بروفايل

منى الحسيني حكاية صوت اختار الناس وواجه ما تجنبه الآخرون

من قلب القاهرة، حيث تختلط الذاكرة بالحكايات، خرجت منى الحسيني لتصنع مسارًا مختلفًا في الإعلام المصري، قائمًا على الجرأة والصدق والاقتراب الحقيقي من الناس، لم تكن مجرد مذيعة تعبر الشاشة، بل صوتًا حمل قضايا المجتمع إلى العلن، وطرح الأسئلة التي تجنبها كثيرون، وبين برامج ترفيهية خفيفة وأخرى سياسية شائكة، نجحت في تحقيق معادلة صعبة، أن تكون قريبة من الجمهور، وقادرة في الوقت ذاته على التأثير في دوائر القرار، وهي رحلة طويلة من الاجتهاد والمواقف، شكّلت تجربة إعلامية استثنائية، ما زالت حاضرة في ذاكرة المشاهدين حتى اليوم.
وُلدت الحكاية في قلب القاهرة، داخل عمارة الرمالي العتيقة في وسط البلد، واحدة من تلك البنايات البلجيكية التي لا تشبه إلا نفسها، حيث كانت الطفولة أكثر رحابة من المساحات، وأكثر دفئًا من الجدران، وهناك، في الدور الأول، تشكّلت ملامح الروح الأولى للإعلامية منى الحسيني، طفلة تركض في ممرات واسعة كأنها قصور، تلعب الكرة، وتجمع حولها ضحكات الأصدقاء، في زمن كانت فيه البساطة تصنع المعنى.
لم تكن نشأتها عادية، بل جاءت داخل بيت يشبه غرفة أخبار مفتوحة، أب يتصدر موقعًا قياديًا في التلفزيون المصري، وأم تعمل في التحليل السياسي، وأخ في مؤسسة الأهرام، وعائلة بأكملها تنبض بالإعلام، لكن وسط هذا الزخم، لم يكن الإرث وحده هو ما صنع منى، بل كان الأب، بكل ما حمله من صرامة وحنان، هو البوصلة الحقيقية، علّمها كيف تحافظ على كرامتها قبل شهرتها، وكيف تتذوق الفن كما يُتذوق المعنى، حتى وهي تستمع إلى أم كلثوم، مقطعًا مقطعًا، في رحلات الإسكندرية، حيث كانت الأغاني تتحول إلى دروس في الإحساس.
كبرت منى، ولم تكن مجرد فتاة تحلم بالظهور، بل شخصية تُصاغ بعناية، انضباط، وذوق، ووعي مبكر بأن الإعلام ليس مهنة بل مسؤولية، وحين التحقت بكلية إدارة الأعمال، ظل الحلم يرافقها، أن تكون مذيعة، لكن بطريقتها الخاصة، لم تُرد أن تشبه أحدًا، بل أن تخرج من الصندوق، وأن تكون قريبة من الناس، لا مجرد وجه خلف شاشة.
جاءت الفرصة مبكرًا، حين أُعلنت مسابقة لاختيار مذيعات في التلفزيون المصري، فتقدمت دون أن تُخبر والدها، وكأنها تختبر ذاتها بعيدًا عن ظله، وهناك التقت بمن صنعت فارقًا حقيقيًا في مسيرتها، جانيت فرج، التي لم تكن مجرد مدربة، بل مدرسة كاملة في فن الإلقاء والحضور، داخل بيتها، وبين كاميرا بسيطة وتوجيهات دقيقة، بدأت منى تتعلم كيف تمسك بالكلمة، وكيف تُلقيها، وكيف تجعل الصوت يحمل روحًا لا مجرد نطق.
ثم جاءت لحظة الاختبار الحقيقي أمام الإعلامية الكبيرة سامية صادق، التي رأت فيها قبولًا خاصًا، لكنها أرادت أن تعيد تشكيلها وفق معايير الشاشة، وبين رغبة منى في البساطة، وإصرار التلفزيون على الهيئة التقليدية، كانت أول مواجهة بين الشخصية والنسق، لكنها تعلّمت سريعًا أن التوازن هو الحل، أن تبقى نفسها، من دون أن تتجاهل قواعد اللعبة.
رفضت منى الطريق الأسهل، حين عُرض عليها تقديم نشرات أحداث 24 ساعة، وهو حلم كثيرين، لكنها كانت ترى نفسها في الشارع، بين الناس، في برنامج خفيف، قريب، وإنساني، لم يكن قرارًا سهلًا، لكنه كان صادقًا، وهو ما ميّزها دائمًا.
قضت عامين كاملين تتعلم كل شيء، المونتاج، والإخراج، والتقديم، وتفاصيل العمل من خلف الكاميرا قبل أن تقف أمامها، كانت تُرهق نفسها، لكنها كانت تبني أساسًا متينًا، وحين خرج أول برنامج لها إلى النور، لم تتوقع أن يتعرف الناس عليها بهذه السرعة، وكانت لحظة عابرة في الشارع كفيلة بأن تخبرها أن الحلم بدأ يتحقق.
ثم جاءت القفزة الكبرى، حوار صريح جدًا، البرنامج الذي لم يكن مجرد تجربة، بل ظاهرة، فمن أولى حلقاته، مع حميد الشاعري، حدث ما لم يكن معتادًا، فنان يبكي على الهواء، وهنا تغيّر كل شيء، لم يعد البرنامج مجرد حوار، بل مساحة إنسانية صادقة، جذبت كبار النجوم، وأعادت تعريف العلاقة بين المذيع وضيفه.
تلقت منى دعمًا غير مسبوق من رموز الفن، مثل عقيلة راتب التي اكتفت بصوتها لتشيد بها، ومحسنة توفيق التي شكرتها لأنها تؤنس وحدتها وقت الإفطار، وكانت تلك اللحظات أكبر من الجوائز، لأنها جاءت من قلوب صادقة.
ورغم النجاح، لم يكن الطريق خاليًا من التحديات، فقد خاضت منى معارك مهنية حقيقية، خاصة في البرامج السياسية، حيث واجهت الفساد، وانتقدت صعود التيارات الدينية إلى السياسة، ودفعت ثمن مواقفها تهديدات وضغوطًا، لكنها بقيت ثابتة، مؤمنة بأن الإعلام موقف قبل أن يكون منصة.
في كل محطة، كانت تتلقى دفعات جديدة من الإيمان، حتى من خارج عالمها المباشر، مثل كلمات المخرج الكبير جمال عبد الحميد، الذي رأى فيها مشروع مذيعة استثنائية، وهكذا تشكّلت منى الحسيني، مزيج من الطفولة الدافئة، والتربية الصارمة، والشغف الصادق، والجرأة في الاختيار، لم تكن مجرد مذيعة ناجحة، بل تجربة إنسانية كاملة، تثبت أن الصدق، حين يقترن بالاجتهاد، يصنع مسيرة لا تُنسى.
في مسيرة منى الحسيني، لم تكن لحظات التقدير الأهم هي تلك التي جاءت عبر الجوائز أو التصفيق الجماهيري، بل تلك التي تسللت بهدوء من قلوب الكبار، حاملة صدقًا لا يُشترى.
تتذكر منى بكل امتنان مكالمة هاتفية استثنائية من الفنانة الكبيرة عقيلة راتب، التي بذلت جهدًا للوصول إلى رقمها، فقط لتقول لها كلمات بسيطة لكنها عميقة الأثر، أخبرتها أنها تتابع برنامجها، لا بالصورة بل بالصوت، بعدما أرهق بصرها، لكنها أرادت أن تعبر عن إعجابها بتلقائيتها وخفة ظلها، مؤكدة لها، استمري يا منى، هتنجحي جدًا، وكانت تلك الشهادة، القادمة من قامة فنية كبيرة، لحظة إنسانية خالصة، اختزلت معنى القبول الحقيقي.
ولم تكن هذه الواقعة استثناء، فقد جاءها تقدير مماثل من الفنانة القديرة محسنة توفيق، التي عبّرت لها عن امتنانها لما يقدمه برنامجها، مؤكدة أنه يضفي على يومها، خاصة في أوقات الإفطار، حالة من الأنس والبهجة، وهي كلمات حملت في طياتها تقديرًا صادقًا لتجربة إعلامية استطاعت أن تلامس وجدان الجمهور.
هكذا، لم يكن نجاح منى الحسيني مجرد أرقام أو نسب مشاهدة، بل كان حضورًا حقيقيًا في حياة الناس، وشهادة ثقة من رموز فنية كبيرة، رأت فيها صوتًا صادقًا يستحق الاستمرار.
شكّلت لحظة تكريم برنامج حوار صريح جدًا نقطة فارقة في مسيرة منى الحسيني، ليس فقط لأنها كانت جائزة، بل لأنها جاءت في توقيت مبكر، حمل دلالة الاعتراف الحقيقي بموهبة ما زالت في طور التشكل.
في احتفالية عيد الإعلاميين، وبين أسماء كبيرة وتجارب راسخة، جلست منى تتابع تفاصيل الحدث دون أن تتوقع أن يكون اسمها حاضرًا في صدارة المشهد، وفجأة، أُعلن عن فوز برنامج حوار صريح جدًا كأفضل برنامج رمضاني، لتجد نفسها في قلب لحظة استثنائية، وسط تصفيق حاد امتد في أرجاء القاعة، ولم تستوعب في البداية أن التكريم يخصها، حتى بدأت نظرات من حولها وإشاراتهم تؤكد أن هذه اللحظة لها.
صعدت إلى المسرح وسط حالة من الاحتفاء الجماعي، لا تعكس مجرد نجاح برنامج، بل تعكس حبًا حقيقيًا من الوسط الإعلامي لوجه جديد استطاع أن يفرض نفسه بسرعة وثقة، وتسلّمت الجائزة وسط كلمات دعم وتشجيع، كان أبرزها دعوة صادقة للاستمرار بنفس الشغف والحماس، والحفاظ على هذا الوهج الذي ميّز تجربتها منذ بدايتها.
تلك اللحظة لم تكن مجرد تتويج، بل كانت تأكيدًا على أن الرهان الذي خاضته منى، حين تمسكت بفكرتها ورفضت الطرق التقليدية، كان في محلّه، ومنذ ذلك اليوم، ترسّخ بداخلها يقين واضح، أن الاجتهاد الحقيقي لا بد أن يُكافأ، وأن الإيمان بالفكرة هو الخطوة الأولى نحو نجاحها.
مثّلت تجربة منى الحسيني في تقديم البرامج الجريئة نموذجًا نادرًا لما يمكن أن تصنعه المعارضة الوطنية حين تنطلق من حب حقيقي للبلد، لا من رغبة في الصدام، وكانت تؤمن أن المعارض الصادق هو الأكثر انتماءً، لأنه لا يكتفي بكشف الخلل، بل يسعى إلى اقتلاع جذوره، وطرح الأسئلة التي يخشاها الآخرون.
في واحدة من أبرز حلقات حوار صريح جدًا، فتحت منى ملفًا شائكًا يتعلق بمشروع قانون للضرائب كان من شأنه أن يفرض أعباء إضافية على المواطنين، حتى في تفاصيل حياتهم اليومية، ولم تكتف بعرض القضية، بل جمعت أطرافها على طاولة واحدة، نوابًا ومسؤولين، وواجهتهم بالأسئلة المباشرة، في مشهد إعلامي غير معتاد، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك، حين استحلفتهم أمام الكاميرا أن يقولوا الحقيقة كاملة، فانكشفت التناقضات، وظهرت أصوات رافضة من داخل المنظومة نفسها.
لم يكن هذا الطرح مجرد نقاش تلفزيوني، بل رسالة وصلت إلى أعلى مستويات صنع القرار في الدولة خلال عهد حسني مبارك، ومع تصاعد الجدل، جاء القرار بإلغاء مشروع القانون، في واقعة جسّدت بوضوح قوة الإعلام حين يُستخدم كأداة مسؤولة لنقل نبض الشارع.
تلك اللحظة لم تمر دون ثمن، فقد وجدت منى نفسها في مواجهة مباشرة مع دوائر مصالح نافذة، من مسؤولين ورجال أعمال، لم يرق لهم هذا الانكشاف العلني، لكنها أدركت مبكرًا أن الطريق الذي اختارته لن يكون سهلًا، وأن ثمن الحقيقة قد يكون المواجهة.
ولم تتوقف جرأتها عند القضايا الاقتصادية، بل امتدت إلى ملفات أكثر حساسية، مثل قضايا الدجل والشعوذة، حيث خاضت معارك إعلامية لكشف أساليب النصب التي تستغل البسطاء، وفي إحدى الحلقات، واجهت شخصية شهيرة في هذا المجال، مدعومة بشهادات ووثائق، ما تسبب في ردود فعل عنيفة، وصلت إلى محاولات للترهيب والضغط لمنع عرض الحلقة.
لكن منى رفضت المساومة، حتى حين عُرضت عليها مبالغ مالية طائلة مقابل إيقاف البث، وكان موقفها حاسمًا، الإعلام رسالة، لا تُشترى ولا تُباع، ورغم التهديدات المباشرة، والتخويف الذي طالها وأسرتها، تمسكت بموقفها، وأصرت على عرض الحقيقة كاملة
في كل هذه المعارك، لم تكن تعتمد فقط على الشجاعة، بل على إعداد دقيق، ومذاكرة مستمرة كانت تصفها بأنها امتحان يومي، وبين مسؤولياتها كأم، وساعات العمل الطويلة، كانت تُدرك أن قوتها الحقيقية تكمن في المعرفة، وفي قدرتها على طرح السؤال الصحيح في التوقيت المناسب، وهكذا تحولت تجربة منى الحسيني إلى نموذج لإعلام يدافع ولا يجامل، ويواجه ولا يساوم، ويؤمن أن الكلمة، حين تُقال بصدق، قادرة على أن تُحدث فرقًا حقيقيًا.
لم تكن الجرأة التي اتسمت بها تجربة منى الحسيني تمر دون ثمن، فمع اقترابها من الملفات الشائكة، وفتحها لقضايا حساسة تمس مصالح ونفوذ بعض الأطراف، بدأت تتلقى إشارات ضغط لم تكن كلها مباشرة، لكنها كانت واضحة الدلالة.
في واحدة من أخطر المواجهات، خلال إعدادها لحلقة تكشف خبايا عالم الدجل والشعوذة، وجدت نفسها في قلب صراع حقيقي تجاوز حدود الشاشة، وبعد أن جمعت الأدلة، واستضافت أطرافًا تكشف ما يدور خلف الكواليس، بدأت محاولات إيقاف الحلقة قبل عرضها، اتصالات متكررة، وضغوط غير معلنة، ثم عرض صريح بإغراء مالي كبير مقابل عدم إذاعة الحلقة.
لكن الرد جاء حاسمًا، دون تردد، هذا النوع من التفاوض لا مكان له في قاموسها، بالنسبة لها، لم يكن الأمر مجرد حلقة، بل مبدأ، رفضت الإغراء كما رفضت الخوف، مؤكدة أن الإعلام رسالة لا تُباع، وأن ما بُني على الصدق لا يمكن أن يُهزم بالمال.
تطورت الأمور إلى ما هو أبعد من ذلك، حيث واجهت محاولات ترهيب مباشرة، سواء عبر التهديد أو محاولات بث القلق في محيطها الأسري، حتى إن بعض الوقائع أخذت طابعًا غامضًا ومقلقًا، في محاولة لإرباكها نفسيًا ودفعها إلى التراجع، لكنها، رغم ذلك، تمسكت بهدوئها، وتعاملت مع الموقف بعقلانية، مستندة إلى إيمانها، وثقتها في أن ما تقوم به هو دفاع عن الناس، لا صراع شخصي.
وفي لحظة اختبار حقيقية، اختارت أن تُكمل الطريق، وأن تُعرض الحلقة كما هي، غير منقوصة، لم يكن القرار سهلًا، لكنه كان امتدادًا طبيعيًا لشخصية آمنت منذ البداية أن الكلمة الصادقة قد تُزعج، لكنها في النهاية تبقى.
هكذا، لم تكن التهديدات سوى محطة أخرى في مسيرة صاغتها المواجهة، وأكدت أن الإعلام الحقيقي لا يقف عند حدود الراحة، بل يبدأ حين تصبح الكلمة مسؤولية، والموقف التزامًا.
وفي امتداد طبيعي لمسيرتها، لم تكن منى الحسيني بعيدة عن أن ترى انعكاس شغفها في الجيل التالي، لكن دون أن تفرضه أو تُقيده باسمها، فقد اختارت ابنتها، لينا صالح، أن تسلك طريقًا إعلاميًا مختلفًا، أقرب إلى عالم الإذاعة الذي وجدت فيه ذاتها الحقيقية.
ورغم الفرص التي أُتيحت لها في التلفزيون، فضّلت لينا أن تبني تجربتها بعيدًا عن بريق الشاشة، وأن تُعبّر عن جيلها بصوتها الخاص، لا كامتداد لاسم والدتها، اجتهدت، وطورت أدواتها، وحرصت على أن تُثبت نفسها بمعزل عن أي دعم أو مقارنة، حتى أصبحت علاقتها بوالدتها علاقة إنسانية خالصة، أم وابنتها، لا أكثر.
كانت منى تنظر إلى هذه التجربة بفخر حقيقي، لا لأنها ترى فيها استمرارية لمسيرتها، بل لأنها ترى استقلالًا واعيًا، واختيارًا نابعًا من قناعة، فقد أدركت أن النجاح لا يُورث، بل يُبنى، وأن لكل جيل لغته ومساحته الخاصة.
هكذا، لم تكن حكاية منى الحسيني مجرد مسيرة فردية، بل حكاية تمتد بهدوء، تثبت أن الشغف حين يكون صادقًا، يجد طريقه، حتى وإن اختلفت الوسائل.
ترى منى الحسيني أن المقارنة بين أجيال الإعلام ليست عادلة بقدر ما هي مضللة، فلكل زمن أدواته، ولكل جيل ملامحه الخاصة، وتؤمن أن المذيعة، في النهاية، تُقدّم ما تفهمه وتتقنه، وأن الاختلاف لا يعني بالضرورة التراجع، بل يعكس تغيرًا في طبيعة المحتوى واتجاهاته، فبينما كان جيلها يتنقل بين مجالات متعددة، من قراءة النشرات إلى البرامج السياحية والسياسية، يميل الجيل الحالي إلى موضوعات أقرب إلى الحياة اليومية، خاصة ما يتعلق بالمرأة والعلاقات، وهي بدورها قضايا حقيقية ومهمة، لكنها تختلف في طبيعتها عن الطرح العميق الذي يتطلب إعدادًا ثقافيًا موسعًا.
ومع ذلك، تؤكد أن التحدي الأكبر لا يكمن في اختلاف الموضوعات، بل في مستوى الإعداد، فالإعلام، في جوهره، ليس حضورًا شكليًا، بل مسؤولية فكرية تتطلب قراءة ووعيًا وقدرة على إدارة الحوار، خاصة حين يتعلق الأمر بمواجهة مسؤول أو طرح قضية معقدة، فالمذيعة التي لا تمتلك أدواتها المعرفية، لن تستطيع أن تدير حوارًا حقيقيًا، مهما كان حضورها لافتًا.
ومن هنا، تُقدّم نصيحتها الأهم لكل من تدخل هذا المجال، اهتمي بعقلك قبل شكلك، فالمشاهد، كما تقول، قد ينبهر بالمظهر لثوانٍ، لكنه لا يمنح ثقته إلا لمن تخاطب فكره، والثقافة، والقراءة، ومتابعة النماذج الناجحة، ليست رفاهية، بل أساس لا غنى عنه، فالسؤال في حد ذاته فن، والإصغاء فن آخر، والحوار بينهما هو ما يصنع الفارق.
وتؤمن منى أن المذيعة القادرة على الجمع بين الذكاء والحضور، هي من تستطيع أن تكون لسان حال الجمهور، تنقل ما يدور في أذهانهم، وتضيء لهم زوايا لم ينتبهوا إليها، وتلك هي المذيعة التي تراهن عليها، والتي يمكن أن تعيد إلى الإعلام بريقه الحقيقي.
وعلى الجانب الإنساني، تتحدث منى عن عائلتها باعتبارها السند الحقيقي في رحلتها، فإلى جانب ابنتها لينا، هناك ابنها عمر، الذي اختار طريقًا مختلفًا بعيدًا عن الإعلام، لكنه كان حاضرًا بقوة في تفاصيل حياتها، تصفه بأنه شديد الغيرة عليها، حريص دائمًا على أن يراها في أفضل صورة، خاصة أمام الشاشة، وكان ناقدًا دقيقًا، يلفت نظرها إلى تفاصيل قد لا ينتبه إليها الآخرون، من طريقة الضحك إلى أسلوب الظهور، بدافع الحب والخوف معًا.
وتعترف أن نقده كان يصل إليها بشكل مختلف، وربما أكثر تأثيرًا من أي رأي آخر، حتى إنها كانت تمزح معه قائلة إنه لو كان زوجها لما احتملت دقته، لكنه، في الحقيقة، كان يمنحها دعمًا من نوع خاص، ويشعر بفخر كبير حين يُذكر اسمها مقرونًا بالاحترام
في النهاية، تنظر منى الحسيني إلى مسيرتها برضا واضح، لم تسع فقط إلى النجاح، بل إلى أن تترك أثرًا نظيفًا، واسمًا يُحترم، وبين كل ما حققته، يبقى هذا هو الإنجاز الأهم، أن تخرج من المشهد كما دخلته، بكرامة، وسمعة تليق بما قدمته.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى