بروفايل
أشرف شرف من شغف مبكر بالمهنة إلى 20 عامًا صنعت اسمه في الصحافة الفنيَّة

في مسار لا تحكمه المصادفات بقدر ما تصنعه اختيارات مبكرة ووعي جاد بطبيعة المهنة، يقدّم أشرف شرف نموذجًا لصحفي تشكّلت أدواته خارج القوالب التقليدية، لم يمر عبر بوابة الدراسة الأكاديمية للإعلام لكنه صنع بديله بالقراءة الكثيفة والاحتكاك المباشر بالمهنة، منذ سنواته الأولى انحاز للصحافة باعتبارها فعلًا يوميًا لا مجرد وظيفة فبنى خبرته تدريجيًا عبر التجربة والتراكم حتى رسّخ اسمه داخل واحد من أكثر المجالات تنافسًا وهو الصحافة الفنية، بين الحوارات الخاصة والانفرادات اعتمد على شبكة علاقات واسعة ومصداقية واضحة منحته حضورًا ثابتًا داخل الوسط وجعلت من تجربته مسارًا مهنيًا قائمًا على الاجتهاد أكثر من أي امتيازات مسبقة.
وُلد أشرف شرف في صعيد مصر، وفي سن مبكرة تشكّل وعيه على هدف واحد لا يتغير أن يصبح صحفيًا، لم يكن ذلك مجرد ميل عابر، بل قرار مبكر حسم اختياراته التعليمية رغم كل الضغوط، في مرحلة الإعدادية، وبين تفوقه الدراسي الذي وضعه ضمن أوائل الطلبة، حدد مساره بوضوح، رافضًا الانسياق وراء “كليات القمة” التقليدية، ومُصرًا على الالتحاق بكلية الإعلام، حتى وإن قاده ذلك إلى مواجهة اعتراضات المحيطين به، اختار القسم الأدبي عن قناعة، مدفوعًا بشغفه بالكتابة والقراءة، لا باعتبارات المجموع أو المستقبل التقليدي.
لم تتحقق رغبته في دراسة الإعلام لأسباب خاصة، فالتحق بكلية الآداب – قسم اللغة الفرنسية – بجامعة أسيوط، لكن ذلك لم يغير من بوصلته، ظلّ اهتمامه الحقيقي منصبًا على الكتابة، فكان يقضي ساعات طويلة في القراءة، بين كتب الإعلام والروايات، حتى صار ذلك نمط حياة أقرب إلى الانضباط الذاتي، داخل الجامعة، كتب القصة والشعر، وواصل تطوير أدواته بعيدًا عن الإطار الأكاديمي الذي لم يكن يعبر عن طموحه الحقيقي.
تشكلت ملامح وعيه المهني مبكرًا، وكان للناقد الكبير رجاء النقاش أثر بالغ في ترسيخ حبه للصحافة، باعتباره نقطة تحول حقيقية في نظرته للمهنة، إلى جانب ذلك، لعبت أسرته دورًا مؤثرًا في دعمه؛ فوالده كان حريصًا على توفير الصحف يوميًا مهما كانت الظروف، بينما ظلّ دعاء والدته – كما يصفه – حاضرًا في كل محطة من رحلته، يفسر به كثيرًا من اللحظات التي بدت له كأنها “قبول غير مفهوم” أو مساندة تأتي من أشخاص لم يعرفهم من قبل.
بدأ أشرف شرف مسيرته المهنية فعليًا في الصحافة عام 2007، متنقلًا بين تجارب محدودة في البداية، قبل أن يستقر في العمل بالإذاعة والتلفزيون لمدة عامين. في عام 2010، انضم إلى جريدة “الفجر”، التي شكّلت المحطة الأهم في مسيرته، حيث استمر بها نحو عشر سنوات، رسّخ خلالها حضوره كصحفي فني صاحب بصمة واضحة، كما خاض تجارب أخرى في مواقع وصحف فنية، من بينها “وشوشة”، دون أن يكون من الصحفيين كثيري التنقل، بقدر ما كان حريصًا على التراكم داخل مساحات عمل محددة.
من اللحظات الفارقة في بداياته، موقفه مع الكاتب الصحفي ياسر رزق، حين بادر بالاتصال به طالبًا فرصة، ليُطلب منه إعداد موضوع صحفي، وعندما علم رزق أنه ليس خريج إعلام، أبدى دهشته من قدرته على الكتابة الاحترافية، وهي لحظة ظلّت راسخة في ذاكرته، بوصفها اعترافًا مبكرًا بموهبته التي صقلها بالقراءة والاجتهاد الذاتي، حسب ما وصف، يقول: أدين بكثير للراحل ياسر رزق فهو من نصحني في بداياتي وأعطاني قواعد مهنية أسير عليها حتى يومنا هذا.
في الصحافة الفنية، صنع أشرف شرف مسارًا قائمًا على “الانفرادات” وبناء العلاقات، فأجرى حوارات مع رموز بارزة، على رأسهم عادل إمام، الذي ترك لديه انطباعًا خاصًا بقدرته على الجمع بين الكوميديا والهيبة، واهتمامه بالتفاصيل الدقيقة داخل موقع التصوير.
شكّلت تجربته مع فاتن حمامة واحدة من أبرز محطات مسيرته المهنية وأكثرها خصوصية حيث لم تكن مجرد حوار صحفي عابر بل اختبار حقيقي لمهنيته وقدرته على الوصول إلى مناطق إنسانية دقيقة لدى شخصية بحجمها جاءت الفرصة عبر مكالمة هاتفية أبدت فيها فاتن حمامة إعجابها بحوار صحفي أعده عن نجل عمر الشريف، تواصلت معه بنفسها بعد ذلك الحوار لتعبّر عن تقديرها لأسلوبه وأمانته في نقل الحديث لكنها في الوقت نفسه أبدت عتابًا واضحًا على اختيار صورة بعينها للنشر معتبرة أنها لا تعبر بدقة عن السياق وهو موقف يكشف حساسية التعامل مع الرموز الكبرى ويؤكد أن الثقة لا تلغي التدقيق وأن التفاصيل الصغيرة قد تكون فارقة في علاقة الصحفي بمصدره.
امتدت قائمة حواراته لتشمل أسماءً بارزة وشخصيات بعيدة عن الأضواء، مثل زوجات رموز ثقافية وفنية، من بينهم زوجة أنيس منصور وزوجة صالح سليم.
كما خاض تجارب حوارية مختلفة، مثل اللقاء الذي جمعه بالمخرج مروان حامد، الذي اعتبر أسلوبه في طرح الأسئلة مادة مناسبة لبرنامج تلفزيوني، في شهادة يعتز بها، وكذلك حواره مع المخرج شريف عرفة، الذي كسر فيه النمط التقليدي للحوار عبر تقديمه في شكل “لعبة”، مستفيدًا من فهمه لطبيعة الشخصية التي يحاورها.
اعتمد أشرف شرف في مسيرته على بناء شبكة واسعة من المصادر، لم تأتِ فقط من خلال العلاقات التقليدية، بل عبر الحضور المستمر في مواقع التصوير، والسعي المباشر للتواصل، وتوسيع دوائر المعرفة، يرى أن هذا التراكم، إلى جانب الالتزام بالمصداقية، هو ما منحه ثقة الوسط الفني، في وقت أصبحت فيه الثقة عملة نادرة في الصحافة الفنية.
يؤمن بأن التحول الأكبر في المهنة جاء مع صعود وسائل التواصل الاجتماعي، التي غيّرت شكل العلاقة بين الصحفي والفنان، وأضعفت دور الوسيط التقليدي. ورغم ذلك، يظل متمسكًا بفكرة أن الصحفي الجيد يمكنه أن يفرض حضوره عبر جودة المحتوى، لا مجرد الوصول إلى المعلومة.
يرى أشرف شرف أن التحول الأكبر الذي أصاب الصحافة الفنية خلال العشرين عامًا الأخيرة يرتبط بصعود وسائل التواصل الاجتماعي التي أعادت تشكيل قواعد اللعبة بالكامل ففي الماضي كانت العلاقة بين الصحفي والفنان قائمة على احتياج متبادل حيث كانت الصحف هي المنصة الأساسية لنقل الأخبار والتصريحات وكان الفنان ينتظر ما يُكتب عنه ويرد عليه ببيانات أو توضيحات أما اليوم فقد أصبح الفنان يمتلك منصته الخاصة التي يتواصل من خلالها مباشرة مع الجمهور دون وسيط وهو ما قلّص من دور الصحفي التقليدي بشكل واضح.
هذا التحول في وجهة نظر أشرف شرف لم يقتصر على شكل النشر فقط بل امتد إلى طبيعة العلاقة نفسها حيث يرى أن السوشيال ميديا كشفت ووسّعت مساحة التوتر الخفي بين الصحفيين والفنانين وأبرزت جوانب سلبية لدى الطرفين كما ساهمت في تراجع قيمة الخبر الصحفي لصالح السرعة والانتشار وهو ما انعكس بدوره على مستوى المحتوى والمصداقية وجعل المنافسة أكثر صعوبة في ظل جمهور لم يعد ينتظر الجريدة بقدر ما يتابع ما يُنشر لحظة بلحظة.
على مستوى القيم المهنية، يختصر تجربته في نصيحة تلقاها من ياسر رزق: احترم نفسك، تحترمك الناس. وهي القاعدة التي يعتبرها الأساس في تعامله مع مصادره، حتى لو كلّفه ذلك خسارة بعض الفرص. بالنسبة له، خسارة مصدر أفضل من خسارة المصداقية.
رغم ما حققه من حوارات وانفرادات، لا يزال ينظر إلى تجربته باعتبارها مشروعًا مستمرًا، يطمح من خلاله إلى الحفاظ على اسمه، وتوسيع حضوره، وربما إطلاق منصة أو برنامج خاص يروي من خلاله كواليس رحلته، التي يراها مليئة بتفاصيل لم تُحكَ بعد.



