يوم الصحفي المصري.. هكذا كانت الملحمة

قبل 27 عامًا، مرر مجلس الشعب فى 27 مايو عام 1995، القانون رقم 93 الخاص بتنظيم الصحافة والذى اشتهر إعلاميا بأسماء متعددة منها قانون “حماية الفساد” وقانون “اغتيال الصحافة”، وصدق عليه الرئيس الراحل محمد حسنى مبارك حينها فى ذات الليلة، وخاض مجلس نقابة الصحفيين بقيادة النقيب إبراهيم نافع آنذاك معركة شرسة لإسقاط القانون، وانعقدت الجمعية العمومية غير العادية فى العاشر من يونيو 1995، وظلت فى حالة انعقاد مستمر لمواجهة القانون الذي وضع قيودا غير مسبوقة على الحريات الصحفية، وشهدت النقابة أكبر حركة احتجاجات على مدى تاريخها وغطى الصحفيون جدران نقابتهم بالرايات السوداء، وتوالت مبادرات الغضب واحتجبت الصحف الحزبية، وقررت بعض الصحف تنظيم حركات اعتصام بكامل محرريها بحديقة النقابة.

وبعد انتصار الجماعة الصحفية فى هذه المعركة، تم اعتبار العاشر من يونيو يومًا للصحفي المصري.. فتعالوا بنا فى السطور التالية، نتعرف على معركة الصحفيين مع القانون رقم 93 الخاص بتنظيم الصحافة من البداية للنهاية.

بدأت المعركة عندما استدعت اللجنة الدستورية والتشريعية لمجلس الشعب أعضاءها بشكل عاجل يوم 27 مايو 1995 ودون إخطارهم بطبيعة الأمر، وبعد ساعات تم تمرير قانون تنظيم الصحافة، ووقعه رئيس الجمهورية فى الليلة نفسها، ونشر فى الجريدة الرسمية يوم 28 مايو تحت رقم 93 لسنة 1995.

فى أول رد فعل لهم على القانون، قرر أعضاء مجلس نقابة الصحفيين، عقد اجتماع طارئ يوم 29 مايو 1995، وكان النقيب إبراهيم نافع فى مهمة خارج مصر، كما حالت ظروف طارئة رئاسة جلال عيسى النقيب بالإنابة للاجتماع، فتولى الصحفي محمد عبدالقدوس الوكيل الثاني رئاسة الاجتماع، واتخذ المجلس مجموعة من القرارات التى حكمت مسار المواجهة، ومنها الدعوة لعقد جمعية عمومية طارئة فى 10 يونيو يسبقها مؤتمر عام للصحفيين فى الأول من يونيو والبدء فى اعتصام احتجاجي يوم 6 يونيو .

 

كان أداء مجلس النقابة آنذاك استثنائيًا في إدارة هذه الأزمة بكل المقاييس واستطاع أن يأخذ زمام المبادرة في قيادتها وجعل دعوته لحضور الجمعية العمومية قوةً مضافة له، لادراكه المبكر ومن اللحظة الأولى أنه لن يستطيع أن يتجاوزها دون ظهير .

وشهدت نقابة الصحفيين، فى هذا العام أكبر حركة احتجاجات وقتها، وغطى الصحفيون جدران نقابتهم بالرايات السوداء، ونشروا قائمة سوداء بأسماء النواب الذين تزعموا تمرير القانون، وأقاموا جنازة رمزية شيعوا فيها حرية الصحافة.

ووسط تعبيرات الغضب والرفض التي تزايدت وتيرتها فى الصحف، وفى مقالات كبار الكتاب، ومبادرات التضامن والتأييد من كل حدب وصوب، أرسل نقيب الصحفيين يحيى قلاش عضو مجلس النقابة آنذاك، رسالة إلى الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل قبل انعقاد الجمعية العمومية لنقابة الصحفيين في 10 يونيو 1995، وقال له “مازلنا ننتظر كلمتك”، ففوجئ باستدعاء هيكل له في منزله بالجيزة، بعد أن عاد خصيصا من منزله في برقاش، وقاله له هيكل حينها “لقد طلبت رسالتي، وهاهي رسالتي وأنت مؤتمن عليها”.

وتلى قلاش كلمة هيكل على جميع الصحفيين في الجمعية العمومية، وكان لهذه الكلمة تأثير مدوي على كل المستويات، على مستوى الجمعية العمومية، وعلى مستوى الشحن الإيجابي والطاقة الإيجابية للجمعية العمومية التي استمرت بزخم هذه الكلمة لمدة عام كامل.

وتوالت مظاهر الغضب، واحتجبت صحف الوفد والشعب والأحرار يوم الجمعة 2 يونيو، والحقيقة السبت 3 يونيو، والأهالى الأربعاء 7 يونيو، وقررت بعض الصحف الاعتصام بكامل محرريها بحديقة النقابة، كما عقد رؤساء أحزاب وتحرير الصحف الحزبية وبعض الصحف الخاصة اجتماعا بحزب الوفد، مساء الإثنين، 29 مايو الذى تقرر فيه تنظيم احتجاب الصحف.

عقد رؤساء أحزاب المعارضة مؤتمرا صحفيا ظهر الأربعاء 31 مايو، اجتماعا لرؤساء تحرير صحف المعارضة الأربعاء 7 يونيو اتفقوا فيه على مواصلة الحملة على الفساد، ثم الأربعاء 14 يونيو أعلنوا فيه الالتزام الكامل بقرارات الجمعية العمومية للصحفيين، وفى 18 يونيو عقد مؤتمر حاشد بمقر حزب الوفد شاركت فيه كل القوى الديمقراطية.

وأمام الضغوط العاتية والمقاومة المتصاعدة ووحدة الصحفيين وتماسكهم والتفافهم حول نقابتهم، تحول الأداء الرسمى للحكومة من العناد إلى الارتباك، ثم بدأ مسار البحث عن حل، وتسلم الدكتور أسامة الباز ملف الأزمة، وبدأ اتصاله فى الكواليس بعدد من كبار الصحفيين والنقابيين للبحث عن صيغة للخروج من هذه الأزمة.

وتمت دعوة مجلس النقابة للقاء عدد من المسؤولين، فالتقوا وزير الداخلية الثلاثاء 13 يونيو، ثم وزير الإعلام السبت 17 يونيو، ثم الرئيس مبارك فى 21 يونيو، وكان هو اللقاء الأول، حيث تم لقاء ثانٍ فى يونيو 1996 حضره مع النقيب وأعضاء المجلس وكل النقباء والنقابيين السابقين، وكان فى مقدمتهم كامل زهيرى نقيب النقباء، وشيخ الصحفيين حافظ محمود.

وظلت الجمعية العمومية فى حالة انعقاد مستمر لنحو عام، وتم الدخول في سيناريوهات حل الأزمة، ومعها بدأت المناورات الحكومية والرهان على انحسار موجة الغضب، لكن الجمعية بكل تنوعها سهرت على رعاية قراراتها وتحقيق هدفها الرئيسى بإسقاط القانون.

واستغلت نقابة الصحفيين مساندة قوى كثيرة لها، ونوّعت فى وسائل حركتها، فأعدت مشروع قانون بديل دخلوا به مواجهة مع لجنة مشتركة أغلب عناصرها حكوميون، ثم عُقد المؤتمر العام الثالث للصحفيين فى سبتمبر 1995 والذى خرج بتوصيات مهمة لملامح الخطوط العريضة لأى مشروع بديل، يمكن أن يقبله الصحفيون، وصمموا استبيانات ووزعوها على المرشحين لعضوية البرلمان لمعرفة اتجاهاتهم إذا دخلوا البرلمان من هذا القانون، وكان إعلان نتائجه دعمًا وانتصارًا لمطالب الجماعة الصحفية.

وخاض عدد من الصحفيين جولات مع كامل زهيرى، إلى عدد من دوائر النواب الذين رفضوا القانون وأعادوا ترشيح أنفسهم فى الانتخابات، لإعلان تضامنهم معهم ومنحهم شهادات تقديرية باسم النقابة لدعمهم حرية الصحافة.

وعندما بلغت ألاعيب الحكومة ذروتها فى الالتفاف على الحلول التى كان يتم التفاهم أو الوصول لها قرر مجلس النقابة تصعيد المواجهة وتقديم استقالة جماعية وأعلن إبراهيم نافع، الذى انحاز لإرادة الصحفيين انضمامه إليهم فى اجتماع للجمعية العمومية. وتأزم الموقف وهنا تحدد اللقاء الثانى مع رئيس الجمهورية وبدا طريق انفراج الأزمة، وتم إلغاء القانون المشبوه بصدور القانون ٩٦ لعام ١٩٩٦.

#يوم_الصحفي_المصري
#نقابة_الصحفيين
#ذكرى_معركة_القانون_رقم_93_لسنة_95

*****
المصدر
يحيى قلاش يكتب: انتصار العاشر من يونيو فى نقابة الصحفيين: يوم هزيمة أكبر محاولة لإدخال المهنة إلى بيت الطاعة
https://www.almasryalyoum.com/news/details/1147150
صفحات من تاريخ «صاحبة الجلالة»
https://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=14072018&id=d1a8d09b-843f-4f61-91c7-e45d4856cd6e

زر الذهاب إلى الأعلى