة المكتوبة) في إحدى لقاءاتها التليفزيونية بأنها ” حبها الأول وإحساسها الدائم بالحياة”.

أبناء مبارك
تعرضت” فوزية سلامة” خلال مسيرتها الصحفية إلى انتكاسات أثرت بالسلب عليها، ففي السابع والعشرين من مايو عام 1997 نُشر إعلان في”الشرق الأوسط” والتي كانت رئيسًا لتحريرها، لغلاف مجلة” الجديدة”، فكان من ضمن العناوين البارزة، عنوان شائك لمقال نشر وقتها كتبه الصحفي سيد عبد العاطي، تناول فيه تجاوزات ارتكبها أبناء الرئيس الأسبق مبارك، علاء وجمال، حيث تسبب المقال في إحالتها لمحكمة جنح عابدين مع سكرتير التحرير وكاتب المقال، وترددت شائعات وقتها عن منعها من دخول مصر، وبعد سنوات من حدوث تلك الواقعة حكت فوزية سلامة خلال لقاءها التليفزيوني في برنامج” ضد التيار” مع اا`علامية وفاء الكيلاني، كواليس الواقعة، إذ وصفت سيد عبد العاطي صراحة بـ”الكاذب” حينما فوجئت بأقواله في التحقيق بأنها هي من طلبت منه كتابة الموضوع، قائلة: “اللي حصل هو إننا في المجلة قررنا نعمل سلسلة لقاءات مع أبناء الرؤساء، ولضيق الوقت وارتباطنا بمواعيد نشر، اقترح الصحفي سيد عبد العاطي انه ممكن يعمل حاجة عن علاء وجمال مبارك، كنت متصورة إنه هيعمل مثلًا موضوع اجتماعي كدا خفيف عنهم عن هواياتهم، مشروعاتهم، بيروحوا نادي ايه، حبهم لكرة القدم وما إلى ذلك، لكن لم أتصور إنه يكتب اللي كتبه مع إنه على حسب ما ذكر لي وقتها كان دا تجميع من صحف مصرية، ولأننا كنا مزنوقين في الوقت وافق سكرتير التحرير على ضم المقال ونشره بعد عمل التعديلات اللازمة عليه، ومشينا الموضوع على أساس إن لو فيه حاجة مش مظبوطة فأصحاب الشأن ممكن يكلمونا مثلًا بس طبعًا نار جهنم الحمرا اتفتحت علينا، وكان من نتيجة دا إني فقدت وظيفتي وقعدت في حالة عزلة تامة وذهول من اللي حصل وابتعدت عن وسائل الاعلام”، مضيفة أنها لم تسلم من هجوم البعض، من بينهم مستشارًا يعمل لدى إحدى المحاكم وقتها اتهمها بـ”الردة” لأنها تطاولت على أبناء مبارك.

حياتها الشخصية
تزوجت” فوزية سلامة” مرتين، فالزواج الأول لم يدم سوى سنوات قليلة، رزقت خلاله بابنتها الوحيدة “عبلة”، ومع اشتداد الخلافات بين الزوجين قررا الانفصال لكن دون طلاق رسمي، قرر هو شد الرحال إلى مصر، وظلت هي في انجلترا مع ابنتها، استمرت على هذا الوضع لمدة 10 سنوات كاملة حتى لا تكون في نظر المجتمع” مطلقة” وكي لا يؤثر ذلك على ابنتها بأي حال، عندما كبرت الإبنة وأدركت الوضع القائم منذ سنوات قررت أن تنهي المسألة.

وعن طليقها قالت” فوزية” في لقاء تليفزيوني: “مظلمنيش، دا له الفضل في إني أبقي أم”، معتبرة أن لقب” زوجة” يمنح للمرأة العربية حصانة في المجتمع خاصة اذا كانت أم لبنت، على عكس “المطلقة” التي تعتبر في نظرهم بضاعة مستعملة وموضع شبهة، مشيرة إلى أنها لم تطلب الطلاق إلا بعد أن أذنت لها ابنتها.

وفي إحدى حلقات برنامج كلام نواعم، باحت سلامة بمقتطفات من قصة حياتها وقالت: “الحب في الشباب غير الحب بعد الخمسين، فزوجي الأول -رحمه الله- تجسدت فيه كل أحلام الصبا، فكان رجلًا جميلًا، بطل كمال أجسام ودمه خفيف وكريم، فيه كل الصفات التي تحلم بها البنت، تدريجيًا بدأت أشعر أن تلك الصفات لا تشكل أساسًا متينًا للزواج، ومن هنا بدأ الاختلاف”، وأضافت: “استمر الزواج 18 عامًا؛ ورزقنا بإبنة، ولكن عدم التجانس الكامل، وضع لعلاقتنا الزوجية حدًا، وانفصلنا في نهاية المطاف ولكن بود”.

وعن زواجها الثاني، قالت: “وبعد 10 سنوات، التقيت بزوجي الثاني، وجلسنا نتحدث مع بعضنا 3 ساعات في أول لقاء، فأحببت عقله وتفكيره، بهرني بعلمه وبأخلاقه وطيبة قلبه، وقررت أن أتزوجه، وحينما طلب مني الزواج قلت له “اطلبني من بنتي”، ووافق على ذلك وتوجه إليها، وهي سألته “عايز تتجوز أمي ليه؟” فقال لها لأنني أحترمها وأتوقع أننا سنقيم عائلة، وتزوجنا فعلًا ونحن الآن نعيش حياة سعيدة للغاية”.

ماما فوزية
لقب اشتهرت به في الأوساط الإعلامية، فهي”أم” للجميع، فالأمومة في نظرها حب وعطاء، وعن ذلك قالت: “السن طبعًا له عامل، والشكل كمان.. أنا شكلي ماما وأنا سعيدة بكدا، أنا من جوايا عايزة أفتح ايديا وأحضن كل الناس، أشعر أن هذا اللقب (وسام) وأحلى لقب عندي لما يقولولي يا (أم عبلة).. لما حد يقولي يا ماما أحسن ما يقولي يا أستاذة أو مدام، بحس إن دي فعلًا حاجة تشرفني”.

رغم مرورها بتجربة الانفصال واستكمالها تربية ابنتها الوحيدة “عبلة” بمفردها، فقد استطاعت فوزية سلامة أن تؤدي دورها كأم وامرأة عاملة في آنٍ واحد دون تقصير، إذ اتبعت أسلوبًا خاصًا في تنشئة ابنتها على قيم وتقاليد الدين الإسلامي بلا تشدد، تفاديًا لتكرار ما حدث معها من جانب والدتها التي كانت دائمة التعنيف والتضييق على تصرفاتها بشكل أفقدها الثقة في نفسها.

المرض
في مارس عام 2013، أصيبت فوزية سلامة بمرض سرطان البنكرياس، وخضعت لجراحة استئصال عضو البنكرياس كاملًا لمنع تفشي الخلايا السرطانية في أعضاء أخرى بالجسم، وبعدها داومت على العلاج الكيميائي، واضطرت على إثر ذلك إلى إعلان توقفها عن المشاركة في تقديم برنامج “كلام نواعم”.

وعن محنة مرضها قالت: “أنا مؤمنة بالله ومؤمنة إن كل إنسان له قدر في الدنيا وربنا رحيم بيا أكتر من نفسي”.

وفاتها
توفيت الإعلامية الكبيرة فوزية سلامة يوم الاثنين الموافق 28 يوليو 2014 ، في أول أيام عيد الفطر لعام 1435هـ، بعد معاناتها الطويلة مع المرض.

وعقب آخر جلسة علاج لها كتبت مقالًا بعنوان: “خلاص.. خلاص.. خلاص” وصفت فيه حالتها الصحية قائلة: ” وارتدت بي الذاكرة إلى بداية المشوار، إلى تورم الساقين، واصطكاك الأسنان، والعزوف عن الطعام، وفقدان حاسة التذوق، واختفاء وميض العينين، واكتساب الوجه لونًا طينيًا جعل من المرايا عدو الداء”.